25 يناير.. يومٌ يحبنا ونحبه
ديسمبر 2010
أسعد يوم في حياتي.
يهتف الرجل التونسي "بن علي هرب"، وأصرخ وأنا أكرر وراءه أمام التليفزيون: لقد هرمنا.
يومها كنتُ بمصر الجديدة. المطر يغرق الشوارع والسيارات متعطلة بسبب برك المياه أمام الكلية الحربية.
أجري متجاوزًا تجمعات المياه وأنا أرددُ بسعادة "بكره مبارك يهرب"، فهمت منذ اللحظة الأولى أن عروش الحكام العرب ستنهار كالدومينو كما حصل في أوروبا الشرقية.
كنتُ ذكيًا. القراءة تتيحُ لك المعرفة والله.
رسمتُ عالمًا كاملًا في خيالي، قلتُ لنفسي سنطيح بمبارك وخلال عشرين سنة لن يضرب ضابطٌ سائقَ ميكروباص على قفاه ولن تملأ القمامة شوارعنا.
تأملتُ السيارات العالقة في الطريق، لن تكون هناك مثلها بعد الآن بسبب دولة فاشلة تهمل مصارف الأمطار. ستنهار الجمهوريات العربية المستبدة. وبعد عدة سنوات سيتشكل تحالف ديمقراطيات عربية من قادة منتخبين كالاتحاد الأوروبي.
كنتُ غبيًا، من قال إن القراءة وحدها تتيح لك المعرفة؟
2010
أفكار مراهقة عن عالم مثالي يتحقق بالضربة القاضية؟
صحيح، لكن ما المشكلة؟
كنتُ شابًا عشرينيًا، قل لي سببًا كي لا يحلم شاب عشريني.
2011
نزلتُ يوم 25 يناير ومعي حماسي وأفكار ساذجة تليق بشاب متحمس مدونته اسمها "حصلح الكون". رجعت بعد 18 يومًا وقد صليتُ الجنازة خمس مرات في ميدان التحرير.
نهار 25 يناير كنت أسيرُ في شوارع وسط البلد بحثًا عن ثورة، (ثورة؟)، لم أكن أبحث عن مظاهرات، كنت أبحث عن هدف محدد: ثورة، عن شيء أنا نفسي لا أعرفه.
كصحفي في جريدة الدستور كنت أعرف المتظاهرين، عادة أصافحهم واحدًا واحدًا، كلهم صحفيون ومدونون ونشطاء أعرفهم.
اتَّصل بي تليفونيًا الصديق الصحفي عمرو بدر، يخبرني أنه بلغه أن المحامين يتظاهرون أمام نقابتهم، يسمعني جاري في المترو فيقسم لي أن هذا شعب جبان، لن يثور أو يتغير أبدًا.
أجدهم، مظاهرة تسير على كورنيش النيل عند ماسبيرو، ترفع أعلامًا لحزب الوفد، (الوفد؟)، وزعها أحدهم، أعداد هائلة، ووجوه لا أعرفها.
من هؤلاء؟
2011
تنقسم المظاهرة؛ مجموعة تذهب إلى دار القضاء وأخرى إلى دوران شبرا، ثم نتجمع في التحرير. أعداد ضخمة لكنها تقل مع الوقت، بعد الحادية عشرة مساء بدقائق أسمع دوي أول قنبلة مسيلة للدموع.
أندفع باتجاه القنابل في مشهد سريالي، متجاهلًا الجموع التي تجري، أصرخ "إثبت.. إثبت"، كان لدي تصور طفولي أننا سنبيت في الميدان حتى يرحل مبارك إلى السعودية كما فعل بن علي. يميل شاب أسمر نحوي وهو يغطي وجهه بمنديل ليقلل من أثر الغاز.
ويسألني ببساطة "نثبت ليه؟ بيضربونا.. ما نجري".
عاندت، أهتف بحماس يسقط يسقط حسني مبارك، أكررها خمس مرات وحيدًا، أكتشف بعد لحظات أنني غير قادر على الاحتمال (مفاجأة؟). أتراجع.
يراني الشاب الأسمر ثانية فيربت على كتفي بشفقة ناعيًا الغباء.
ننسل من الميدان عبر أرض خلاء ترابية أصبحت فيما بعد جراج فندق نايل ريتز. أكثر من عشر دقائق متواصلة نشم الغازات المسيلة للدموع. أنهار على الرصيف، وحولي يتهاوى شباب جامعيون على الكورنيش من أثر الاختناق. لا أسمع سوى سباب، ووسط الدخان أرى شابًا يهز صديقه من كتفيه وهو يستحثه على الرحيل: "حيقتولنا هنا، حيقتولنا، ومش حيكون لنا ديّة، طيب نمشي ونرجع بكره".
"مش ماشي، مش ماشي".
2011
يلقي الغاضبون مما حدث في الميدان الحجارة على سيارة شرطة تمر تحت كوبري 6 أكتوبر، أقول لصديقي أحمد رجب الصحفي بالمصري اليوم بينما نتابعهم بأعيننا إنه من غير اللائق إلقاء الحجارة، سيقال إننا مثيرو شغب.
"كده كده حيقولوا".
شكرًا صديقي، والله برنس.
2011
يوم 28 يناير كنت أعمل بموقع عربي، وأقبض منه بالدولار عقبال عندكم، قدمت طلب إجازة ورُفض، تغيبت فرفدوني.
شاب وطني؟ أبدًا.
كنت شابًا عاديًّا جدًا، فريق العمل فعل الشيء نفسه، كلنا قدمنا على إجازة، وحين رُفضت، نزلنا الشوارع.
فُصلنا جميعًا. مديرنا اللبناني استعان بفريق آخر من خارج القاهرة، قعدت بعدها شهرين في البيت متفرغًا للعزيزة مصر.
2016
الأحلام التي وُلدت في التحرير ماتت في إشارة مرور مدينة نصر.
فشلنا، فتصورت أنني فشلت، حلمي عن دولة متقدمة حرة تبخر، تكثف في ميدان التحرير ثم أمطر مجموعة كباري، وكان الله بالسر عليم.
أبدو مهمومًا دومًا. مال نحوي مَن التقيته حينما كان توجيه لفظ "قواد" لسياسي سبابًا وليس صفةً. ثم التقيته ثانية الآن فقال لي، "قلت لك مش حتتصلح عمرها، هنا لا حيكون فيه حرية ولا بلد نضيفة أبدًا. عمركم راح على الفاضي".
طيب يا سيدي، شكرًا ع المعلومة.
2026
سعيد بالذكرى، راضٍ عن كل لحظة.
لم أعشْ في حياتي سعادةً صافيةً كهذا اليوم، أبتسم كلما استرجعت شعوري يومها.
حياتي تغيّرت من بعد 25 يناير، أعدتُ التفكير في كل شيء.
بعد 15 عامًا لم أعد أنتظر أن أسير في الشوارع بحثًا عن ثورة تبدّل كل شيء في يوم، لكن ما زال يدهشني الظلم. ما زلت أُعجب بقيم الشجاعة والكرامة. ما زلت أعلم أن من لا يحلم بغد أفضل ويتصور أنه ليس في الإمكان أفضل مما كان يموت مكانه.
هل نُحاسب على المآلات؟ لا أعرف، لكني ما زلت أحلم ببلد شوارعه نظيفة، فيه التعليم والصحة أولوية. بلد فيه اهتمام بالبحث العلمي بدلًا من أن نكون عالة على البشرية.
لم ننجح، لا يهم.
المهم أننا حاولنا.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.