تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
الاحتفاء الرسمي بتعيين المرأة في مناصب قضائية وتنفيذية يخفي التهميش الاقتصادي والإقصاء لجموع النساء من سوق العمل

عمل المرأة.. احتفاء رسمي وسياسات إقصائية

منشور السبت 2 أيار/مايو 2026

في أغسطس/آب الماضي، عيّن الرئيس السيسي أول دفعة من النساء في وظيفة مندوب مساعد في مجلس الدولة، لتدخل المرأة المجلسَ لأول مرة مباشرةً بدلًا من التعيين بالنقل من مؤسسات قضائية أخرى.

قبلها عُينت أول دفعة من وكلاء النيابة تضمنت نساءً من أول السلم الوظيفي أيضًا، كما جاء قانون العمل الجديد، ومع الاعتراف بمساوئه، ليرفع المنع التاريخي عن عمل النساء في بعض الوظائف تحت زعم خطرها الصحي و"الأخلاقي"، لتنكسر بذلك آخر العوائق الإدارية أمام توظيف النساء في جميع الأشغال المعينة في مصر.

لكن رغم كل ذلك، ورغم الخطابات الرسمية واحتفائها المستمر بتمكين المرأة وجني ثمار برامج "الإصلاح" وبنسب النساء في المجالس التشريعية والوزارات المختلفة ومجالس إدارة الشركات المدرجة في البورصة والبنوك، فإننا بإلقاء النظر على وضع غالبية نساء مصر في سوق العمل، سنجد أن تلك الوظائف القيادية لن تسع كل الراغبات في العمل. 

الأرقام تفضح

تمر النساء في مصر بأسوأ أزمة تشغيل منذ بدء رصد أوضاع العمل بشكل منهجي، إذ انكمشت فرص النساء في سوق العمل، ففي حين وصل العدد المطلق للنساء في قوة العمل من مشتغلات وباحثات عن العمل 7 ملايين في عام 2016 تراجع في 2024 لأقل من 6 ملايين امرأة (5.3 مشتغلة في 2016 مقابل 4.9 مشتغلة في 2024).

وفي حين وصلت نسبة مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي (وهو بالطبع لا يحتسب العمل المنزلي التي تقوم به النساء) لـ23% في 2016 تراجع إلى نحو 17% في 2024، وهي النسبة التي تحسب عدد المشتغلات والمتعطلات مقارنة بعدد النساء في سن العمل.

كتوضيح لحجم هذه الأزمة، فإن أعلى نسبة بطالة بين النساء كانت بين الأكثر تعليمًا ممن حصلن على تعليم متوسط أو فوقه أو جامعي أو فوقه إذ بلغت 41% في 2024.

ولا تقف الأمور عند القدرة على دخول سوق العمل والاستمرار فيه، إنما تستمر حتى بعد الحصول على العمل، ففي عام 2024 نفسه، حلت مصر  ضمن أسوأ عشر دول في العالم في المساواة بين النساء والرجال في تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين، وحصلت على أسوأ تصنيف في الدخل المتوقع للنساء، وجاءت في الترتيب 145 ضمن 148 دولة بتقدير لمتوسط دخل النساء أقل من ربع متوسط دخل الرجال.

وبعد سنوات من تخفيض التعيين في القطاع الحكومي، أصبحت النساء أكثر اضطرارًا للعمل في القطاع الخاص، بالذات غير الرسمي منه؛ بكل ما فيه من ظروف عمل سيئة، وعدم التزام بالحقوق الأساسية في العمل، ومنها تلك المرتبطة بإجازات الوضع وتسهيلات الرضاعة وضمان الرجوع للعمل، إلى جانب ظروف العمل الرديئة وعدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور، ففي دراسةٍ للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في 2023 جاء متوسط أجور كل النساء في القطاع الخاص أدنى من الحد الأدنى للأجور في تلك السنة.

تلك الإحصاءات على جمودها تؤكد على ما تسهل ملاحظته بمتابعة الأخبار اليومية على مدار السنوات الماضية من فجائع موت نساء وفتيات في طريقهن للعمل، أو أثناء العمل، لتزيح الستار عن ما سبقها من ظروف وأجور زهيدة لأعمال شاقة وغير مستقرة ولا محمية بالقوانين، أو إضرابات واسعة، يلحقها انتقام أمني.

إفقار وتمييز

لا تكتفي الدولة بالتمييز الهيكلي ضد النساء الناتج عن سياسات اقتصادية لا تضع العاملين، بالأخص العاملات، في قائمة أولوياتها لـ"الإصلاح"، إنما أضافت إليها سياسات تمييزية مباشرة مثل فرض تصريحات سفر خاصة على أغلب النساء المصريات قبل السفر للسعودية لمنعهن من العمل هناك في قرار إداري صدر من وزارة الداخلية عام 2024 وصّف أغلب نساء مصر من غير العاملات أو العاملات في مهن محددة بـ"الفئات الدنيا"، ليضيف الإهانة إلى التمييز، لحقه خلال العام الحالي قرار من وزارة العمل بمنع شركات إلحاق العمالة بالخارج من إبرام عقود للنساء في الخارج في وظائف محددة.

المعايير التمييزية ما زالت مستمرة رغم نضال المستبعدات والمستعبدين من التعيين على مدار سنوات

لكن أكبر واقعة للتمييز المباشر ضد النساء كانت استبعاد آلاف النساء من التعيين معلماتٍ رغم نجاحهن في كل الاختبارات المهنية المطلوبة لمسابقة تعيين 30 ألف معلم لحل أزمة نقص المعلمين المدرسيين.

لم يمكن لآلاف المعلمين، أكثريتهم من النساء، الحصول على وظائفهم بعد فرض ما سُمي وقتها بتدريبات الأكاديمية العسكرية للناجحات والناجحين، وأطلق عليه لاحقًا بالاختبارات، وتسببت في استبعاد نحو 12 ألفًا من الناجحات والناجحين بناءً على معايير اللياقة البدنية التي لا تتعلق بأي شكل بطبيعة عملهم، إلى جانب أسباب أخرى مثل الحمل وحداثة الولادة، والأنيميا واعتلال القلب، وزيادة الوزن، بعد اختبارات وثب وجري وجري زجزاج واختبارات صحية وكشف هيئة.

لا تزال تلك المعايير التمييزية مستمرة، رغم نضال المستبعدات والمستبعدين من التعيين على مدار سنوات بكل الوسائل من مناشدات لتظلمات لأول تظاهر في العاصمة الإدارية الجديدة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 لحقه القبض على 14 منهم وتقديمهم لنيابة أمن الدولة العليا التي حبستهم بتهم التظاهر والانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وظلوا تحت الحبس الاحتياطي لأكثر من ثلاثة أشهر.

أيضًا خاض المستبعدات والمستبعدون نضالًا قضائيًا طويلًا انتهى بفشل المنظومة القضائية في إنصاف كل من تعرضوا لهذا التمييز برفض القضاء الإداري الدعاوى جميعًا، وهو ما أكدته المحكمة الإدارية العليا بدورها في حكم لاحق، لتضاف شرعية قانونية على تلك الاختبارات وكل ما تحمله من مأسسة للعسكرة من ناحية، وللتمييز من ناحية أخرى.

نافذة للنضال

بالرغم من قسوة وامتداد أزمة النساء في سوق العمل، فإنها تظل غير مرئية، ولا نلتفت جماعيًا لها إلا في لحظات وقوع الحوادث الفاجعة التي تودي بحياة العاملات أو اللحظات القليلة لنضال مجموعات منهن بالإضراب أو التنظيم للوصول لأدنى حقوقهن.

لكن قسوة هذا الواقع، لا تمنع وجود فرص واضحة في هذا الواقع أيضًا، فبتوحيد الحد الأدنى الأجور ليشمل كل أشكال العمل، بما فيه إقرار حد أدنى للأجر بالساعة، وإن اعترفنا جميعًا بالقصور الشديدة في تنفيذه، فإنه يفتح أفقًا واسعًا للعاملين والعاملات في مصر للنضال حول مطلب مشترك بغض النظر عن طبيعة العمل أو قطاعه، وبطبيعة ظروف فجوة الأجور سيكون له أثر ناقل لأوضاع النساء العاملات بشكل خاص.

كما أن قانون العمل الجديد، حتى بكل سلبياته، حوى مواد صريحة للحماية من التمييز والتحرش في العمل، ولأول مرة ضم العاملات الزراعيات ضمن منظومة حماية حقوق النساء داخله. ورغم أن تلك المواد عامة وبدون أي آليات واضحة للتنفيذ، فإنها تمثل في حد ذاتها فرصًا للنضال لتحقيقها.

أخيرًا، يجب أن نرى القوانين المنظمة للأحوال الشخصية والأسر في مصر، التي يدور النقاش حاليًا، ضمن السياق السابق شرحه بما يرسم من ظروف موضوعية تحد من فرص النساء ليس فقط في الدخل المستقل لرعاية أنفسهم وأسرهن، بل والظروف التي ترسم حدود قدراتهن على التفاوض على حقوقهن داخل الأسرة وفي حالتي الطلاق أو وفاة الزوج.

لا تعمل القوانين والسياسات العامة بمعزل عن بعضها البعض، بل ضمن منظومة أوسع تتشابك لتشكل واقعًا قاسيًا ومكبلًا لحيوات النساء تفرض عليهن وحدهن عملًا رعائيًّا بغير دخل داخل الأسرة، وسوق عمل صعبة وغير مجزية خارجها، وتتركهن في وضع صعب للتفاوض الشخصي والجماعي. 

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.