ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية عبر الإنترنت
متهمون جدد مؤهلون للملاحقة
عَرِف القانونُ الدوليُّ "الجرائمَ ضد الإنسانيةِ" لأولِ مرةٍ في محاكمة نورنبيرج التي انعقدت عقب الحرب العالمية الثانية 1945 لمحاكمة مجرمي الحرب الألمان، في محاولةٍ لوصف بعض الفظاعات والجرائم التى ارتكبت ولم تنطبق عليها أحكام القانون الدولي الإنساني/قانون الحرب آنذاك.
منذ ذاك الحين، استمر المجتمع الدولي في محاولات تعريف معنى الجرائم ضد الإنسانية عبر مسارت عديدة؛ أهمها لجنة القانون الدولي بهيئة الأمم المتحدة، التي أُنشئت في عام 1945 ذاته من أجل حفظ السلم والأمن الدوليين.
سعيًا للعدل
ساهم فقه القانون الدولي في تدقيق معنى الجرائم ضد الإنسانية، خصوصًا مع بداية ما يُعرف بالجيل الثاني من المحاكمات الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة ليوغوسلافيا/ICTY عام 1993 والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة لرواندا/ ICTR عام 1994. كُللت تلك الجهود بالنجاح مع دخول المحكمة الجنائية الدولية الدائمة حيز التنفيذ عام 2002 لتعمل وفق نظام أساسي هو نظام روما الأساسي الذي أُقر عام 1998، ووضع تعريفًا للجريمة وحدَّد أركانها بشكل أكثر دقة.
يرجع الفضل في ذلك إلى لجنة الخبراء الدوليين المستقلين التي صدر قرار تكوينها من الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، والتي أسسها وتولى رئاستها وقيادتها البروفسور المصري شريف بسيوني أستاذ القانون الدولي بجامعة سراكوزا فى إيطاليا، الذي عَملتُ معه منذ عام 1998 حتى تاريخ وفاته.
كنتُ شاهدًا على دور بسيوني البارز والمحوري في وضع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وكان المرشح الأول على مستوى العالم لرئاستها في دورتها الأولى عام 2002، وحال دون ذلك موقف بلاده التى لم تصادق على نظام المحكمة. وهذه قصة كبيرة سأكتب عنها لاحقًا.
يمكن أن ترتكب كل الجرائم ضد الإنسانية بوسائل إلكترونية وعبر الفضاء الرقمي
تعرّف الجرائم ضد الإنسانية وفقًا للمادة السابعة من نظام روما الأساسي بأن أي فعل من الأفعال، التي حددتها، هو جريمةٌ ضد الإنسانية، متى ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، وأن تكون الجريمة ارتكبت وفقًا لسياسة دولة أو منظمة مدعومه من تلك الدولة.
تتضمن قائمة الجرائم ضد الإنسانية 11 جريمة منها على سبيل المثال جرائم القتل العمد والإبادة والاغتصاب والاسترقاق والاضطهاد والتعذيب، وجريمة الاضطهاد لأي مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية، وذلك كله متى توافرت العناصر السياقية لارتكاب الجريمة، وهي أن تقع الأفعال في إطار هجوم واسع النطاق أو ممنهج، مع العلم بذلك الهجوم، وأن تُرتكب تلك الجريمة وفقًا لسياسة دولة أو منظمة بدعم مع تلك الدولة.
جرائم قديمة بأدوات جديدة
الآن، بعد مرور ما يقرُب من 25 عامًا على بدء عملها، تشهد "الجنائية الدولية" ومجتمع القانون تحديًا أكثر صعوبةً وعمقًا بسبب الحالة غير المسبوقة من التطور التكنولوجي الهائل، خصوصًا في مجال الإنترنت والفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي.
لا نتردد في القول إنه حال توافر العناصر السياقية اللازمة لارتكاب الجريمة، فإن كل الجرائم ضد الإنسانية المذكورة في المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة يمكن أن تُرتكب بوسائل إلكترونية وعبر الفضاء الرقمي، فى حين أن القانون الجنائي الدولي بُني على ضرورة تحديد الأفعال المادية المباشرة التي تُمارس بغرض ارتكاب الجرائم.
على سبيل المثال جريمة القتل العمد المذكورة جريمةً ضد الإنسانية، قد تُرتكب عبر الإنترنت نتيجة اختراق أحد الأشخاص لنظام التحكم في أجهزة محطات المياه أو الصرف الصحي أو الطاقة أو المستشفيات، مع علمه بأن تلك الممارسات وهذا السلوك سوف يؤديان إلى وفاة العديد من الأشخاص، أو أن الوفاة سوف تترتب حتمًا وفقًا للمجرى العادي للأحداث.
كذلك جريمة الإبادة المذكورة في المادة نفسها، وهي جريمة القتل الجماعي، أيضًا يمكن ارتكابها عبر تعطيل سبل الإمداد بالدواء والغذاء، أو اختراق أنظمة الملاحة الجوية وأنظمة المراقبة مما يؤدي إلى تحطم الطائرات بغرض إحداث حالات قتل جماعي تنتهي إلى إهلاك جزء من السكان.
يمكن ارتكاب جريمة الاضطهاد عبر الفضاء الإلكتروني من خلال التحريض أو حرمان مجموعة أو جماعة من السكان من حقوقهم الأساسية
كما أن جريمة الاضطهاد المذكورة في المادة نفسها، وتشمل اضطهاد أي جماعة أو مجموعة محددة من السكان لأسباب سياسية أو دينية أو وطنية أو إثنية أو ثقافية أو جنسية، وحرمانهم عمدًا من الحقوق الأساسية بما يخالف القانون الدولي، وذلك بسبب هوية الجماعة أو المجموع، يمكن ارتكابها عبر الفضاء الإلكتروني من خلال التحريض أو حرمان مجموعة أو جماعة من السكان من حقوقهم الأساسية، على سبيل المثال لا الحصر الحق في الحياة، والحق في التعبير، والحق في الخصوصية، أو الحق في الفكر والاعتقاد، مرورًا بكل الحقوق الأساسية التي أقرها القانون الدولي لحقوق الإنسان.
مظلة العدالة تتمدد
ترتيبًا على ما سبق، يمكن الاعتقاد بإمكانية توجيه الاتهام إلى سلوكٍ ارتكب في الفضاء الإلكتروني، ويرقى إلى أحد الأفعال المحددة في المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مثل القتل أو الاضطهاد وغير ذلك من الأفعال اللاإنسانية الأخرى، باعتباره جريمةً ضد الإنسانية، طالما ارتكب "كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي سكان مدنيين" و"وفقًا لسياسة دولة أو منظمة لارتكاب مثل هذا الهجوم أو تعزيزه".
ولأن أحد أهم العناصر السياقية لارتكاب الجرائم ضد الإنسانية أن تكون تلك الأفعال ارتكبت وفقًا لسياسة دولة، أو عبر منظمة تعمل لصالح تلك الدولة، أو بدعم منها وفقًا لأحكام المادة السابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن السلوك الإجرامي المرتكب عبر أو بواسطة الفضاء الإلكتروني، قد يؤهل مجموعات أخرى باعتبارها "منظمة" حال امتلاكها القدرات الفنية والتقنية القادرة على إحداث السلوك المادي أو العمليات التي تنطوي على ارتكاب متكرر للأفعال المجرمة.
على هذا الأساس قد ترتكب الجرائم ضد الإنسانية عبر الإنترنت، ليس فقط من الأفراد الذين يتصرفون نيابة عن الدول، وفقًا للقانون الجنائي الدولي الحالي، لكن أيضًا الأفعال التي ترتكب من بعض التنظيمات غير الحكومية، مثل أعضاء الجماعات المتمردة أو الإرهابية، أو مجموعات القرصنة أو أعضاء بالشركات المالكة للمنصات الرقمية أو أعضاء بالشركات المنتجة لبرامج الذكاء الاصطناعي، أو أعضاء في اللجان الإلكترونية التي تعمل لصالح دول.
هذه الجماعات الجديدة التي تستخدم الفضاء الرقمي لارتكاب جرائم متهمون محتملون يمكن ملاحقتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية باعتبارهم مجرمي حرب أو مرتكبي جرائم ضد الإنسانية.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
