حملات قبض عشوائي وبيانات إدانة.. شتاء الملاحقات الأمنية يشتدُّ على اللاجئين
"فِيه قبض عشوائي شمل كبار السن والمرضى والأطفال"؛ تصف مروة حجازي، السودانية المتطوعة المتعاونة مع المفوضية السامية للأمم المتحدة في مصر لحصر ومساعدة المحتجزين من اللاجئين، الحملات الأمنية الأخيرة التي تشنها وزارة الداخلية على مناطق تجمعات غير المصريين.
وشهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 حملات أمنية مشددة فرضت إيقاعًا جديدًا على حياة اللاجئين في مصر، إذ تحولت الحملات الأمنية إلى واقع مستمر يطارد السوريين والسودانيين والجنسيات الأخرى؛ في مخالفة لتعهدات الحماية الدولية التي تمنع الترحيل القسري للاجئين.
من واقع معيشتها وجولاتها على أقسام الشرطة بمحافظة الإسكندرية، التي يُحتجز فيها اللاجئون، توضح مرورة لـ المنصة أن الحملات التي تستهدف السودانيين والسوريين، حتى من حاملي بطاقات المفوضية، تضاعفت في الفترة الأخيرة؛ "الإجراءات دي كانت بتتم كل سنة لكن كانت أخف، أما حاليًا فيه حالات قبض عشوائي".
تتزامن الحملة الأمنية مع أخرى رقمية منسقة تدعو إلى "ترحيل جميع اللاجئين".
"فيه اعتقالات واسعة على أكثر من عشرة أقسام في الإسكندرية، والوضع سيئ جدًا، لأن الأغلبية معاهم كروت مفوضية وفي انتظار تجديد الموعد، أنا بلف على الأقسام كل يوم أتابع المحتجزين وأرفع تقارير لمحامين المفوضية لكن للأسف السفارة والمفوضية ما عندهم دور"، تقول الناشطة السودانية.
تشير مرورة إلى أن غالبية المقبوض عليهم من اللاجئين السودانيين محتجزون في قسم العجمي، أما السوريون فيتوزعون بين أقسام المنتزه أول وثان والعطارين، لافتة إلى أنها لم ترصد انتهاكات من الشرطة "الأقسام بتعامل المحتجزين باحترام لكن الإجراءات صعبة والحملات كل يوم".
وتتزامن الحملة الأمنية مع أخرى رقمية منسقة حسب ما أثبت موقع صحيح مصر، تدعو إلى "ترحيل جميع اللاجئين". هذا التوازي بين التحريض الرقمي والتصعيد الميداني يعيد إنتاج صورة رأي عام غاضب مصطنعة، تُستخدم لتطبيع إجراءات استثنائية ضد اللاجئين.
أطفال وشيوخ تحت الاحتجاز
يتلخص دور المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، المنوط بها متابعتهم وتوفير الرعاية لهم، في إرسال محامٍ يحضر مع المحتجزين أمام النيابة، حسب مروة، التي تشكو من تعقيد الإجراءات وإخلاء السبيل الإداري؛ "المحامي بيروح مع المحتجز للنيابة، بعدها بيخلى سبيله مع توصية بالرجوع إلى السلطات المعنية اللي هي الهجرة والجوازات والأمن الوطني، بعد كدة يرجعوه القسم، وتاني يوم يروحوا الهجرة والجوازات والأمن الوطني وبعدين السفارة والعباسية ثم القسم.. فيه ناس بقالهم 8 و10 أيام في نفس الدايرة دي".
حسب الناشطة المتطوعة، لا يتوقف الاحتجاز عند البالغين، إنما يتخطاه إلى الأطفال؛ "من كام يوم اتبلغت إن فيه أطفال تحت 16 سنة اتاخدوا رغم إن معاهم إقامة سارية، وده أول مرة يحصل إن اللاجئ يُظهر إقامة سارية ومع ذلك يتاخد".
وتساعد المتطوعة السودانية المحتجزين من كبار السن والمرضى، إذ تعمل على إدخال الأدوية لهم في أماكن الاحتجاز بالتعاون مع زميلتها ندى شايب، الحاصلة على جائزة نانسن المقدمة من الأمم المتحدة للاجئين؛ "علاقات ندى بالجهات الأمنية بحكم عملها في مجال التطوع واللجوء يسهل مهمتنا، بنروح سوا الأقسام بشكل تطوعي وعندنا تواصل مع المفوضية والمؤسسة المصرية لدعم اللاجئين باعتبارها الشريك القانوني للمفوضية".
إدانات حقوقية
وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تستضيف مصر أكثر من 914 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين من 61 جنسية مختلفة، ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبحت الجنسية السودانية الأكثر عددًا تليها السورية، ثم تأتي أعداد أقل من جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا، واليمن، والصومال، والعراق.
وصدر في ديسمبر/كانون الأول 2024 قانون اللاجئين، الذي استحدث لجنة دائمة تتبع رئيس مجلس الوزراء لتكون الجهة المسؤولة عن شؤون اللاجئين، بما في ذلك إدارة البيانات والتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة.
منظمات حقوقية تطالب بضمان خضوع أي احتجاز متصل بالهجرة واللجوء لرقابة قضائية فعالة
وفي الثاني والعشرين من يناير (كانون الثاني) الماضي، تفاعلت منصة اللاجئين في مصر و10 مؤسسات حقوقية أخرى مع حملات القبض العشوائية على اللاجئين، وطالبت في بيان للها بالوقف الفوري لحملات التوقيف والتجريم والاحتجاز والإجبار على الترحيل القسري التي تستهدف السوريين وغيرهم من اللاجئين والمهاجرين على أساس وضع الإقامة فقط، والإفراج عن جميع المحتجزين على خلفية مخالفات إدارية قابلة للتسوية.
ودعت كذلك للامتناع الكامل عن أي قرارات إبعاد قسري بحق السوريين، في ظل استمرار المخاطر الجسيمة في بلدهم الأصلي، بالإضافة إلى وضع مسارات قانونية واضحة وعملية لتقنين الأوضاع، تشمل الاعتراف بالمستندات المؤقتة، وتقليص مدد الانتظار أمام إدارات الجوازات والهجرة، ووقف استخدام التعقيدات الإدارية كأداة ضغط، ووقف الإجراءات غير القانونية الناتجة عن دفع الأشخاص لوضع غير مقنن ثم عقابهم ماليًّا وشخصيًّا.
ونصت التوصيات التي تضمنها البيان على ضمان خضوع أي احتجاز متصل بالهجرة واللجوء لرقابة قضائية فعالة، وتحديد سقف زمني واضح له، وتطبيق بدائل غير احتجازية، تماشيًا مع المعايير الدولية، وتمكين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من الوصول الكامل إلى جميع المحتجزين من طالبي اللجوء واللاجئين السوريين وغيرهم، وضمان حقهم في المشورة القانونية وفي الطعن الفعّال على أي قرار ترحيل قبل تنفيذه.
"الداخلية" تكسر صمتها
أمام هذه الوقائع التي تواترت للقبض على لاجئين، والبيانات التي أدانت أسلوب التعامل الأمني معهم، ظلت وزارة الداخلية متمسكة بالصمت لأسابيع، حتى اضطرت لكسره بالبيان الصادر مساء الاثنين 2 فبراير/شباط الجاري، الذي نفت فيه القبض على مواطن سوداني في محافظة الجيزة، فيما أكدت أن الفيديو الذي انتشر على السوشيال ميديا ويظهر فيه إلقاء القبض على أحد الأشخاص صحيح، وأن الواقعة حدث في الإسكندرية، وسبب القبض عليه "دخوله البلاد بطريقة غير شرعية".
بيان الداخلية استدعى تعليقًا من نور خليل، الناشط في حقوق اللاجئين، وطرح عددًا من الأسئلة في بوست على صفحته الشخصية على فيسبوك حول اتساع نمط التوقيف والاحتجاز، متسائلًا عن الإجراءات المتبعة بحق "مخالفي شروط الإقامة"، وحدود مسؤولية الوزارة عن الميكروباصات التي يُجبر أشخاصًا على ركوبها من الشارع، ومصير من جرى توقيفهم بالطريقة نفسها منذ يناير.
كما طالب بتوضيح أعداد المقبوض عليهم، ومسارات من صدرت قرارات إخلاء سبيلهم في محاضر إدارية، وما إذا كانت الحملات تطول أطفالًا أو حاملي إقامات سارية، ومصير من نُقلوا بين أقسام القاهرة والجيزة والإسكندرية ولا تعلم أسرهم عنهم شيئًا حتى الآن.
"تدقيقات معتادة"
في محاولة للتطمين، يرى إبراهيم عز الدين أمين الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، أن التدقيقات الأمنية معتادة كل عام، خاصة في ظل وجود عدد كبير من اللاجئين القادمين بطرق غير شرعية.
ويُرجع التشديدات التي يشهدها هذا العام أيضًا لحالة التعافي التي بدأت تدب في أوصال السودان وسوريا خلال العام الماضي؛ "بقى فيه بعض المناطق الآمنة اللي تحتمل عودة المواطنين إليها"، يقول لـ المنصة، مشددًا على أن السفارة أو الجالية لا تملك حق حصر المخالفين أو ممارسة أي ضغوط على الدولة المصرية، "ترحيل المخالفين أو تقنين الأوضاع مسألة سيادية لا شأن لنا كأجانب بها".
بالمقابل يدعو عز الدين لمراعاة ظروف المخالفين من اللاجئين الذين دفعتهم الظروف للهروب إلى مصر والدخول بشكل غير شرعي وتعريض حياتهم للخطر؛ "نعلم أن هؤلاء وجودهم غير قانوني، ونشكر للدولة المصرية أنها أكرمتنا ولا نعيش في مراكز إيواء ولا مخيمات، لكن نطالب بمراعاة الظروف، لأننا مش متعودين على كده وبنعتبر نفسنا في بلدنا الثاني، ولولا الاضطرار ما كان المخالفين يفضلوا إنهم يوصلوا مصر بطرق غير شرعية ويعرضوا حياتهم للخطر".
في ظل هذا التصعيد، لا يبدو أن القبضة الأمنية وحدها كافية لإدارة ملف اللجوء في مصر، فهي على العكس تُعمّق هشاشة حياة من فرّوا من الخطر. وحدها السياسات الواضحة والمسارات القانونية العملية، التي تحترم مبدأ عدم الإعادة القسرية، قادرة على إنهاء هذا الدوران اليومي بين الأقسام والنيابات وتؤمن حدًّا أدنى من الأمان للاجئين.