تصم: يوسف أيمن- المنصة
جمهور كرة القدم

أسطورة "المدرج المهذب".. سنوات التيه في الملاعب المصرية

منشور الثلاثاء 21 نيسان/أبريل 2026

"الرابطة منذ تأسيسها داعمة ومساندة للدولة ولن تكون غير ذلك، لذلك قررنا من أجل الحفاظ على مستقبل الجميع، حل جروب ألتراس أهلاوي نهائيًا"؛ هذا قررت رابطة ألتراس أهلاوي حل نفسها في مايو/أيار 2018 كجزء من تداعيات أزمة مباراة الأهلي ومونانا الجابوني التي وقعت قبلها بشهرين، وشهدت اشتباكات بين المشجعين وقوات الأمن، نتج عنها إلقاء القبض على عشرات الشباب.

وقف المشجعون أمام نيابة أمن الدولة العليا، ووُجهت لهم اتهاماتٌ بتأسيس جماعة محظورة، والبلطجة واستعراض القوة وتكدير السلم العام، حُبسوا على ذمة القضية، أحرق ألتراس أهلاوي البانر الخاص بهم إيذانًا بانتهاء المجموعة، ومقاطعتها المدرج لأجل غير مسمى.

انتصرت الدولة في حربها على مجموعات الألتراس التي بدأت منذ أحداث ستاد بورسعيد في 2012، لكن ما المفاجأة في ذلك؟ طبيعي وسهل أن تنتصر دولة قوية تملك كل شيء على مجموعة من المراهقين والشباب المحبين للكرة، لكن الأصعب كان احتواؤهم وتنظيمهم وتوجيه طاقتهم، بل واستغلالهم قوةً ناعمةً، تمامًا كما فعلت إنجلترا.

عام 1985، كانت كرة القدم الإنجليزية على موعد مع كارثة مروعة هزت أوروبا كلها.

في نهائي كأس أوروبا بين ليفربول ويوفنتوس على ملعب هيسل وقعت اشتباكات جماهيرية دامية أدت إلى سقوط عشرات القتلى في واحدة من أسوأ اللحظات بتاريخ اللعبة، فيما عُرف لاحقًا بكارثة هيسل.

كانت النتيجة حظرَ مشاركة الأندية الإنجليزية في البطولات الأوروبية لخمس سنوات كاملة، لكن إنجلترا لم تختَر الحل الأسهل بإفراغ المدرجات، ولم تتعامل مع جمهورها باعتباره خصمًا، بل مشكلة يجب فهمها وتنظيمها، طوَّرت الملاعب، شددت العقوبات الفردية بدل العقاب الجماعي، دعمت دمج الجماهير في كيانات منظمة، والنتيجة أننا أصبحنا أمام جمهورٍ محكوم بقواعد واضحة لكنه لا يزال صاخبًا ومؤثرًا.

تحدث تجاوزات بين الحين والآخر يتم التعامل معها بينما العجلة تدور، أعادت إنجلترا الدولة تعريف علاقتها مع جمهور الكرة، دون أن تفقد المدرجات روحها. وحاليًا ربما لا يعرف الملايين حول العالم عن الإمبراطورية البريطانية إلا دوريها وملاعبها ومدرجاتها.

بالمناسبة ما زال بعض المشجعين الذين قبض عليهم بعد مباراة مونانا في السجن حتى الآن بعد 8 سنوات من الواقعة.

أسطورة "المدرج المهذب"

بعد مجزرة بورسعيد، أغلقت المدرجات بشكل شبه كامل، لُعبت مواسم كاملة بمدرجات خاوية، ثم جاءت كارثة الدفاع الجوي 2015 لتقضي على ما تبقى من حياة في مدرجات الكرة.

تدريجيًا عاد الجمهور، 5 آلاف متفرج، ثم 10 آلاف، ثم زيادات موسمية مؤقتة مشروطة بموافقات أمنية، تحت نظام تذاكر إلكتروني صارم، لكن الأهم من الأرقام نوعية الجمهور الذي عاد؛ جمهور يتم اختياره، مراقبته، وتحديد سلوكه مسبقًا، يُحرم من رفع علم فلسطين، ويُحاسب جماعيًّا على أي هتاف خارج، ويعاقب بعنف لو فكر فقط في استحضار شيء من الروح القديمة، يكفي أن تعلم أن هناك قضية في نيابة أمن الدولة العليا اسمها "إحياء رابطة وايت نايتس" وحبُس على ذمتها مجموعة من المشجعين.

بانر ألتراس وايت نايتس في أحد المباريات المسموح فيها بدخول جماهير

بمرور الوقت، كان من الطبيعي اختفاء الجمهور الحقيقي، ليحل محله جمهور "منضبط"، لكن بلا روح، فمشاهدة مباراة كرة قدم تختلف عن حضور حفل أوركسترا القاهرة السيمفوني.

كرة القدم سلعة رأسمالها الشغف، تحتمل المكايدات والتلاسن والهتافات المضادة. اكتسبت شعبيتها في الأساس من هذا التنافس المحموم في المدرج قبل أرض الملعب.

دور الدولة أن تنظم وتراقب وتحاسب على التجاوزات لكن أن تترك أيضًا بعض الهوامش، إن لم يكن كما يحدث في ملاعب إنجلترا وإسبانيا وفرنسا، فكما يحدث في مدرجات السعودية والمغرب وتونس.

ما يحدث في المدرجات المصرية ليس محاولة تنظيم، بل إصرار على السيطرة والتدجين والإمعان في إظهار الانتصار، دون أن تدرك الدولة أنها تخسر كثيرًا بهذا الانتصار.

تخسر اقتصاديًا، بفقدان مكانة الدوري المصري التسويقية لصالح دوريات أخرى في المنطقة، وتخسر اجتماعيًا وسياسيًا بفقدانها التواصل والثقة مع جيل هي بحاجة شديدة للتواصل معه، وتخسر رياضيًا لأن الشكل الحالي للمدرجات المستأنسة يجعل اللاعبين المصريين يعجزون عن اللعب خارج أرضهم وسط مدرجات حقيقية، حتى أن أحد أهم الأسباب التي سيقت لتبرير هزيمة مصر من السنغال في المباراة الفاصلة للصعود إلى كأس العالم 2022 أن الجمهور السنغالي استخدم الليزر والأجواء كانت عدائية.

في الواقع هي لم تكن عدائية.. فقط كانت حقيقية.

التجربة الألمانية

المعادلة الحالية تبدو ناجحة على الورق: لا شغب، لا مشكلات كبيرة، مدرجات هادئة، لكن السؤال: هل هذا هو الهدف من الجمهور أصلًا؟ الجمهور ليس مجرد رقم في المدرج، ولا صورة جميلة في البث التليفزيوني، بل عنصر ضغط، دعم، وتأثير، حين يتحول إلى مشاهد هادئ و"مهذب" تفقد اللعبة عنصرها الأهم.

المشكلة الحقيقية ليست في منع الفوضى، بل في الذهاب إلى الطرف الآخر تمامًا، لا يجب أن يكون الاختيار بين جمهور خارج تمامًا عن السيطرة، وجمهور مدجّن منزوع التأثير، هناك مساحة واسعة يمكن العمل فيها.

بدلًا من تحويل الجمهور إلى متفرج صامت تم الاعتراف به كجزء أساسي من التجربة

ألمانيا مثلًا عانت من شغب متكرر في التسعينيات وبداية الألفينيات، لكنها لم تسأل كيف تسيطر على الجمهور، بل كيف تجعله جزءًا من المنظومة، فبقي صاخبًا، لكنه لم يعد مشكلةً، وما زالت المدرجات الواقفة المجنونة والصاخبة موجودة في ألمانيا حتى اليوم، حتى أن مدرج الجدار الأصفر في سيجنال إيدونا بارك، يضم أكثر من 25 ألف مشجع واقف في المباراة الواحدة.

بدلًا من تحويل الجمهور إلى متفرج صامت، تم الاعتراف به جزءًا أساسيًّا من التجربة، أصبحت الأندية الألمانية ملزمةً بنظام "50+1"، الذي يضمن بقاء القرار في يد الأعضاء والمشجعين، وليس المستثمرين فقط، كما تم إنشاء قنوات تواصل رسمية بين روابط المشجعين وإدارات الأندية، بحيث يتم حل الأزمات بالحوار، لا بالمنع.

النتيجة؟ أعلى متوسط حضور جماهيري في أوروبا يتجاوز 40 ألف متفرج في المباراة، أجواء مشتعلة وحماسية في كل مباراة وفي أي ملعب، والمفاجأة، معدلات شغب أقل بكثير من فترات سابقة.

الحل ليس دائمًا أمنيًا، هناك أفكار أخرى دائمًا لمن يريد.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.