برخصة المشاع الإبداعي: ويكيميديا
قبل الثورة الليبية عام 2011 كان سيف الإسلام القذافي مسؤولًا إلى حد كبير عن توطيد العلاقات مع القادة الأجانب

الخلاصة| كيف يُعيد اغتيال سيف الإسلام القذافي رسم خريطة التحالفات في ليبيا؟

منشور الاثنين 9 شباط/فبراير 2026

وسط حشود تردد هتافات بوحدة ليبيا وسط إجراءات مشددة، شُيّعت يوم الجمعة الماضي في مدينة بني وليد جنوب شرق العاصمة طرابلس، جنازة سيف الإسلام القذافي، ثاني أكبر أبناء الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، بعد اغتياله في وقت متأخر من ليل الثلاثاء الماضي، في هجوم أعاد إشعال الخصومات القديمة وسلط الضوء على الخلافات والانقسامات السياسية في البلاد.

الجنازة التي وصفها الساعدي، شقيق سيف الإسلام الأصغر، بأنها الأكبر "في تاريخ ليبيا" واعتبرها "استفتاءً وطنيًا"، شهدت هتافات مؤيدة لنظام معمر القذافي الذي أُطيح به من الحكم عام 2011 على وقع مظاهرات شعبية حاشدة تحوّلت إلى عنف أهلي مسلّح انتهى بقصف لقوات الناتو، بتفويض من مجلس الأمن الدولي. 

قبل الإطاحة بأبيه؛ طالما نُظر إلى سيف الإسلام كوريث إصلاحي لحكم ليبيا. ولكن بعد 2011 تحول إلى رمز لاستمرارية التحدي والحنين لعهد القذافي، محتلًا موقعًا فريدًا في سياسات بلد منقسم. واليوم، بعد اغتياله، أُزيلت شخصية سياسية وازنة من المعادلة، لتُطرح أسئلة ملحة حول الجهة التي دبرت الاغتيال، ودوافعها، وتداعيات غيابه في دولة منقسمة على نفسها، بين شرق تقوده عائلة خليفة حفتر، وغرب معترف به من قبل الأمم المتحدة.

وحسب فريقه السياسي ومحاميه، اقتحمت وحدة "كوماندوز" مكونة من أربعة رجال مقر إقامته في مدينة الزنتان (غرب البلاد) بعد تعطيل نظام المراقبة، وقتلوه بالرصاص قبل أن يلوذوا بالفرار. وفي حين فتح النائب العام الليبي تحقيقًا جنائيًا، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث حتى الآن.

من هو سيف الإسلام؟

قبل ثورة 2011، كان سيف الإسلام وجه عائلة القذافي المسؤول عن نسج العلاقات مع القادة الأجانب. بصفته إصلاحيًا تلقى تعليمه في الغرب، قاد جهود التقارب بين ليبيا وأوروبا والولايات المتحدة، بما في ذلك مفاوضات التعويضات المتعلقة بتفجير لوكربي، ودعم تفكيك برنامج أسلحة الدمار الشامل الليبي.

بالنسبة للعديد من العواصم الأجنبية، مثَّل سيف الإسلام "الواجهة العصرية" لنظام القذافي، متحدثًا علنًا عن التغيير الدستوري والمجتمع المدني داخل النظام السلطوي لوالده. لكن عندما اندلعت ثورة 2011، تهاوت تلك الواجهة العصرية لتفسح المجال لدفاع متشدد عن النظام.

وخلال خطاب تليفزيوني في 20 فبراير 2011، هدد سيف الإسلام بحملة قمع عنيفة وحذر من "أنهار من الدماء"، متعهدًا بالقتال للحفاظ على حكم والده وملقيًا باللوم فيما يحدث على مؤامرات خارجية.

بعد سقوط طرابلس ومقتل والده، اعتقله مقاتلون من الزنتان (نفس المدينة التي شهدت نهايته) أثناء محاولته الفرار نحو النيجر.

وفي عام 2015، قضت محكمة في طرابلس بإعدامه غيابيًا، لكن سلطات الزنتان رفضت تسليمه. ووردت تقارير لاحقة تفيد بمنحه العفو في 2017.

وبحلول عام 2021، عاد للظهور، معلنًا ترشحه للانتخابات الرئاسية التي كانت مخططة آنذاك، مقدمًا نفسه كضامن لعودة النظام والاستقرار اللذين ميزا عهد القذافي.

لم تُجرَ تلك الانتخابات في نهاية المطاف، وظل سيف الإسلام شخصية غامضة لكنها مؤثرة في المشهد السياسي الليبي الممزق، غير مقيد بمؤسسات رسمية ولكنه لا يزال يحظى بالولاء في أجزاء من البلاد.

من المستفيد من اغتياله؟

في يناير/كانون الثاني 2026، عقدت شخصيات ليبية رفيعة المستوى من المعسكرات المتنافسة اجتماعات في باريس مع مسؤولين فرنسيين.

شملت المحادثات زيارة لصدام حفتر، نائب قائد "الجيش الوطني الليبي" بقيادة خليفة حفتر، لمناقشة التعاون الأمني والحكم الموحد.

كانت هذه المفاوضات جزءًا من جهود متجددة مدعومة من مبعوثين غربيين لإحياء العملية السياسية والسلطة المركزية.

وكان العديد من المراقبين ينظرون إلى سيف الإسلام كشخصية سياسية يصعب التنبؤ بها، تمتلك جاذبية شعبية متبقية في بعض المناطق وشبكات قبلية، ولكن دون قيود مؤسسية رسمية. 

مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها، لا تزال هوية من يقف وراء عملية الاغتيال غير واضحة. ومع ذلك، حدد تحليل أولي صادر عن "معهد روبرت لانسينج" (Robert Lansing Institute) عدة جهات محتملة.

يشير أحد السيناريوهات إلى شبكات متحالفة مع ميليشيات مدعومة من الغرب أو متمركزة في الزنتان، وهي المجموعات التي احتجزت سيف الإسلام سابقًا بعد 2011.

هذه الجهات متغلغة في هياكل السلطة المحلية حول الزنتان ولديها القدرة الميدانية والوصول اللازم لتنفيذ غارة كهذه.

قد تخدم إزالة سيف الإسلام هدف تصفية حسابات داخلية، أو منعه من الظهور مجددًا كشخصية سياسية وطنية، أو استباق أي صفقة قد تعزز نفوذه في نظام سياسي معاد تشكيله.

غير أن احتمالًا آخرَ يشير إلى تورط الحكومة المتمركزة في طرابلس والميليشيات المتحالفة معها في العملية.

بالنسبة لهم، فإن القضاء على سيف الإسلام من شأنه تضييق مجال المنافسين المحتملين للرئاسة وتقليل خطر عودة "القذافية" التي قد تقوض جهود نخب غرب ليبيا لترسيخ سلطتها.

ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن دليل علني يربط قوات الأمن المتحالفة مع طرابلس بالهجوم.

كما يذكر المعهد ومراقبون آخرون "الجيش الوطني الليبي"، والتنظيمات الجهادية، وأجهزة استخبارات أجنبية كجهات فاعلة محتملة ولكن أقل ترجيحًا.

كيف يعيد اغتياله تشكيل صراعات السلطة؟

يُخرج هذا الاغتيال واحدًا من أبرز الشخصيات الليبية من الحلبة السياسية التي مثَّل فيها سيف الإسلام القذافي "الفيل الموجود في الغرفة"؛ الجميع رآه، والبعض خشي منه، والآخر عوِّل عليه لقلب الطاولة.

فما حدث يتجاوز مجرد حذف اسم من قائمة المرشحين المحتملين للرئاسة، إلى انهيار ركن أساسي في "مثلث التوازن القلق" الذي يحكم البلاد، ممثلًا في الجيش شرقًا، والحكومة غربًا، وأنصار النظام السابق (الكتلة الخضراء) التي كان سيف الإسلام رمزها الجامع، وباتت أقرب بعد اغتياله إلى التفتت.

فبالنسبة للقوى المحسوبة على "فبراير" في غرب ليبيا (مصراتة، الزاوية، طرابلس)، مثّل احتمال عودة سيف الإسلام "الخطر الوجودي" الذي يجبرهم على التوحد رغم خلافاتهم. بغياب هذا الخطر، قد تتفاقم الصراعات البينية داخل المعسكر الغربي. الميليشيات في طرابلس قد تعود للاقتتال على النفوذ والموارد، حيث لم يعد هناك "عدو مشترك" يهدد بعودة النظام السابق.

ومع غياب المنافس الشاب الوحيد الذي يمتلك شرعية "تاريخية" واسمًا معروفًا عالميًا (القذافي)، يصبح الطريق ممهدًا أكثر لمشروع التوريث في الشرق الليبي، ليجد صدام حفتر (نجل خليفة حفتر) نفسه في وضع أقوى لتقديم نفسه كوجه شاب قوي قادر على ضبط الأمن، دون منافسة من "كاريزما" سيف الإسلام التي كانت تخطف الأضواء لدى الشارع البسيط.

وتاريخيًا، لعبت روسيا على عدة حبال في ليبيا. دعمت حفتر عسكريًا، لكنها أبقت خطوط اتصال قوية مع سيف الإسلام كبديل سياسي محتمل في حال فشل الحل العسكري. ما يعني أن اغتيال سيف الإسلام قد يجبر روسيا على وضع كل ثقلها خلف معسكر الشرق (حفتر وأبنائه)، مما يزيد من حدة الاستقطاب الدولي مع الولايات المتحدة وأوروبا التي تدعم العملية السياسية في طرابلس.