تصميم: أحمد بلال، المنصة 2026
محمد البرادعي

ما تبقى من حزب الدستور

منشور الثلاثاء 17 شباط/فبراير 2026

بعد إجبار ثورة 25 يناير 2011 مبارك على التنحي، ظهرت عشرات الأحزاب السياسية الجديدة تعبيرًا عن تشوق المصريين للحرية والحق في الاختيار بين بدائل حقيقية.

عمليًّا كان تكوين أحزاب جديدة محظورًا في عهد مبارك الممتد حتى لو نصّ دستور الدولة على التعددية الحزبية وتداول السلطة، وفي ظلَّ سيطرة نموذج الحزب الواحد عانت الأحزاب المعارضة من النخبوية والعزلة جراء الحصار المفروض عليها وخضوع بعضها لإدارة شخص أو مجموعة غير خاضعة للمحاسبة.

ابتهج ثوار يناير بإقبال المصريين على تشكيل الأحزاب الجديدة والانضمام لصفوفها، بعكس القناعة التي سادت قبل الثورة بأن الرئيس يفعل ما يريد وباقٍ في منصبه إلى الأبد في ظل غياب انتخابات تنافسية وتزوير الصناديق الدائم.

وفي ظل هذا الزخم، فتحت الأحزاب الناشئة أبوابها لكل من أعلن إيمانه بالثورة، من دون تدقيق في مرجعياته السياسية؛ سواء كان ليبراليًا أو يساريًا أو محافظًا أو منتميًا إلى تيارات الإسلام السياسي، بإخوانها وسلفييها. كان هذا الانفتاح غير المنضبط، في تقديري، أحد أسباب الأزمات الحادة التي عصفت بهذه الأحزاب، وأفضت أحيانًا إلى تآكلها أو اختفائها.

لم تكن الملامح الفكرية ولا الامتدادات الطبقية واضحة بما يكفي، وكثير من أحزاب ما بعد الثورة تأسس حول أفراد رأوا في أنفسهم أهلية للعب دور في النظام الجديد أكثر مما تأسس على برامج محددة أو قواعد اجتماعية راسخة.

آمال تنعقد وتتبدد

انتظر الجميع الحزب الذي سيحظى بدعم أغلبية المصريين ويصبح هو الحزب الحاكم، وراهن الكثيرون على حزب الدستور الذي أسسه الدكتور محمد البرادعي لدوره القيادي في ثورة 25 يناير ودعم قوى سياسية مختلفة له قبلها باعتباره البديل المناسب لمبارك.

كان الخيار الأقرب لي هو حزب التحالف الشعبي الاشتراكي بحكم انتمائي السابق لأحزاب اليسار، ووقّعت بالفعل استمارة انضمام له. لكن لفت انتباهي مدى الانتشار الواسع لحزب الدستور في مختلف محافظات مصر، وأن غالبية أعضائه من الشباب، وهي أمور لم أعهدها في أحزاب اليسار التي انتميت لها وكان يقتصر نشاطها على العاصمة وعدد محدود من المحافظات.

لم يتبق للحزب سوى مقر واحد في العاصمة وحتى ذلك المقر تم إغلاقه بعد العجز عن دفع إيجاره الشهري

محمد البرادعي

ومع تقدمي في العمر واكتساب المزيد من الخبرات، بدا الخطاب السياسي للدكتور البرادعي المرتكز على قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في آن واحد أقرب لطريقة تفكيري.

رشحني أحد أساتذتي للدكتور البرادعي لتولي منصب أمين الإعلام في حزب الدستور، كان أول ما لفت انتباهي عند حضور اجتماع هيئته العليا ذلك التنوع الواسع في التوجهات الفكرية على تناقضاتها. كانت هذه الخلطة بالنسبة لي أشبه بـ"سمك لبن تمر هندي"، لا يجمع بينها سوى الاتفاق على شخص الدكتور البرادعي مرشحًا محتملًا لرئاسة مصر.

لهذا السبب تفكك الحزب سريعًا بعد رحيل البرادعي واستقالته من منصبه نائبًا لرئيس الجمهورية في أغسطس/آب 2013 احتجاجًا على مذبحة رابعة وخشيته من تكرار سيناريو ما كان يصفه بـ"العشرية الجزائرية" أو أن تمر مصر بمرحلة طويلة من العنف الدموي.

بعدما كان الحزب يتباهى بجمع أكثر من 40 ألف استمارة عضوية خلال شهور قليلة، ويتنافس بعض أعضائه المقتدرين على التبرع بمقرات ومبالغ مالية سخية، جفّت الموارد فجأة. لم يتبقَّ سوى مقر وحيد في العاصمة، وسرعان ما أُغلق هو الآخر للعجز عن سداد إيجاره.

انتقل الحزب إلى مقر بديل، لم يصمد طويلًا؛ إذ أُغلق بدوره مع تفاقم الأزمة المالية، وتحوّل ما تبقى من الكيان إلى ساحة صراعات لا تنتهي بين أعضائه القلائل.

شقاق الرفاق

توليتُ رئاسة الحزب في 2017 بعد نحو عامٍ من الجمود الكامل والاختفاء التام من الساحة السياسية في أعقاب استقالة الدكتورة هالة شكر الله. غير أن هذه المحاولة لم تُرضِ تيارًا آخر داخل الحزب آثر التكيّف مع معادلات ما بعد الإطاحة بحكم الإخوان، ومع ما قدّره من شعبية واسعة يتمتع بها آنذاك الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، واعترضتْ على إجراءات انتخابي فما كان منها سوى إجراء انتخابات موازية أسفرت عن رئيس آخر للحزب.

كانت مرحلة شديدة القسوة، مع ذلك انصبّ اهتمامي على الحفاظ على ما تبقّى من شباب يرفعون شعارات ثورة 25 يناير في وقت خضنا فيه معارك صعبة اعتراضًا على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ولاحقًا على تعديل الدستور لمدّ فترة بقاء الرئيس إلى 16 عامًا بدلًا من الالتزام بحدّ الثماني سنوات التي نصّ عليها الدستور. وخلال تلك المواجهات، كان أعضاء الحزب من بين الأكثر تعرّضًا للحبس الاحتياطي ولأشكال متعددة من التنكيل.

لكن ما أدهشني وصدمني التنوع الواسع في المواقف السياسية لمن تبقى من أعضاء الحزب الذي كنت مقتنعًا أن توجه مؤسسه ديمقراطي اجتماعي يؤمن بقضايا المساواة وحقوق المرأة وحرية الرأي والتعبير. وعندما رغبتُ شخصيًا في إصدار بيان يدعم القانون الذي صدر في تونس لمساواة الذكور والإناث في الميراث، على سبيل المثال، فوجئت باعتراضات واسعة من الأعضاء ممن رأوا في ذلك الاقتراح مخالفة للشريعة الإسلامية، وكان ردي أن أصحاب تلك المواقف مكانهم الصحيح في حزب النور وليس حزب الدستور.

اخترت الاستقالة من رئاسة الحزب وتبني مبادرة لعقد انتخابات جديدة تحاول توحيده مجددًا

تكرّر هذا المشهد أكثر من مرة، ووجدت نفسي مضطرًا إلى الموازنة بين أطراف وتوجهات متباينة داخل الحزب؛ ليبراليين ويساريين وسلفيين، وأعضاء في ألتراس أهلاوي، وآخرين ليسوا من الإخوان لكن تربطنا بهم مساحة احترام متبادل.

جاء ذلك بالتوازي مع انقسام يكاد يكون عامًا في معظم الأحزاب، بين العاصمة القاهرة بوصفها مركز القرار، ومحافظات تشعر بالتهميش وتجاهل مواقف أعضائها، ما عمّق حالة الارتباك وأضعف القدرة على بلورة خط سياسي متماسك.

وبينما دعمت أثناء رئاستي للحزب ترشح خالد علي لانتخابات الرئاسة في 2018، اختارت مجموعات وشلل داخل الحزب المقاطعة ألا تدعم أي مرشح، وتبنى آخرون دعم الرئيس السيسي أو أحمد شفيق أو سامي عنان باعتبار أن فرصهم أفضل في المنافسة، وبغض النظر عن أن الأخيرين تحديدًا اتخذا موقفًا عدائيًا معلنًا ضد ثورة يناير وشعاراتها المتضمنة حتى الآن في الاسم الرسمي للحزب.

في النهاية اخترت الاستقالة وتبني مبادرة لعقد انتخابات جديدة تحاول توحيد الحزب مجددًا. وبالفعل انتُخب علاء الخيام رئيسًا ومن بعده جميلة إسماعيل السياسية المحنكة التي تمتلك خبرة طويلة ممتدة من مرحلة ما قبل ثورة يناير. لكن الخبرة وحدها لم تكن كافية لاحتواء الخلافات بين المجموعات والشلل المتنوعة داخل الحزب، وانتهى الأمر بفصلها عددًا كبيرًا من أعضاء الهيئة العليا، وبعضهم من فريقها الذين خاضت بهم الانتخابات الأخيرة على رئاسة الحزب في يوليو/تموز 2022، التي كنت المنافس الوحيد فيها على خلفية الدفاع عن هوية الحزب وعدم تحوله إلى كيان يتمحور مجددًا حول شخص أكثر من انتمائه أو دفاعه عن توجهات سياسية واجتماعية محددة.

وبعد أن قررت جميلة الانضمام إلى ما يعرف بـالتيار الحر بالاشتراك مع حزب المحافظين ومجموعة من الشخصيات المستقلة التي قالت إنها تتبنى التوجه الليبرالي، عرفت أن الوقت حان للاستقالة من حزب الدستور برمته لأنني لم أتخيل يومًا الانتماء لحزب لا يتمسك بقضية العدالة الاجتماعية بجانب الحريات السياسية. ولأن السياسة أساسًا انحياز، كان انحيازي دائمًا لصالح الغالبية العظمى من المصريين الفقراء، مع ترك مهمة الدفاع عن مصالح التيار المؤمن بالأفكار الليبرالية فقط لأحزاب أخرى لا يمكن أن أنتمي لها.

من أزمة لأخرى

المؤسف أنه بعد نحو ثماني سنوات من استقالتي من رئاسة حزب الدستور، نعود للنقطة نفسها التي انتهينا إليها؛ حالة انقسام دفعت الأطراف المتنازعة إلى إجراء عمليتين انتخابيتين لرئاسة الحزب؛ الأولى بقيادة المجموعة المعارضة لجميلة إسماعيل الذين تم فصلهم من الهيئة العليا، التي أعلنت بالفعل عن الانتهاء من الانتخابات في نهاية شهر يناير/كانون الثاني الماضي واختيار أحد أعضائها رئيسًا، وانتخابات موازية قررت جميلة ومؤيدوها عقدها في شهر مارس/آذار المقبل والتي ستسفر بالطبع عن رئيس آخر.

ليس حزب الدستور وحده من يعاني الانقسامات والخلافات الداخلية والتنازع على رئاسة الحزب. ينطبق الأمر على بقية الأحزاب بسبب تراجع نشاطها وعودتها للعمل في مقراتها فقط من دون السماح لها بالقيام بأي أنشطة جماهيرية أو وجود أعضاء يؤمنون بأفكارها ويحاسبون قادتها. وعدنا مجددًا إلى أحزاب النخبة التي يتصارع فيها الأشخاص لا الأفكار والتوجهات.

أزمة حزب الدستور انعكاسٌ لأزمة الحياة السياسية في مصر التي اضمحلت واختفت في ظل نظام لا يؤمن بأهمية السياسة ولا الأحزاب من الأساس، ويعود بنا للانتخابات المعروفة نتيجتها سلفًا وإلى نموذج الحزب الواحد حتى لو تعددت أسماء أحزاب الموالاة التي تتبارى في حب الوطن وحماية الوطن وإقامة الجبهات الوطنية لتوحيد الصفوف والاصطفاف خلف قيادة الوطن.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.