تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
"دي ثورة.. حاجة مش بتحصل في العمر غير مرة واحدة"

يناير وGen Z| ثورة بلا وريث.. لماذا تركتموها يتيمة؟

منشور الأربعاء 21 كانون الثاني/يناير 2026

في الثامنة من عمري، عالمي كله كان ينحصر في مدينتي الهادئة؛ الإسماعيلية. وأقصى ما أنتظره بشغفٍ هو عودة أبي من العمل ليقاسمني الوقت والحكايا. لم أكن أعرفُ شيئًا عن القاهرة، ولا يعني لي اسم "ميدان التحرير" شيئًا، حتى جاء ذلك اليوم الذي عاد فيه أبي مبكرًا على غير العادة.

تسمرت عيناه أمام التليفزيون، وتسمرت أنا بجواره أشاهد لأول مرة تلك الأمواج البشرية الهائلة. سألته ببراءة: "هو فيه ايه؟"، فحُفر رده في ذاكرتي "دي ثورة... حاجة مش بتحصل في العمر غير مرة واحدة، حتى جدك نفسه ما عاصرش ثورة".

تلك العبارة لم تمر بسهولة، رسّخت بداخلي شعورًا جامحًا بأنني "محظوظ"؛ محظوظ لأنني جئت إلى الدنيا في التوقيت المناسب لأشهد هذا الاستثناء. صدّقت أبي حينها، وما زلت أصدقه اليوم، بعد مرور 15 عامًا. كلماته تلك هي التي غرست فيَّ فضولًا لا ينطفئ، وشغفًا دائمًا بالبحث عن كل قصص الميدان، والإنصات لكل من كان له "شرف المحاولة" هناك.

توالت الأيام، وتحول أبي من مُشاهد خلف الشاشة إلى واحد في تلك الأمواج في ميدان الممر بالإسماعيلية، وتحولت أنا إلى حارس صغير يقف خلف النافذة، يترقب عودته بخليط من الفخر والرعب.

ثم جاءت ليلة 11 فبراير وتنحى حسني مبارك؛ تلك اللحظة التي رأيت فيها دموع أبي وهو يجلس جوار أمي بصمت مهيب أمام التليفزيون. وحين سألته عن سر بكائه، قال بصوت مرتعش "مكنتش مصدق إن اليوم دا هييجي.. دا كان كابس على نفسنا تلاثين سنة". في تلك الليلة، ورثت عن أبي "نشوة الانتصار"، لكنني لم أكن أعلم أنني سأرث معها أسئلة تكبر معي.

تمضي الأيام، وملامح الثورة تتمدد في بيتنا. عاد أبي يومًا ببوستر علّقه على باب المنزل. كانت تتوسطه عبارة "الورد اللي فتح في جناين مصر"، وحوله وجوه كثيرة لشباب في مقتبل العمر. كنت أقف أمام البوستر طويلًا، أتأمل الوجوه والأسماء والأعمار. كان العجيب بالنسبة لي كطفل هو سنهم؛ غالبيتهم في العشرينيات.

حينها تشكلت في خيالي قناعةٌ طفوليةٌ بأن "سن العشرين" هو سن النضج الكامل، سن البطولة، السن الذي يصبح فيه الإنسان واعيًا ومؤثرًا لدرجة أن يموت لأجل بلده. كنت أحدث نفسي "هو أنا لما أكبر ويبقى عندي عشرين سنة.. هكون زيهم؟".

كبرتُ، وصرتُ اليوم أكبر من بعض هؤلاء الشهداء عمرًا، واكتشفت أن سؤالي كان قاسيًا، وأن المقارنة ظالمة. ليس لأننا جيل "أقل"، ولكن لأن اللحظة نفسها كانت استثنائية، وانتزعت من شباب ذلك الوقت أبطالًا بحجم الحدث.

مع الوقت، ومع المسافة التي تفصلني عن القاهرة، بدأت رحلة البحث الفردي. قرأت، وتابعت، وفهمت ما لم يستوعبه عقلي الصغير وقتها. لكن مع الفهم، جاء إدراك مؤلم لواقعنا كـ"جيل زد".

بدأت أشعر بحالة غريبة من "الاحتكار" يمارسها جيل الثورة. وكأن يناير ملكية خاصة لمن نزل، ومن هَتف، ومن أُصيب. وهو شعور قد يكون مفهومًا إنسانيًا، لكنه مُحبِط لجيل كامل كان طفلًا وقتها، ويريد أن ينتمي لهذا التاريخ. في نقاشات كثيرة، صريحة أو ضمنية، كانت تصلني رسالةٌ واحدةٌ "انت كنت عيّل.. متتكلمش في اللي متعرفوش".

كان الأولى أن يحدث العكس. كان المفترض أن يفخر "الثوَّار القدامى" بأن هناك جيلًا جديدًا لم يعش اللحظة في الميدان لكنه عاشها في الوجدان يريد أن يكمل الحكاية. كان عليكم أن تفتحوا لنا الباب، لا أن تغلقوه بدعوى "عدم المعاصرة".

وهنا يقفز إلى ذهني مثال نصر أكتوبر. أغلبنا لم يعش حرب 73، ومع ذلك، من عاصروه ورثّوا النصر لنا محفورًا في الذاكرة، تشربناه في المدارس، ورسمنا الدبابات في حصص الرسم، وعرفنا عدونا إسرائيل بوضوح، وكبرنا ونحن نحمل يقينًا بأننا "نستطيع الانتصار" في أي يوم رغم أننا لم نسمع دوي المدافع.

المفارقة هنا؛ أن أكتوبر كان "إنجازًا عسكريًا" تبنته الدولة، فصار إرثًا متاحًا للجميع. بينما يناير كانت "إنجازًا شعبيًا" خالصًا، ومع ذلك احتكرها من صنعوها. لماذا نجحنا في توريث الحرب وفشلنا في توريث الثورة؟ لماذا نجحت أكتوبر في أن تزرع فينا شعورًا بالقدرة، بينما يناير، بسبب صمت من شاركوا فيها، لم تشعرنا أبدًا بأننا يمكن أن ننتصر يومًا ما؟

إجابتي هنا ليست ساذجة؛ أنا لا ألوم الدولة، ولا أنتظر منها أصلًا أن تحتفي بحدثٍ خرج عن طوعها أو أحرج سياقها. أدرك تمامًا أن الأنظمة، بطبيعة الحال، قد لا تحب يناير، ولن تسعى لتوريث "جمرتها" للأجيال الجديدة، وهذا شيء لا أنتظره ولا أعوِّل عليه.

لكن عتابي المرير، ولومي كله، يقع على "الناس"، عليكم يا من شاركتم في الثورة، على الجيل الذي صنع الحدث ثم صمت. يناير كانت يتيمة وافتقدت لهيكل مؤسسي يحميها، فكان يجب ألا يتركها أهلها يتيمة الذاكرة أيضًا.

كانت تستحق أن تُحكى في البيوت رُغمًا عن المناهج الدراسية التي تجاهلتها لاحقًا، أن نتربى شفهيًا على فكرة "أننا نقدر"، وأن الظلم ليس قدرًا أبديًا، وأن الحرية تستحق المحاولة حتى لو تعثرت النتائج.

اليوم، أرى أطفالًا ومراهقين لا يعرفون عن يناير غير أنها "أحداث شغب" أو مجرد يوم إجازة رسمية، فهي لم تُحكَ لهم من أصحابها، أو حُكيت بنبرة يأس جعلتهم ينفرون منها.

في ذكرى يناير، دائمًا ما يتغنى الجيل الأكبر بعبارة "لقد مسّنا الحلم مرة". وأنا حين أقرؤها أصدقهم وأحترم حزنهم، لكنني أشعر بالأسى لأن الحلم مسّهم هُم فقط، ولم يسمحوا له أن يمسّنا نحن أيضًا.

ليبقى السؤال الحقيقي ليس "هل نجحت الثورة أم فشلت؟"، بل "هل الثورة التي لا تُورّث للأجيال الجديدة.. تظل ثورة؟".

هذا ليس مجرد عتاب لجيل سبقنا، بل دعوة لكسر الصمت. لا تتركوا ذاكرتنا نهبًا للفراغ أو التشويه. حرروا يناير من احتكار "أصحاب الجروح" وامنحوها لأصحاب "الأحلام". احكوها لنا بانتصاراتها وانكساراتها، بجمالها وقبحها، لنعرف من نكون.

أنا ذلك الطفل الذي كبر وهو يقف على أطراف أصابعه، يطل من نافذة التاريخ، منتظرًا أنْ يَفتح له أحدٌ الباب ليدخل. فلا تغلقوا الأبواب.. لأن الحكاية التي لا تُروى، تموت، ونحن لا نريد ليناير أن تموت.

هذه القصة من ملف  يناير وGen Z| تكلم حتى أراك


يناير وGen Z| أكثر واقعيةً.. أقل اندفاعًا

مروان محرز _  من أبرز تجليات رؤية جيلي للحياة في مصر الآن هو السعي إلى الهجرة. بالنسبة للبعض، لم تعد الهجرة مجرد خيار اقتصادي بل موقف سياسي صامت يعكس فقدان الأمل في حياة عادلة.

يناير وGen Z| العشاء الأخير للمصريين

نهى عبير _  الطبقية الثقافية هي سرطان الثورة. صحيح أن النظام عمل على تفكيك الكتلة الشعبية ولكن الطبقية ساهمت في هذا التفكيك. أي كِبَر أصاب الثوار ليروا أن كلمتهم هي العليا والأصغر منهم سفهاء؟

يناير وGen Z| الشوك اللى طرح في جناينكم

ريم عبدالعزبز_  صرنا فردانيين، كل يشق طريق نجاته وحده، لأن مشروع البيت المشترك لم يجد من يضع حجره الأول. نحن قطع حادة حية مهملة. ولكن حتى في ظل الإهمال، يستمر شيء ما في النمو، فرادى، ولكن معًا.


مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.