تصميم أحمد بلال، المنصة، 2024
الأمهات العاملات

عمل المصريات في الخارج.. من أدراكم أن الريح لا تدخل من الشُبّاك؟

منشور الاثنين 18 أيار/مايو 2026

النباتات كالبشر؛ منها المرفه الذي يحتاج إلى تدليل فائقٍ، منها ما لا يحتاج سوى القليل لينمو، منها القوي راسخ الجذور، والهش الذي يسهل على الريح اقتلاعه أو كسر أغصانه اللينة. من خبرتي في التعامل مع النباتات تعلمت كيف أضع دعامات من الخيزران أو شبكات معدنية، أركبها بدقة وصبر للزرع الهش كي لا ينكسر ويواجه الريح بصلابة.

لذلك لا أفهم منطق "الباب اللي ييجي لك منه الريح سده واستريح" الذي يفترض أن نتخلص من كل ما يزعجنا بإغلاق الباب، وأن تحقق الراحة بمجرد المنع لا الفهم أو المواجهة. كيف نضمن ألا تدخل الريح من الشباك؟ كما أنها لا تأتي من باب واحد ولا تتوقف لمجرد أننا قررنا ألا نراها، كذلك حياة النساء والعمل والتنقل لا يمكن اختزالها في سياسة إغلاق الأبواب التي تتبناها الدولة المصرية.

يتجلى ذلك في قرار تنظيم سفر النساء للعمل في الخارج، الذي اتخذته وزارة العمل في أبريل/نيسان الماضي، وانتهى فعليًا إلى تقييد عملهن في عدد من المهن، خصوصًا العمل المنزلي والرعاية والخدمات.

حين تعبر المرأة الحدود

العاملات في المنازل

في ظاهره يبدو القرار حمائيًّا، وتُبنى التبريرات الرسمية بشكلٍ مباشر أو ضمني على فكرة سمعة الدولة وحماية الكرامة، كأن هذه السمعة كيان هش يتأثر بامرأة تسافر لتعمل في الرعاية أو الخدمة المنزلية.

لماذا لا تتأثر سمعة الدولة بالديون وتراجع الأجور واتساع رقعة الفقر وتزايد العنف بينما تجرحها محاولة امرأة فقيرة تأمين احتياجها الأساسي؟ ما هو تعريف الكرامة التي ترتبط بعمل النساء خارج البلاد؟

إذا كانت المسألة تتعلق فعلًا بالكرامة، فلماذا لا يطرح النقاش حول شروط العمل نفسها داخل البلاد وخارجها، ولماذا يترك العمل سواء داخل البيوت أو في الأسواق دون حماية فعلية بينما يُقيد حين تعبر المرأة الحدود؟

تصبح المفارقة أكثر حدة، حين نعلم أن القانون المصري يستثني العمالة المنزلية من مظلته الأساسية، إذ لا تخضع بشكل كامل لأحكام قانون العمل، ما يعني غياب عقود عمل ملزمة وآليات شكوى فعالة وضمانات أساسية للأجر وساعات العمل، بذلك تترك واحدة من أكثر فئات العمل انتشارًا خارج نطاق الحماية القانونية رغم أنها جزءٌ مركزيٌّ من الاقتصاد اليومي.

في الداخل غيابٌ للحماية وفي الخارج منعٌ؛ المشكلة إذًا ليست في العمل، بل في موقعه ومن تقوم به. وهو بذلك لا ينفصل عن تاريخ أطول من تنظيم عمل النساء عبر المنع والتشريعات التي تضع قيودًا على عمل النساء في فترات الليل أو في صناعات بعينها بدعوى الحفاظ على صحتهن أو أخلاقهن مع منح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة لتحديد هذه الأعمال، إذ يبيح قانون العمل المصري السابق والحالي للوزير المختص تحديد المهن والأحوال التي لا يجوز تشغيل النساء فيها، وهو ما تفعّله قرارات وزارية لاحقة تصنف بعض الأعمال باعتبارها خطرة أو غير مناسبة لصحة أو أخلاق النساء.

لا تلغي هذه القيود المخاطر، لكنها تعيد توزيعها وتقصي النساء من قطاعات إنتاجية محددة مع إبقائهن في أعمال أقل أجرًا وأكثر هشاشةً، ليتجاوز قرار سفر النساء كونه أداة تنظيم إلى تدشين آلية لإنتاج نظام كامل لتوزيع المخاطر والجدارة بالحركة. لا تُرى النساء وفقه كأفراد يمتلكون حقوقًا بل فئات تفرز وفق درجة الخطر المفترض الذي تمثله حركتهم. 

حلال للرجل حرام المرأة

تنتج عن القرار أنظمة معرفية تحدد مفاهيم "الطبيعي والمنحرف" و"الآمن والخطر"، ويتخطى منع السفر إلى إعادة تصنيف الأشخاص بين واثق في حركته ومسحوب الإرادة يُدار بواسطة الآخرين. تتحول الحماية إلى آلية لإنتاج اشتباه مسبق؛ بعض الأجساد تُعامل مسبقًا كخطر محتمل يجب ضبطه قبل الفعل لا بعده.

في امتداد آخر لهذا المنطق يبرز تناقض واضح بين توصيف بعض الأعمال باعتبارها مهينةً للنساء في حين يمارسها الرجال دون نفس الحكم القيمي. فمهن مثل الضيافة والخدمة والتمريض المنزلي والمساعدة الشخصية تعد جزءًا طبيعيًا من سوق العمل.

ترتبط الإقامة بصاحب العمل بما يعيد إنتاج التبعية ويزيد من الاستغلال داخل العمل نفسه خاصة في القطاعات المغلقة كالرعاية والعمل المنزلي

هذا التناقض يكشف أن الإشكال ليس في المهنة بقدر ما هو في موقع العاملات في الخدمة والرعاية اللاتي ينظر إليهن كفئة اجتماعية يعاد صياغتها داخل خطاب الوصم، إذ يرتبط العمل المنزلي عالميًا بسياقات استعمارية وما بعد استعمارية، يعاد من خلالها توظيف نساء المجموعات المهمشة داخل الخدمة المنزلية بما يجعل هذا النوع من العمل امتدادًا اجتماعيًا لعلاقات غير متكافئة.

هذا الوصم يعمل عبر ثلاث آليات مترابطة؛ الخطر الأخلاقي، وتحويل الحاجة الاقتصادية إلى علامة اشتباه، وتثبيت صورة المرأة في هذه القطاعات كحالة استثنائية خارج معيار اللياقة الاجتماعية. 

المشكلة تصبح في المهنة لا في البنية الأوسع التي تنقل إليها العاملات، على رأسها نظام الكفالة في عدد من دول الخليج، إذ ترتبط الإقامة بصاحب العمل بما يعيد إنتاج التبعية ويزيد من الاستغلال داخل العمل نفسه، خصوصًا في القطاعات المغلقة كالرعاية والعمل المنزلي وفقًا لما وثقته تقارير حقوقية.

الأهلية المطاطية

تعيد مثل هذه السياسات تشكيل الطريقة التي يُنظر بها إلى النساء داخل المجال العام نفسه. وتظهر مفارقة واضحة على مستوى الممارسة اليومية مما حدث مع آلاء سعد وكشف كيف يمكن التعامل مع امرأة بالغة باعتبارها قاصرًا.

هل كانت ستمنع آلاء من الإقامة لو كانت تحجز غرفة في فندق من ذوي النجوم الخمس، أم أن الحماية التي تُفرض هنا لا تمارَس إلا على أجساد نساء بعينهن من طبقات بعينها، ليتحول الخطر من مسألة موضوعية إلى حكم طبقي مقنّع، فالنساء من الطبقات الفقيرة والوسطى معرضات للانحراف ومشاريع عاملات في الجنس التجاري، بينما الرجال من الطبقات نفسها أو النساء من الطبقات الأعلى محصنات ضد الانحراف.

وبينما تُمنح الأهلية الكاملة للنساء عند العقاب، بل وقد تواجه النساء في بعض الجرائم عقوبات أشد من الرجل كامل الأهلية والعقل والدين، تنزع هذه الأهلية نفسها حين يتعلق الأمر بحياتهن واختياراتهن. وفي الأحوال الشخصية يتجلى التناقض بصورة أوضح، إذ تسحب من النساء ولاية اتخاذ القرار لأنفسهن ولأطفالهن، وكأن الأهلية ليست حقًا ثابتًا، إنما وضع متغير يمنح وينتزع وفق ما يقتضيه منطق السيطرة لا المواطنة.

تُظهر تجارب أخرى أن بدائل التنظيم ليست افتراضية، ففي الفلبين تعامل الهجرة باعتبارها واقعًا يجب تنظيمه لا منعه عبر عقود عمل موحدة وتدريب قبل السفر وآليات متابعة عبر السفارات.

رغم توفر هذه البدائل يقدم المنع دائمًا باعتباره الخيار الأسهل. القرار الأخير ليس استثنائيًّا، هو جزء من نمط أوسع يدير الواقع عبر المنع لا التغيير أو حل المشكلات.

يدار الخطر عبر إخفاء من يفترض أنهم معرضون له، بافتراض أن الحماية ممكنة عند غلق الأبواب مع تغافل حقيقة أن كل ما يبدو مغلقًا بإحكام لا يغلق فعلًا بل يترك فراغًا يكفي ليتسرب منه ما لا يمكن منعه تمامًا، كما تتسرب الريح بين الدعامات مهما كانت محكمة. وكنبات يعرف أنه لن يحمى من العالم بل سيطلب منه فقط أن يتعايش معه بصمت أتساءل: يا مصر بتعمليها ازاي والله حيرتيني.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.