تصميم: يوسف أيمن - المنصة
نجيب محفوظ

الموهبة والدأب.. هل يمكن الآن مطاولة نجيب محفوظ وتجاوزه؟

منشور السبت 13 حزيران/يونيو 2026

"سيرة إبداعية تعطي الحالمين المبتدئين آمالًا واقعيةً في أن يخرج منهم نجيب محفوظ آخر، بل قد يتجاوز محفوظ إن امتلك جسارة تطوير موهبته بأناة ووعي وأخذ نفسه بالجد اللازم إلى عبقرية تتعدد آثارها، ولا تتشابه ثمارها"؛ هذه عبارة دالة وردت في كتاب الروائي والكاتب الصحفي الأستاذ سعد القرش "شاعر الدنيا الحديثة.. نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية".

العبارة تعد إحدى المقاربات التي ينظر بها صاحب الكتاب بإنصاف وإعجاب إلى محفوظ في مساره الشاق، ومنجزه الكبير، ليفتح باب الأمل أمام جيل جديد من الروائيين المصريين يتوالى إنتاجهم في فن الرواية والقصة القصيرة، وكثير منهم يحمل تمردًا على القالب المحفوظي في السرد، أو يضيف إليه الكثير، سواء عبر القضايا والموضوعات والأفكار التي تحملها النصوص الروائية والقصصية، أو من خلال البنى والطرائق الفنية، التي إن كان استفاد بعضها بالطبع من محفوظ، فإنه لا يقف عنده، إنما يعمل جاهدًا لتطوير هذه الفنون، بعد أن بنى محفوظ، وبعض أبناء جيله، الأعمدة الرئيسية له.

ربما المجايلة وغيرة أبناء المهنة تُعميان أحيانًا عن الاعتراف بأن المنجز السردي المصري يتواصل صانعًا مرحلة أخرى يمكن أن يُطلق عليها "ما بعد محفوظ"، وهي لا تعني أبدًا إهمال عطاء الرجل، أو توهم أن الزمن تجاوزه، كما يزعم البعض، أو أن "قتل الأب" ضرورةٌ لإحداث اختراق مطلوب دومًا في هذا الفن، إنما الإيمان بأن القوس الذي فتح محفوظ أولَه أمام الرواية بالذات لم يغلق، ولن يغلق، فهذا ضد الواقع، وضد طبيعة الأشياء.

لماذا تراجع فتوة العطوف؟

يضع القرش يده على حكمة مهمة تركها محفوظ، سواء عبر مسيرته التي انتقلت بقلمه من التعثر إلى الانطلاق، وبحاله من الإهمال إلى الانشغال، ألا وهي أن الموهبة الأدبية في حاجةٍ إلى تربيةٍ دائمةٍ، عبر الدأب، والتجديد في الأبعاد الفنية البحتة، فضلًا عن القضايا والأفكار التي تتدفق بلا هوادة، ومن خلال سياق اجتماعي متجدد يرفد الروائيين بموضوعات أخرى، بعضها لم يتطرق إليه محفوظ، أو سكت عنها، أو أتت إلى الدنيا بعد رحيله.

هذه التربية للموهبة الفطرية، هي التي تصنع "العبقرية" على اعتبار أن جزءًا كبيرًا منها هو ابن الجهد، كما كان يؤمن محفوظ نفسه، وهذه العبقرية هي التي تجعل صاحبها يجود علينا دومًا بما هو مغاير أو مختلف أو غير مألوف، وما يصل حد الإدهاش والاعتبار في آنٍ.

غلاف كتاب شاعر الدنيا الحديثة نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية لسعد القرش.

وفق القرش، لم تكن بداية محفوظ بهذا الاقتدار الذي اقترب من الذروة مع ثلاثيته الشهيرة بين القصرين ـ قصر الشوق ـ السكرية التي جعلت عيون الكبار تلتفت إليه، فكتب في مدحه الكبار، فرآه طه حسين صاحب قدرة تطاول أهم الأدباء في العالم، ورآه العقاد روائيًا قديرًا أمامه طريق مفتوح إلى نوبل، بعد أن كتب عنه نقاد بارزون مثل أنور المعداوي وسيد قطب، ليصل إلى الذروة، ويقف راسخ الأقدام عليها بروايته ملحمة الحرافيش التي يعدها كثيرون أبدع وأكمل ما كتب، وأنا منهم.

في البداية كتب محفوظ قصصًا قصيرة غير ناضجة فنيًا، بعضها كان يقف بين القصة والمقال السردي، حتى إنَّه حين سَلَّم ناشره جودة السحار ثمانين قصة، اختار من بينها ثمانية وعشرين فقط، رآها صالحة للنشر كقصص قصيرة لتظهر في كتاب همس الجنون، وأهمل البقية، وحين نشر بعضها بعد حصول محفوظ على نوبل في مجموعة باسم فتوة العطوف، بان لنا الفرق الكبير بين بداية محفوظ وما انتهى إليه.

أتذكر أنني يومها اشتريت هذه المجموعة من مكتبة في ميدان باب اللوق، الذي طالما أتى محفوظ على ذكره في رواياته حين كان اسمه "ميدان الأزهار"، وكنت أحسب أنها عمل جديد، فليست هناك مقدمة ولا كلمة خلفية للغلاف توضح زمن كتابتها، وحين شرعت في قراءتها أصبتُ بإحباط شديد، وتساءلت: أيمكن أن يكون محفوظ قد تراجع فنيًا إلى هذه الدرجة؟ وخمنت أنها من أعمال قديمة لم تنشر من قبل، وسألت فتأكدت من هذا، حتى جاء كتاب سعد القرش ليقول إن من المرجح أن السحار سارع إلى نشر هذه القصص دون العودة لمحفوظ، وقت أن نشر كل أعماله في طبعة "مكتبة مصر" ناشر محفوظ التاريخي، قبل أن تشرع دار الشروق في إصدار جديد لها بعد توقيعها عقد احتكار أعماله سنوات.

بداية بلا نهاية

هذه البدايات لم ترق لسلامة موسى، أستاذ محفوظ، فهو على تحمسه لمقالات تلميذه الفلسفية التي نشرها في "المجلة الجديدة"، لم يستحسن محاولاته الروائية الأولى، هنا يقول القرش "كان موسى محبًا صادقًا، لعله أراد بقسوته اختبار أصالة المعدن الإبداعي للشاب، ليرى هل يصبر أم ينكسر؟ ولما قرأ رواية عنوانها حكمة خوفو فرح بها، ونشرها بعنوان عبث الأقدار عام 1939".

هنا نكون أمام درس في التجويد والتجديد والإجادة، فبدايات محفوظ لم تكن مبشرة أبدًا بحيازته هذه المكانة الأدبية التي تضعه في مصاف عبقريات مثل شكسبير ودوستويفسكي وتشخيوف وكازانتزاكيس وماركيز، حسبما يرى القرش، لكن الدأب أدار الموهبة باقتدار حتى أنجز هذا الرصيد الكبير.

محفوظ في درسه ومنجزه كان يمكن ألا يراه مجايلوه واللاحقون عليهم على حقيقته لو لم يحصل على جائزة نوبل

وهنا يقول القرش "لم تبشر البدايات بأنه سيكون بناءً عبقريًا يؤسس فن الرواية العربية، ويهضم تياراتها، ويستوعب مدارسها، ويتجاوز فتوحاتها، ربما يسأل قارئ بعد مائة سنة، هل كان فردًا أم مؤسسة؟ كيف أنجز هذا الرصيد؟ ما تفسير قدرته على اختصار أكثر من ثلاثمائة سنة من المنجز الروائي العالمي؟ لو لم نعش زمنه، ونتابع مراحل حصاده، لقلنا إنه كان مؤسسة متكاملة".

في الحقيقة فإن مثل هذا الإنجاز متكرٌر كثيرًا في تاريخ الكتابة على مستوى العالم، وعند العرب نراه في الأولين الذين أنجزوا تلًا من الكتابات،  مثل محيي الدين بن عربي، وأبو حامد الغزالي، وابن خلدون، وكان هناك من يكتب ويصنف ألف عمل مثل السيوطي.

في الزمن الحديث فعل الأمر نفسه طه حسين والعقاد، وأتى بعدها من كتب كذلك العشرات من الكتب، في ألوان مختلفة، ليبقى اللافت عند محفوظ مقارنة بغيره هو أنه كتب كل هذا في لونين فقط من الفن هما الرواية والقصة القصيرة، وأنه أول من بنى أعمدة الرواية العربية، حتى لو كان توفيق الحكيم قد سبقه بـعودة الروح، وهو من قدم درسًا بليغًا في الصعود التدريجي للقدرة الإبداعية، وهي مسألة أدركها جيدًا واعترف بها، حين قال "كلنا تدرجنا، إلا توفيق الحكيم فقد ولد مكتملًا".

نوبل والعودة لأعلى

لكن ما يصدمنا به الكتاب حقًا هو أن محفوظ في درسه ومنجزه كان يمكن ألا يراه مجايلوه واللاحقون عليهم على حقيقته، ويقدرون ما تستحقه موهبته وجهده وعبقريته، لو لم يحصل على جائزة نوبل، كأننا في الثقافة أيضًا نعاني من "عقدة الخواجة"، رغم علمنا بأن نوبل في الآداب لا تخلو من تحيز، ولا تفلت أحيانًا من قبضة المركزية الأوروبية والمسار الاستشراقي.

هل يكرر المثقفون الآن ما جرى ضد محفوظ قبل نوبل مع غيره؟

يلتقط سعد القرش هذا فيطرح السؤال: هل أنقذته جائزة نوبل من التطاول والنسيان؟ ثم يحدثنا عن إهمال النقاد للرجل عشر سنوات في البداية، ليعود الإهمال قبل نوبل عشر سنوات أخرى، وكيف سخر بعض الكتاب والنقاد من أعماله اللاحقة على "ملحمة الحرافيش"، ورأوا أنها فقيرة فنية، بل قال أحدهم إنه أشبه بكتابة مبتدئين، وتساءل آخر: لماذا يتسرع محفوظ وينشر مسودات روايته قبل أن تنضج؟

وهناك من قال إن عالمه الروائي والقصصي محدود لا يخرج عن الطبقة الوسطى، وتحدث جمال الغيطاني عن أنه قد تجاوزه، كما جنى من موقفه السياسي حول السلام مع إسرائيل نبذًا من البعض، وقطيعة من آخرين، دون أن يكلف أحد نفسه بالإنصات إلى أطروحته كاملة.

هذه الأجواء تقول إن محفوظ لو لم يحصل على هذه الجائزة التي جعلت مهاجميه وكارهيه يقبلون عليه يتملقونه، كان ظلمه سيستمر رغم منجزه العميق الكبير، وهنا يقول القرش "لم يكن محفوظ يحتاج إلى أقل من زلزال، فطرق الخواجة نوبل بابه في توقيت مثالي، أنصفته الجائزة وأنقذته، وأعادت الاعتبار إلى أعماله، ودفعت متعالين وكارهين إلى الركض، ينشدون صداقته، ويباهون بقربه، ويتحدثون باسمه، وينسبون إليه آراءً، ويصدرون عنه الكتب، وفي السينما صار اسمه استثمارًا أو عنوانًا للوجاهة".

هذا الكتاب الذي يحدثنا أيضًا عن المسكوت عنهم في ثلاثية محفوظ، والسجال حول أولاد حارتنا، والمكان والزمان في روايات محفوظ، وعلاقته بالسياسة وأهل الحكم مقارنة بغيره، والأفلام والدراما التلفزيونية المأخوذة عن بعض أعماله، يدفع إلى طرح سؤال: هل يكرر المثقفون الآن ما جرى ضد محفوظ قبل نوبل مع غيره؟ وهل هي الإحن والغيرة العمياء أم التفريط واللامبالاة؟ وإلى أي مدى تكون المعاصرة حجابًا؟ وإلى متى ينتظر المثقفون تكريمًا غريبًا لكاتب يعيش بينهم حتى يروه، ويعترفوا به، مع أنه قد يكون أفضل حتى من بعض حائزي نوبل نفسها؟

ميزة هذا الكتاب أيضًا أنه يضرب بعض من يقدسون كل ما مضى، ومن مضى، على رؤوسهم لا ليقتلهم إنما لينبههم إلى أن "مصر ولادة"، وأنه طوال الوقت هناك فرص لوجود أحمد لطفي السيد وطه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس، لكن بشرط أن يفتح الطريق للموهوبين، ويعمل هؤلاء على إدارة الموهبة بالإرادة وبذل الجهد.