معضلة "الدولة" في لبنان وفخ لقاء عون ونتنياهو
مهما كانت حجج التيار الداعم لالتزام حزب الله بقرار الدولة اللبنانية التفاوض مع إسرائيل قويةً، يبقى من غير المتصور قبول الرئيس اللبناني جوزاف عون دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقاء مجرم الحرب بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، خلال أسابيع تمديد الهدنة.
فمن غير المتصور ولا المقبول أن يرى اللبنانيون رئيسهم يصافح نتنياهو في البيت الأبيض، ودماء ما يزيد عن 2509 شهداء لبنانيين لم تبرد بعد. ولن ينسى اللبنانيون والعالم بسهولة الهجوم الهمجي الذي نفذه جيش الاحتلال في 8 أبريل/نيسان عندما تفاخر بضرب مائة هدف خلال عشر دقائق، ليقتل ما يزيد عن 300 لبناني، ويشرّد ما يزيد عن مليون آخرين، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو خمسة ملايين.
ميراث الدم
ليست ببعيدةٍ دماءُ 2700 شهيد لبناني قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي في "حرب إسناد غزة"، التي أطلقها حزب الله في أعقاب هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 واستمرت حتى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
بالتوازي مع دماء أكثر من 72 ألف فلسطيني قتلهم نتنياهو في حربه ضد قطاع غزة على مدى عامين وهو ما استدعى إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال ضده ووزير دفاعه لشبهة تورطهما في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
في جميع اتفاقات وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، سواء خلال عام 2024 أو الأسابيع الأخيرة، تُصرّ تل أبيب بمباركة من إدارة ترامب على مواصلة تنفيذ عمليات عسكرية داخل لبنان بحجة ما تسمّيه "الدفاع عن النفس" أو إجهاض تحركات حزب الله. والأخطر من ذلك هو التوسع في احتلال الأراضي اللبنانية في الجنوب بحجة إقامة منطقة عازلة وربط الانسحاب بالتزام الدولة اللبنانية بنزع سلاح الحزب.
وبينما استولى جيش الاحتلال على خمس قرى لبنانية في أعقاب العمليات التي نفذها خلال حرب غزة، فإنه خلال الست أسابيع الأخيرة سيطر على ما يزيد عن 55 قرية في الجنوب تمثل نحو 10% من إجمالي مساحة لبنان الصغير، وأنشأ خطًّا أصفر كما فعل في قطاع غزة بعد وقف إطلاق النار.
بالتالي فإن منح الرئيس الأمريكي ونتنياهو صك براءة من الدماء المهدرة في فلسطين ولبنان وإيران بوقوف الرئيس اللبناني بجوارهم مبتسمًا ومصافحًا لن يخدم الداخل اللبناني، بل سيزيد من احتمالات الحرب الأهلية.
خطر الانفجار
بغض النظر عن حديث القانون والدستور وما يترتب عليهما من شرعية الرئيس اللبناني، فالواقع هو أن حزب الله لن يقبل خطوة كهذه. ومن المؤكد أن إدراك الرئيس اللبناني حساسيةَ الوضع الداخلي هو ما دفعه لرفض الضغوط الأمريكية عليه قبل أسبوعين، للمشاركة في محادثة هاتفية مشتركة مع نتنياهو وترامب وقت إعلان التوصل إلى وقف إطلاق النار، بعد أيام من إعلان الهدنة على الجبهة الأمريكية والإسرائيلية في إيران.
من الجليّ أن واشنطن ماطلت في الضغط على إسرائيل لوقف حربها على لبنان؛ سعيًا لفك الارتباط بـ"جبهة إيران". لكن الحقيقة التي أذعن لها ترامب في النهاية هي التلازم الوثيق بين الجبهتين؛ فطهران التي وجّهت حزب الله بمهاجمة إسرائيل ضمن استراتيجية استعراض قدرتها على إشعال المنطقة في مواجهة واشنطن وتل أبيب، لم تكن لتقبل بالتهدئة دون إجراءات مماثلة في لبنان، والعراق، واليمن.
يحاول ترامب بكل السبل تطهير السجل الدموي لحليفه نتنياهو، زاعمًا أنه وحده القادر على تجاوز تلك المرحلة والعودة بكل بساطة لمرحلة الاتفاقيات الإبراهيمية وتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل.
وبينما استمر التركيز على دفع السعودية بما لها من وزن ديني وسياسي إلى اتخاذ هذه الخطوة، إلا أن انضمام لبنان بتاريخه الحافل بالمواجهات مع إسرائيل إلى قائمة الدول العربية المطبعة، سيُمكِّن الرئيس الأمريكي من زعم تحقيق إنجاز لم يسبقه إليه أحد، تمامًا كما كان يتمنى أن يتضمن سجله في الأعمال غير المسبوقة في منطقة الشرق الأوسط الإطاحة بالنظام الإيراني المعادي لبلاده منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وقد يردُّ منتقدو حزب الله أن "حرب إسناد غزة" لم توافق رغبة قطاع واسع من الشعب اللبناني، ورغم ذلك خاض الحزب كلا الحربين بناء على توجيهات طهران وليس لخدمة أي مصالح لبنانية مباشرة. ولكنَّ هذا الحديث بعيدٌ عن الوضع القائم على الأرض، الذي يجب على رئيس لبنان وحكومته التعامل معه بكل حنكة وحساسية لمنع الوضع الداخلي من الانفجار.
توازن حرج
حقيقة أن المجتمع اللبناني منقسم طائفيًا ليست مفاجأة، مثلما أن صعوبة الاستمرار في لعبة التوازن الطائفي هذه لم تعد مفاجأة أيضًا، بعد مرور نحو ثمانية عقود على نشأة تلك الدولة المعضلة، خاصة وأن قادة تلك الطوائف لن يتخلوا عن نفوذهم وحصصهم وثرواتهم بسهولة.
بالتالي فإن تصور أن تورط الجيش اللبناني بأوامر الرئيس في عمليات مباشرة ضد حزب الله لنزع سلاحه، التزامًا بقرار الدولة المركزية في أداء واجبها الدستوري والشرعي بتوحيد السلاح، هو وصفة لدفع البلد نحو الحرب الأهلية بكل تأكيد، لأن حزب الله لا يمثل ميليشيا مسلحة وحسب، بل طائفة شيعية تشكل نحو 30% من إجمالي السكان.
أفضل ما يمكن للرئيس اللبناني عمله في الوقت الحالي هو التريث
ومن يرفعون شعارات ضرورة احترام قرارات "الدولة اللبنانية" يتجاهلون حقيقة أن رؤية الموارنة والمسيحيين في لبنان لتلك "الدولة" تختلف عن رؤية السُنة، وبالتأكيد الشيعة.
وعلى مدى سنوات الحرب الأهلية اللبنانية المريرة بين الأعوام 1975 و1990، وبعد انتهائها وحتى يومنا الحالي، فإن تدخُّل الأطراف الخارجية، فرنسية وأمريكية وسعودية وإيرانية واسرائيلية، بشكل عميق في الداخل اللبناني، لم يساعد بالتأكيد على توحيد مفهوم وشكل تلك الدولة، والأصعب هويتها وعلاقاتها الخارجية.
وسواء استجاب الرئيس اللبناني لضغوط ترامب وسقط في فخ لقاء نتنياهو، أو تصرف بحكمة ورفض ذلك اللقاء، فإن كل الأطراف المعنية تعلم جيدًا أنه لو تجددت المواجهات العسكرية على الجبهة الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، فإن الجبهة اللبنانية ستشتعل مجددًا، كذلك جبهات العراق واليمن وتعود الهجمات على كل دول الخليج العربي.
لذا فأفضل ما يمكن للرئيس اللبناني عمله في الوقت الحالي هو التريث وإدراك حقيقة أن المواجهة العسكرية الدائرة حاليًا بين الولايات المتحدة وإيران ليست التوقيت المناسب للإقدام على خطوة لقاء مجرم الحرب نتنياهو التي ستشعل الوضع الداخلي.
ولو تمكن الرئيس اللبناني من الحصول أولًا عبر ترامب على خطوات ملموسة من إسرائيل تتمثل في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، ووقف كامل للانتهاكات الإسرائيلية اليومية للأجواء اللبنانية، فإن ذلك من شأنه أن يجعل موقف الدولة اللبنانية أكثر قوةً في التفاوض على أي ترتيبات مستقبلية مع إسرائيل.
أما في ظل غياب أي إنجازات للدولة اللبنانية عبر التفاوض مع إسرائيل قبل أي مناسبات احتفالية في البيت الأبيض تمنح ترامب صورة صانع السلام، بينما هو شريك كامل في جرائم الحرب الصهيونية، فإن حزب الله سيُدفع للاستمرار في التمسك بسلاحه وخيار المقاومة، ورفض الخوض في حوار داخلي موسع للتوصل إلى تفاهمات تتعامل مع معضلة تعددية لبنان الطائفية ومفهوم الدولة ومستقبلها.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

