تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
نبيل الهلالي

سيرة "الهلالي"

نظرة من قرب لنبيل الهلالي

منشور الخميس 18 حزيران/يونيو 2026

"إذا كان الموت أقوى من البشر، فإن الحياة أقوى من الموت. لأن المناضلين الذين تَخَطَّفَهم الموت من داخل صفوفنا أحياءٌ محصنون داخل عقولنا وقلوبنا ولا تقوى يد الموت على انتزاعهم من مواقعهم".

هكذا نعى أحمد نبيل الهلالي في ربيع 2004 زوجته فاطمة زكي، التي التقى بها أواخر الأربعينيات باسمها الحركي "الرفيقة نبيلة" كما جرت العادة في الخلايا السرية الشيوعية. وبعد مرور عشرين عامًا على وفاته في 18 يونيو/حزيران 2006 تبدو تلك الكلمات بالذات أنسب ما يُقال في ذكراه، فلم تقوَ يد الموت على انتزاعه من عقول وقلوب من عرفوه.

أرستقراطي شيوعي

طالما خُلعت على الرجل الأوصاف التي حاولت تقديمه بطلًا استثنائيًا وفريدًا من نوعه. الفارس والقديس والراهب والنبيل، وغيرها من ألقاب التقدير لمنحه ما يستحق فعلًا من إجلال. 

من جنازة نبيل الهلالي، 19 يونيو 2006

لكن عن قُرب، يبدو الهلالي أكثر بساطة من كل تلك الأوصاف والألقاب، التي طالما أخجله تداولها عنه ومخاطبته بها، فالمحامي المُفَوَّه الذي كانت مرافعاته تهز المحاكم وتبهر المستمعين الذين يأتون خصيصًا لسماعها، يصبح أكثر إبهارًا في جلسته بين مجموعة من الطلاب ينصت إليهم ليتعرف على  الحركة الطلابية وما آلت إليه. سينصت بكل اهتمام لكل منهم، وسيسألهم بعد انتهاء حديثه محاولًا استكمال رسم صورة حركتهم على الأرض في ذهنه، وتحديد ما يعوق تطورها وما تحتاجه، وما يمكن تقديمه في سبيل ذلك.

ولد الهلالي في أغسطس/آب عام 1921 في القاهرة وتوفي فيها أيضًا يونيو/حزيران 2006. وانضم في شبابه؛ وهو من وُلد ونشأ في أسرة أرستقراطية، إلى صفوف اليسار عام 1947.

انحياز الهلالي فكريًا وسياسيًا عكس مصالح طبقته الاجتماعية لم يكن استثناءً وقتها، فطالما انضم أبناء الأرستقراطية المصرية لصفوف اليسار المصري والحركة الشيوعية، واضعين مصالح الوطن والمجتمع قبل مصالحهم الفردية والعائلية والطبقية، مثل أمينة رشيد وإنجي أفلاطون وفوزي حبشي ويوسف درويش ومحمد سيد أحمد وغيرهم ممن جعلهم التعليم الرفيعة والاطّلاع على الفكر العالمي الحديث وقتها أقرب لليسار من الرجعية الأرستقراطية.

لم يُضحِّ الهلالي يومًا بما يؤمن به، رغم الهزات والتحولات العنيفة التي شهدها

اختيار الهلالي الفكري وانضمامه لصفوف الحركة الشيوعية المصرية حسم الكثير من اختياراته اللاحقة، ابتداءً من شريكة حياته، التي قال في تأبينها "تعرفت عليها لأول مرة في أواخر الأربعينيات، باسمها الحركي (الرفيقة نبيلة) عندما كانت مسؤولة عني في إحدى الخلايا السرية، وبهرتني يومها بقوة شخصيتها وتفانيها وجديتها. ثم فرقتنا الأيام، عشرة أعوام، لنلتقي من جديد في منتصف الخمسينيات، وتعاهدنا على أن نكون شركاء في الحياة، فضلًا عن كوننا رفاقًا في النضال وعقدنا قراننا في 29 يونيو 1958، ولم يمهلنا الزمن طويلًا فبعد ستة أشهر فقط لحقت بنا لعنة الفراق، عندما داهم عشنا زوار الفجر في أول يناير 1959 ليقتادوني إلى المعتقل لنفترق من جديد خمس سنوات".

انضمامه لصفوف الحركة الشيوعية المصرية كان اختيارًا لمبدأ العدالة والمساواة، الاختيار نفسه الذي سيقوده مهنيًا في عقود حياته التالية حتى رحيله، فمنذ تخرجه من كلية الحقوق عام 1949 والعدالة همه الأول، سعى إليها في ساحات المحاكم مدافعًا عن العمال والطلبة والفلاحين وعن أطياف السياسيين ممن اتفق معهم ومن اختلف، وحتى من ناصبوه العداء، فالعدالة لا تنتقي.

هذا الاختيار نفسه هو ما دفعه لتبني أجيال متتالية من المحامين الشباب ليتحول مكتبه إلى مدرسة لمحاميي اليسار، الالتحاق بمكتب نبيل الهلالي أصبح هو الخطوة التالية بعد الحصول على ليسانس الحقوق لاستكمال تعلم معنى وقيمة العدالة. مثلما كان ملاذًا لكل عامل وطالب وسياسي.

الرفيق بشير

صورة المحامي اليساري الشهير أحمد نبيل الهلالي، ضمن بوست عن رموز المحاماة، 28 يونيو 2022

جرت العادة على رسم صورة مقدسة لنبيل الهلالي، حتى قبل وفاته. والتصق به لقب قديس اليسار مبكرًا، لا شك أن القدرة على التفاني والتضحية والثبات على المبدأ وذلك التواضع الذي اتسم به دائما، كلها صفات ساهمت في رسم تلك الصورة. 

ولكن الهلالي نفسه لم يكن من هواة تلك الصور الملائكية؛ الحبيب والزوج العاشق، واليساري المناضل، والمحامي الذي حفظت صوته المحاكم وأغاث المظلومين. لم يرَ في كل ما قام به سوى اختيارات الإنسان البسيط، لا بطولات الشخص الاستثنائي.

ربما كان هو نفسه أفضل من عبر عن ذلك في الأحاديث الرفاقية "التضحية الحقيقية ليست بالتخلي عن بعض الامتيازات الطبقية التي لم نختارها وتبني أفكار نختارها، التضحية القاسية حقا هو تخلي الإنسان عما يؤمن به، تخليه عن نفسه". هكذا يوضح الرفيق "بشير"، اسمه الحركي في حزب الشعب الاشتراكي، الذي أسسه مع عددٍ من رفاقه في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

لم يُقدّم الهلالي يومًا على التضحية بما يؤمن به، رغم الهزات والتحولات العنيفة التي شهدها، طالما عبر في لقاءات رفاقية عن حزنه مما خلفه انهيار الاتحاد السوفيتي من آثار على الحركة الشيوعية واليسار في مصر والعالم. وطالما حاول مع الرفاق من مختلف فصائل اليسار بذل الجهد لتجاوز تلك الأزمة.

النداء الأخير

ربما كان آخر ما أقدم عليه الهلالي في ربيع 2006 هو نداء "فلنبنِ معًا اتحاد كل قوى اليسار". كانت تلك رسالته الأخيرة التي وضع فيها رؤيته وطموحه لما يجب القيام به. في هذا النداء الأخير ضرب الهلالي موعدين، الأول هو انعقاد هيئة تحضيرية ممن يُلبّون هذا النداء ويوقعون عليه في يونيو/حزيران "القادم"، وعقد المؤتمر العام الأول لليسار في سبتمبر/أيلول من العام نفسه. 

كانت آخر محطات حياته أسبق على آخر محطات نضاله. فحتى اللحظة الأخيرة كان لديه ما يقوم به، رغم ما ألمَّ به بعد وفاة شريكته فاطمة زكي في مارس/آذار 2004 قبل عامين فقط من وفاته. ظلّ يرى أن هناك دائمًا ما يمكن القيام به حتى في أحلك الظروف.

84 عامًا عاشها الهلالي، بينما سيرته ستبقى لأبعد كثيرًا. يمكن الحديث مطولًا عن تضحياته وتفانيه وإخلاصه وتواضعه، ذلك التواضع الذي كان يصدم شابًا عشرينيًا يطلب منه الهلالي مناداته بـ"الرفيق أحمد" وفقط، فبين الرفاق لا مكان لألقاب أخرى.

ولكن بعد عشرين عامًا من وفاته، وبعد كل ما جرى في النهر من مياه منذ ذلك الحين يمكن الجزم اليوم أن الهلالي عاش سعيدًا ورحل سعيدًا، لأنه كان قادرًا على الاختيار والتمسك باختياراته لعشرات السنين، هذا ما اختار أن يقوله قبل وفاته بعامين في تأبين زوجته "القديم يذهب والجديد يهل ويقبل، وتتتابع الأجيال جيلًا بعد جيل، ولا تسقط أبدًا راية الكفاح، وما يخفف من وطأة الأمل الذي يمزق قلبي أنني على ثقة أنك عشتِ معنا سعيدة ورحلتِ عنا سعيدة".