حوار| رامي شعث: دولة القانون تنتهي في الغرب على أعتاب المشروع الصهيوني
فرنسا "أخذت اللقطة" بدعمي كناشط تعرض للقمع في مصر
في يناير/كانون الثاني 2022، رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالناشط الفلسطيني/المصري رامي شعث، لدى وصوله إلى باريس بوصفه سجينًا سياسيًا تعرّض للقمع؛ إذ قضى في السجن سنتين ونصف منذ القبض عليه في يوليو/تموز 2019، على خلفية تأسيسه الفرع المصري لحركة مقاطعة إسرائيل BDS، وأفرج عنه بعد تقارير عن إجباره على التنازل عن الجنسية المصرية شرطًا لخروجه من السجن ولم شمله مع زوجته الفرنسية.
واليوم، يواجه شعث، وهو أيضًا نجل السياسي الفلسطيني نبيل شعث، الذي شغل عدة مناصب وزارية من بينها الخارجية والإعلام، خطر الترحيل من فرنسا، بدعوى أنه "يمثل تهديدًا للأمن العام"، أيضًا على خلفية نشاطه في مقاطعة إسرائيل. فبعد جلسة استماع عُقدت أمام لجنة استشارية مختصة بقضايا الترحيل في 11 مايو/أيار الحالي، قالت محاميته داميا طهراوي في تصريحات صحفية إن السلطات باتت قادرة على إصدار أمر ترحيل فوري.
يعيد شعث، في حوار مع المنصة، ما يتعرض له من أزمات متتالية بدأت برفض تجديد إقامته، وانتهت بإبلاغه بالنية بترحيله لموقفه من رفض الإبادة التي يتعرض لها شعبه وموقفه من الاستعمارية الصهيونية التي تسرق أراضي فلسطين.
خطر على الأمن العام
لا يتعامل الناشط الفلسطيني مع ما يواجهه اليوم بوصفه قرارًا مفاجئًا. في رأيه هذا كله بدأ منذ اندلاع الحرب على غزة، حين شارك مع آخرين في تأسيس حركة فلسطين الطارئة، التي تحولت سريعًا إلى واحدة من أبرز واجهات الحراك الداعم لفلسطين في فرنسا، وأصبحت لها 32 مجموعة وفرعًا في مدن مختلفة.
ومع اتساع الحضور الجماهيري للحركة، بدأ استهدافه أولًا عبر محاولة إدخاله في قضية "تبرير الإرهاب" على خلفية حديثه عن المقاومة الفلسطينية، قبل أن تُغلق القضية في مكتب الادعاء. ثم انتقل الاستهداف إلى المسار الإداري؛ تعطيل متكرر لتجديد إقامته، وإغلاق حسابه البنكي، وتجميد بطاقته الصحية، وصولًا إلى إبلاغه من مديرية أمن مدينة نانتير باعتباره "خطرًا على الأمن العام" مع نية ترحيله.
يصف شعث هذا المسار بأنه "استهداف إداري" أكثر منه قانونيًا، لافتًا إلى تسع دعاوى رفعها ضد الدولة الفرنسية بشأن رفض تجديد إقامته لم تُحدد لها جلسات للفصل، وكلما لجأ إلى القضاء المستعجل قوبلت طلباته بالرفض بحجة غياب الاستعجال. المقصود من هذا كله على حد قوله إيصال رسالة؛ "اسكت، لنجدد لك الإقامة".
ملف مليء بالعنصرية
تسلم شعث أسباب اعتباره "خطرًا على الأمن العام" في أربع صفحات من سلطات مدينة نانتير، ويصفها بأنها ليست مجرد اتهامات سياسية، بل "عنصرية تجاه كل ما هو فلسطيني، وجهل بالقضية الفلسطينية".
ويشدد على أن العنصرية تجاه الفلسطينيين في فرنسا "تدار من الدولة"، لافتًا في الوقت ذاته إلى أنه لم يختبر عنصريةً في الشارع الفرنسي بقدر ما اختبر "عشر مواجهات" من الدولة والنظام الإداري.
تتضح هذه العنصرية أكثر، كما يقول، في توصيف الحركات والمجموعات التي تتظاهر من أجل فلسطين في فرنسا، وتصور كل من يشارك في هذه الفعاليات العلنية والمصرح بها وكأنه مشتبه به أو مجرم، ثم يبنى على ذلك أن من يعمل معهم أو يخطب في مظاهراتهم هو مجرم بدوره، حيث تمتد هذه النظرة العنصرية إلى أبعد من شخصه فقط؛ إلى "مئات الآلاف من الفرنسيين" الذين خرجوا دفاعًا عن فلسطين.
يتحدث كذلك عما رصدته الصفحات الأربع من أقواله في المحاضرات والندوات، واقتبست منه مواقف مثل اعتباره حل الدولتين "كذبة وخدعة"، أو قوله إن الحل الوحيد هو "تدمير المشروع الصهيوني وإقامة دولة فلسطينية من البحر إلى النهر".
في مثل هذه المواقف، لا يحاول تبرير هذه الاقتباسات ولا حتى الالتفاف عليها، بل يؤكد أنه قال ذلك و"مستمر فيه ومصمم عليه.. ولو مش عاجبكم اخبطوا راسكم في الحيط". ويصر على أن هذه المواقف، سواء اتُّفق معها أم لا، تبقى آراء سياسية، لا مادة أمنية.
يشير كذلك إلى فقرة في الملف تصف مضمون اتصالاته "بمؤسسات ثقافية فلسطينية ومثقفين فلسطينيين حول العالم للخروج بموقف سياسي موحد حول دولة فلسطينية واحدة من البحر إلى النهر"، ويتساءل "بأي حق راقبت الدولة الفرنسية هاتفي أصلًا؟" وكيف تجرأت على اعتبار تواصله مع مثقفين فلسطينيين مادة أمنية توضع في تقرير أمني.
حدود دولة القانون في فرنسا
بعد أشهر من وصوله إلى فرنسا، لجأ رامي مع زوجته إلى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب لمقاضاة الحكومة المصرية على ما قالا إنها انتهاكات تعرض لها أثناء حبسه، شملت الإخفاء القسري والاحتجاز من دون عرض أدلة، وتجديد الحبس في جلسات حُرم هو ومحاموه من حضور بعضها.
وهنا يستعيد الفارق بين لحظتين؛ الأولى لحظة خروجه من السجن في مصر مطلع 2022، بعد أكثر من عامين ونصف من الحبس الاحتياطي، وعلى أثر حملة دولية واسعة طالبت بالإفراج عنه، ومطالب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نفسه، واللحظة التي تعرض فيها لحظر الترحيل الآن، ويؤكد أن الأهم بالنسبة له أنه لم يتغير، "مواقفي ضد الاستبداد والاحتلال هي نفسها".
الذي تغير في رأيه هي فرنسا التي أرادت في لحظة خروجه من السجون المصرية أن "تظهر بمظهر المدافع عن حقوق الإنسان.. عن حقوق ناشط تعرض للقمع في مصر من دون مسار قانوني واضح... كانت فرنسا وقتها تحاول أن تأخذ هذه اللقطة".
تنتهي الدولة القانونية في فرنسا عندما تقترب من المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين
لكن حين يتعلق الأمر بفلسطين تصبح حقوق الإنسان شأنًا هامشيًا، كما يقول؛ "في فرنسا كما في كثير من الدول الغربية.. معندهمش طبعًا مشكلة إنك تنتقد نظام الحكم في مصر أو أنظمة الحكم الأخرى، لكن أن تقترب من المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، أن تقترب من مصالحهم حول استمرار إبادة الشعب الفلسطيني والتوسع في أرضه، هنا تنتهي تمامًا الدولة القانونية في فرنسا وينتهي زعمهم بحقوق الإنسان وينتهي حق التعبير وينتهي حق التجمع".
"اصمت وإلا هيحصلك زي رامي"
لا يعتقد شعث أن الهدف النهائي للسلطات الفرنسية هو ترحيله فعليًا إلى بلد آخر، مرجحًا أن الهدف إصدار قرار بالترحيل ثم استخدام استحالة تنفيذ القرار حجةً لإبقائه داخل فرنسا "بلا حقوق وبلا إقامة"، وبلا قدرة على العمل، وبلا ضمانات صحية أو قانونية، وربما تحت الإقامة الجبرية.
ويصف ذلك بأنه محاولة "لاستباحته إداريًا" خارج إطار القانون، بهدفين متلازمين؛ إسكات صوته، وتوجيه رسالة إلى كل الحراك الداعم لفلسطين في فرنسا تقول "اصمت وإلا هيحصل فيك زي رامي".
ويصطدم مسار ترحيل الناشط الفلسطيني بمعضلة أنه لا يوجد بلدٌ يمكن ترحيله إليه؛ فمن ناحية هو فقد جنسيته المصرية قبل أعوام، ومن ناحية أخرى لا يمكن ترحيله إلى فلسطين وهي في حالة حرب.
كما أن المسار لا يزال مفتوحًا بين الإداري والقضائي، ويوضح أن قرار "النية في الترحيل" لا يمنحه بعد الحق الكامل في الطعن أمام القضاء، لكنه يؤكد أنه سيلجأ فورًا إلى المسار القضائي إذا صدر القرار النهائي.
إلى أن يحدث ذلك، يراهن على ما تلقاه من دعم واسع في فرنسا نفسها، حيث إن عشرات النواب، "بل ربما أكثر من مائة"، أصدروا بيانات إدانة للخطوات الاستبدادية بحقه، ما يعكس إدراكًا متزايدًا في الداخل الفرنسي أن البلد "يتدحرج سريعًا" نحو استبداد يهدف إلى حماية دولة إسرائيل من النقد والمحاسبة.
يوم الخميس 21 مايو/أيار تجمع عشرات المتظاهرين دعمًا لشعث أمام المحكمة القضائية في نانتير، بالتزامن مع حضوره جلسة الاستماع أمام اللجنة الفرنسية المختصة بقرارات ترحيل الأجانب.
في نهاية جلسة الاستماع الاستشارية خرج رامي منتصرًا ومرتديًا الكوفية الفلسطينية، وقال للصحافة الفرنسية إن اللجنة اعتبرت أنه "لم يشكل يومًا خطرًا"، واصفًا قرارها رفض طلب السلطات الإدارية بترحيله بـ"الرمزي".
خلال الجلسة استندت السلطات الإدارية إلى علاقاته بعدد من الائتلافات والجمعيات الداعمة لحقوق الفلسطينيين في فرنسا، بينها "طوارئ فلسطين"، وإلى تصريحاته في المظاهرات العامة بينما رد محاميه نيكولا دو سا-بالياكس بأن السلطات تحاول عبر المسار الإداري تحقيق ما عجزت عن فرضه قضائيًا.
يكشف شعث أن جلسة الاستماع لم تكن محاكمة له، ولا "محاكمة لفلسطين"، بل "محاكمة للصهيونية، وللإبادة، وللتواطؤ الفرنسي" مع هذه الإبادة؛ "هذه المعركة مش حولي، هذه المعركة حول السردية الفلسطينية، هذه المعركة حول حق الشعب الفرنسي في الاستماع وفي النقاش وفي تكوين رأي وحقه في التعبير عن رأيه وحقه في التظاهر وحقه في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية".
بنهاية الحوار، يؤكد رامي شعث على أن "حقه الحقيقي" لا يختزل في ورقة إقامة أو وضع قانوني شخصي. إنما حقه "هو وقف الإبادة في فلسطين، وحرية فلسطين، ومعاقبة كل من برر هذه الإبادة ودعمها بالسلاح، وحرية الناس في فرنسا وغيرها في التعبير عن دعمهم لفلسطين من دون خوف".


