حكومة مدبولي: أسوأ مما سبق.. أفضل مما سيأتي
ما إن انتهى أطول "عرس انتخابي" في تاريخ الحياة النيابية المصرية، حتى انتعشت بورصة التوقعات بشأن تعديل وزاري مرتقب، أو تغيير كامل للحكومة يشمل رئيسها الدكتور مصطفى مدبولي، الذي يُحمِّله البعض تبعات التراجع في العديد من الملفات منذ توليه المنصب رسميًا منتصف عام 2018.
بدايةً، لا يُلزم الدستور الحكومة بتقديم استقالتها عقب انتخاب برلمان جديد؛ ولكن يتم الاقتراع على الحكومة عند تكليفها من رئيس الجمهورية، وإذا لم تحصل على ثقة البرلمان خلال 30 يومًا، حينها يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا للحكومة من الحزب أو الائتلاف الحائز على الأغلبية البرلمانية، وإذا لم تنل الحكومة ثقة البرلمان مجددًا، يحل البرلمان وتجرى انتخابات جديدة.
وبالنظر إلى تشكيل مجلس النواب الحالي، الذي لا تتجاوز نسبة المعارضة فيه -نظريًا- 10%، وفق ما كشفته انتخابات رئيس المجلس والوكيلين، فإن الأغلبية ستُمرر ما يُعرض عليها، سواء بالإبقاء على مدبولي ووزرائه، أو إجراء تعديل محدود، أو حتى تغيير رئيس الحكومة نفسه، ليأتي "مدبولي جديد" يُنفِّذ ما يطرح عليه من سياسات وتوجهات.
مجرد شكليات
وقد حسم المستشار محمود فوزي، وزير الدولة للشؤون النيابية والقانونية، الجدل الدستوري حين أكد أن "تحديد توقيت تغيير الحكومة أو إجراء أي تعديل وزاري هو حق دستوري أصيل لرئيس الجمهورية لا ينازعه فيه أحد".
هذا عن الجدل الدستوري؛ أما الأعراف الديمقراطية، فجرت على أن تبادر الحكومة بتقديم استقالتها عقب تشكيل البرلمان الجديد، ولو عقمت مصر عن تقديم بديل يُعاد تكليفها، ليكتمل المشهد، ثم تعرض برنامجها على نواب الشعب، على أن يتسق هذا البرنامج مع توجهات الأغلبية البرلمانية التي يُفترض أنها تعبر عن الإرادة الشعبية.
لكن الأعراف الديمقراطية لا مكان لها في بلادنا. فمصر -كغيرها من دول العالم الثالث- لا تقيم وزنًا لقواعد الديمقراطية التي حاول الملايين ترسيخها قبل 15 عامًا، في ثورة رفعت شعار "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية". فقد تعثّرت تلك المحاولة، كما تعثرت محاولات شبيهة في دول أخرى بالمنطقة، سقط معظمها في مستنقع الفوضى، بينما ارتدّت دول أخرى إلى الخلف، عائدةً إلى نقطة الصفر التي انطلق منها قطار الثورة.
على أي حال، لا ينتظر أحدٌ معارضةً من أغلبية برلمانية حجزت مقاعدها تحت القبة، في انتخابات يعلم الجميع كيف جرت هندستها، وحجم التجاوزات التي شابت إجراءاتها، وباعتراف الجميع، بمن فيهم رئيس الجمهورية ذاته. مجلس "موصوم" كهذا غير قادر، ولا حتى راغب، في استخدام صلاحياته الدستورية، لحجب الثقة عن أي حكومة ستُعرض عليه جديدة كانت أم قديمة أو معدلة.
بعيدًا عن النصوص الدستورية والأعراف الديمقراطية، فإن ما قد يدفع رئيس الجمهورية إلى تغيير الحكومة أو تعديلها، هو أن يكون قد تلقى تقارير ترصد تصاعدًا مقلقًا في الغضب الشعبي، يستدعي تفريغه أو التنفيس عنه، بما يوحي بالاستجابة للإرادة العامة.
غير أن هذه الفرضية تبدو مستبعدة؛ فالمواطن المصري، ورغم مرور أسوأ انتكاسة اقتصادية شهدتها البلاد منذ عقود، أدت إلى تآكل دخله ومدخراته، وتدهور أوضاعه المعيشية، ووقوع نحو ثلث الشعب تحت خط الفقر؛ ما زال صابرًا محتسبًا، يبتلع غضبه ويكظم غيظه، بعدما رأى بأم عينه مآلات الثورة، وما تسببت فيه موجات الربيع العربي من هزات عنيفة في دول الإقليم، فآثر الحاضر المأزوم على المستقبل المجهول.
السلطة من جانبها تدرك حجم الغضب المكتوم، لكنها مطمئنة إلى أن رد الفعل لن يتجاوز جلسات الثرثرة ومساحات التنفيس في السوشيال ميديا، والتي يُعاد تطويقها كلما تجاوزت الخطوط المرسومة. ومن ثم، لا تُقدم على أي تغيير حقيقي في بنية مؤسسات الدولة، إلا بالقدر الذي لا يمس إحكام سيطرتها على كامل الأجهزة والمؤسسات.
لن يُحدث تغيير حكومة مدبولي، أو تعديلها، فارقًا يذكر في أي من الملفات؛ فالرجل ووزراؤه ليسوا سوى موظفين، لا يملكون قرارًا ولا يصنعون سياسات، رغم ما منحه لهم الدستور من صلاحيات واسعة، تتيح لرئيس الحكومة المشاركة في وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على تنفيذها.
إن هي إلا أسماءٌ
لا تختلف حكومة مدبولي عن سابقاتها؛ فطوال عقود طويلة، لم يتجاوز دور الحكومات المتعاقبة حدود تنفيذ السياسات لا صنعها، أو "سكرتارية الرئيس"، كما وصفها وزير الزراعة السابق يوسف والي قبل ثورة 25 يناير. فمصر، في أغلب حقبها التاريخية، تصنع فيها القرارات داخل مؤسسة واحدة، ولم يطبق فيها يومًا مبدأ الفصل بين السلطات، حتى في الفترة التي يعتبر البعض أنها كانت "ليبرالية".
الفارق أنه في بعض المراحل التي شهدت قدرا من "الهندسة السياسية" أُتيح للبرلمان استخدام جزء من صلاحياته الرقابية، وسُمح للصحافة بهامش لممارسة دورها في النقد والمساءلة، وهو ما غاب خلال العقد الأخير؛ إذ لم يفعل مجلس النواب أهم أدواته، "الاستجواب"، سوى مرة يتيمة عام 2020، حين تقدم النائب محمد الحسيني باستجواب ضد وزيرة الصحة السابقة هالة زايد، ونجت منه الوزيرة لغياب مقدمي طلب سحب الثقة، بحسب ما أعلن آنذاك رئيس المجلس علي عبد العال. أما الصحافة، فقد جرى تغييبها عمدًا، حتى تحولت إلى منصات تعكس خطاب السلطة لا صوت الناس.
في يوليو/تموز 2018، تعهد مدبولي، خلال عرض برنامج حكومته على مجلس النواب، بـ"حماية الأمن القومي، والحفاظ على حقوق مصر المائية، وتمكين فئات الشعب من الاستفادة من نتائج برنامج الإصلاح خلال عامين". وأسرف في إطلاق الوعود بشأن خفض الدين الحكومي، والسيطرة على التضخم، وتحسين مؤشرات الأداء الاقتصادي، وتأمين الطاقة "بجودة عالية وسعر منافس".
وتوجه إلى الفئات "الأكثر فقرًا وتهميشًا" بوعود عن تحسن ملموس في حياتهم اليومية خلال شهور قليلة، مختتمًا حديثه برسالة إلى المواطن قال فيها "لقد صبرتَ كثيرًا وتحمَّلت كثيرًا، وأرجو أن تتأكد أنه مضى الكثير ولم يبق إلا القليل".
مرت نحو ثماني سنوات على تلك الوعود؛ لم يتراجع الدين الخارجي، بل بلغ، وفق بيانات البنك المركزي، نحو 163 مليار دولار، ولم تسيطر الدولة على التضخم، ولم تتحسن أحوال المواطن، الذي صبر وتحمل كثيرًا، بينما انهارت قيمة العملة المحلية بصورة غير مسبوقة.
ومع ذلك، يظل مدبولي، في هذه المرحلة، "أفضل من غيره"، كما كان الببلاوي أفضل من محلب، ومحلب أفضل ممن تلاه، وهكذا؛ فالأزمة ليست في الأسماء، بل في سياسات وتوجهات سلطة لا ترغب، ولا تؤمن، بإشراك الناس في معادلة الحكم، ولا تمنحهم حق اختيار من يحكمهم، أو من يراقب الحاكم ويحاسبه نيابة عنهم.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.