لا تكن بدينًا.. شرعنة التمييز في تعيينات الحكومة
"ابن الغفير هيطلع غفير" و"المايه متطلعش في العالي"؛ ليس أفضل من الأمثال الشعبية للتعبير عن تفشي ظواهر الواسطة والتوريث في نظام شغل الوظائف العامة، خصوصًا في المؤسسات السيادية أو ذات الكادر الخاص كالقضاء.
ورغم المناخ المشجع لهذا التمييز، فإن الوظيفة الحكومية أو "العمل الميري" ظلت متاحةً للمصريين في قطاعات أخرى طالما توفرت في المتقدمين الجدارة والكفاءة والمعايير ذات الصلة بطبيعة العمل.
جرى العرف على أن الالتحاق بالعمل في وظائف التعليم والمحليات والأوقاف والشباب والرياضة والمالية، على سبيل المثال، يكون من خلال مسابقات يعلنها الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، حسب الاحتياجات الفعلية، ثم تُعقد اختبارات ذات صلة بالوظيفة، وتحدد مسبقًا طريقة ترتيب الذين اجتازوا الاختبار، ومن يقع عليه الاختيار يستكمل الإجراءات اللازمة والتدريبات المرتبطة بطبيعة المهام المسندة له.
لكن في السنوات الأخيرة طرأت تغييراتٌ بدّلت من ذلك التراث الطويل، بإضافة مراحل وشروط أخرى تنتهك حقوقًا دستوريةً، ولا ترتبط بطبيعة الوظيفة. بدأ تطبيق هذه الشروط بناءً على توجيهات إدارية فقط ومع تصاعد الانتقادات صدر قرار مجلس الوزراء بتقنينها ضمن معايير الاختيار.
ويوثق تقرير حديث صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان "في ميزان التمييز: شروط الأكاديمية العسكرية لتعيين المعلمين والمعلمات" ما دار في مسابقة تعيين "30 ألف معلم"، باعتبارها نموذجًا لتغيير نمط تولي الوظائف العامة، وللتمييز متعدد الأوجه ضد المصريين والمصريات، بالإضافة إلى الافتئات على أدوار المؤسسات الحكومية المختصة.
لا يقتصر تطبيق الاختبارات الإضافية التي وردت في التقرير على اختيار المعلمين والمعلمات فقط، بل تستخدم عند التعيين في جهات حكومية أخرى، كان من بينها أئمة وزارة الأوقاف، وهو ما دفع عددًا منهم إلى توجيه استغاثة إلى وزير الأوقاف، بعد استبعاد 179 منهم في مرحلة "كشف الهيئة" لسبب وحيد وهو "الوزن"، حيث تم اعتبار زيادة 5 كيلوجرامات عن الوزن المثالي سببًا للرسوب، رغم الكفاءة العلمية والشرعية واجتياز باقي الاختبارات البدنية، وذلك بعد خوض اختبارات شاقة على مدار عامين كاملين، بدأت بالجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، مرورًا باختبارات الوزارة، وصولًا للأكاديمية العسكرية المصرية.
رحلة المعاناة التي يمر بها الراغب في التعيين بعد اجتياز اختبارات الجهاز المركزي للتنظيم تتضمن اختبارات طبية متعددة ولياقة بدنية ومقابلة. نقف عند ثلاث محطات منها للتدليل على تأثيرها على حق كل مصري ومصرية في الحصول على فرصة العمل الحكومي.
أصحاب الوزن الزائد يمتنعون
بعيدًا عن عدم وجود علاقة مباشرة بين الوزن وأداء بعض الوظائف، من بينها التدريس أو إمامة الناس في الصلاة، فإن التعامل مع السمنة على أنه اختيار شخصي خاطئ، يتحمل صاحبه المسؤولية، يتجاهل سياق زيادة انتشار السمنة وعلاقتها بسوء التغذية الناتج عن معدلات الفقر في مصر.
وفقًا لتصريحات الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، تتراوح معدلات الفقر في مصر بين 29% و30%، مع احتمالات تأثرها بالتغيرات الاقتصادية التي شهدتها الفترة الماضية. ولا يخفى على أحد ارتفاع تكلفة الأغذية الصحية مما يزيد الاعتماد على استهلاك القمح ومنتجاته لتعويض نقص البروتين والحصول على سعرات حرارية مناسبة لنمط الحياة.
وتظهر نتائج مسح حملة "100 مليون صحة" الذي أجري في مصر عام 2019، وشمل 49.7 مليون مصري بالغ، أن 39.8% من المصريين البالغين يعانون من السمنة (مؤشر كتلة الجسم أكثر من 30 كجم/م2)، وأن السمنة أكثر انتشارًا بين الإناث البالغات منها عن الذكور البالغين، فنسبة 49.5% من الإناث البالغات في مصر يعانين من السمنة مقارنة بـ 29.5% للذكور.
أي أن تطبيق معايير السمنة يحرم ثلث السكان من تولى العمل الحكومي، وهو ما يترتب عليه عدم الاستفادة من كفاءات قادرة على القيام بمتطلبات الوظيفة بغض النظر عن الوزن. وكان من الأولى أن تضع الحكومة خططًا لتقليل نسب انتشار السمنة بشكل عام على المستوى الوطني، وتقديم تسهيلات لضمانات الحصول على غذاء صحي بين الأطفال، مع عدم معاقبة شخص على وزنه، سواء كان ذلك اختيارًا شخصيًّا أو نتيجة فقر أو مشكلات صحية.
الضغط للرجال والوثب للسيدات
تتضمن الاختبارات الإضافية تدريبات رياضية، وتشترط الحصول على 50% من درجة الاختبار، وتشمل إجراء تمارين الضغط والبطن والجري لمائة متر و800 متر للرجال، والوثب من الثبات والجري والزجزاج والدقة للسيدات.
من حيث المبدأ، حُرمت الحوامل وذوو الإعاقة من حق التعيين لعدم قدرتهم على أداء هذه التدريبات، التي وضعت أشخاصًا ذوي صفات جسمانية وبدنية مختلفة في منافسة غير عادلة، تخلو من تكافؤ الفرص.
تثار هنا التساؤلات حول المعايير القانونية أو العلمية أو أي معايير يحدد على أساسها الاختبار الرياضي، ومراحل تنفيذه وأسباب اختياره وكيفية تحديد الدرجات لكل مرحلة منها.
كشف الهيئة
المسابقة هي الطريقة الرئيسية لاختيار الموظفين في معظم دول العالم، ويقصد بها اختبارات ذات صلة بطبيعة الوظيفة، بغرض التحقق من كفاءة وصلاحية المرشحين وتحديد ترتيبهم، وهو ما يحدث عادةً في اختبارات الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، لكن أضيفت مرحلة ثالثة إلى هذه الاختبارات خاصة بالمقابلة أو كشف الهيئة، التي تهدر مبدأ المساواة في تولي الوظيفة العامة، خصوصًا في ظل اختلاف الأسئلة التي توجه لكل مترشح، وعدم وجود معيار محدد لتقييم الإجابة.
على سبيل المثال، سُئل بعض المتقدمين للمقابلة في وظيفة معلم عن أيهما أطول شارع الهرم أم فيصل بالجيزة؟ وعن المشكلات التي تواجهها الحكومة؟
عدم وجود ضمانات قانونية حول مراعاة التوازن والمساواة في أسس الاختيار سمة أخرى لهذا النمط من طريقة الاختيار، بخلاف أن المقابلة عادة ما تفتح الباب أمام انتقادات خاصة باختيار أهل الثقة، وأن تصبح الوظيفة مكافأة الولاء.
المساواة هي المفتاح الرئيسي لتمتع الإنسان بجميع حقوقه الأخرى، ويقصد بها إعطاء الأفراد نصيبهم من الحقوق مقابل الواجبات الملقاة على عاتقهم. بمعنى أن إهدار مبدأ المساواة بين الأفراد في فرص تولي الوظائف العامة إهدار لهذا الحق وبقية الحقوق والحريات الأخرى. وينص الدستور المصري في عديد المواد على المساواة وعدم التمييز.
وتحظر المادة الأولى من قانون الخدمة المدنية التمييز بين الموظفين، إذ نصت على أن الوظائف المدنية حقٌ للمواطنين على أساس الكفاءة والجدارة، وهي تكليف للقائمين بها لخدمة الشعب، وتكفل الدولة حقوقهم وحمايتهم، وقيامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب، ويُحظر التمييز بين الموظفين في تطبيق أحكام هذا القانون بسبب الدين أو الجنس أو لأى سبب آخر.
وإذا كان ضحايا هذه الاختبارات حاولوا رفع الظلم الواقع عليه، سواء من خلال القضاء أو طلب تدخل مجلس النواب باعتباره صاحب سلطة الرقابة على أداء الحكومة، وفشلوا في ذلك، فعلى البرلمان والحكومة إدراك أنهما أمام مسؤولية تاريخية ووطنية لعلاج هذا الخلل، فانعدام المساواة يهدد التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويقوض الحد من الفقر بل يعمل على توريثه، وهذا ليس في مصلحة أي طرف.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

