تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
تولي خليل الحية رئاسة المكتب السياسيي في واحدة من أكثر اللحظات ضغطًا على حركة حماس منذ تأسيسها.

البندقية تنتخب.. لماذا اختارت حماس الحيّة دون مشعل؟

منشور الخميس 23 تموز/يوليو 2026

أنهت حركة حماس أطول فترة فراغ رئاسي في تاريخها، وأعلنت يوم الاثنين الماضي، 20 يوليو/تموز، خليل الحية رئيسًا منتخبًا لمكتبها السياسي، خلفًا ليحيى السنوار الذي اغتاله جيش الاحتلال الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2024. ومنذ اغتيال السنوار أُسندت شؤون الحركة للجنة قيادية مؤقتة عُرفت باللجنة الخماسية ضمت كبار قادة الأقاليم، في ترتيب استثنائي استمر نحو عامين.

تنافس خليل الحية وخالد مشعل على رئاسة حركة حماس

يتولى الحية رئاسة المكتب السياسي في واحدة من أكثر اللحظات ضغطًا على حركة حماس منذ تأسيسها؛ غزة مدمرة تنتظر إعادة الإعمار  والمرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب متعثرة، بينما تتصاعد المطالب الدولية بنزع سلاح المقاومة، وتزداد الضغوط لإبعاد حماس عن إدارة القطاع. وفي الضفة الغربية، تتواصل الاجتياحات والتوسع الاستيطاني من دون أن ينجح الفلسطينيون في ترميم انقسامهم الداخلي.

أما عربيًا، فلم تعد حماس تملك الظهير السياسي الذي يسندها في التفاوض أو يخفف الضغوط عنها، إذ تتعامل معها غالبية العواصم العربية المنخرطة في الملف بوصفها مشكلة ينبغي إدارتها لا حليفًا سياسيًا.

وسط هذه الظروف، اختار مجلس شورى حماس خليل الحية؛ المولود في غزة عام 1960، وأحد أبرز قادة الحركة المنحدرين من القطاع، وأكثرهم نفوذًا داخل قيادتها الخارجية خلال السنوات الأخيرة.

حياة الحية

شغل الحية عضوية المجلس التشريعي ورئاسة كتلة حماس البرلمانية، ثم تولى منصب نائب رئيس الحركة في غزة إلى جانب يحيى السنوار، قبل أن يدير ملف العلاقات العربية والإسلامية من مقر إقامته في قطر. 

بعد اغتيال عدد من قادة الصف الأول، خصوصًا إسماعيل هنية  ثم السنوار، تعزز حضوره بوصفه الوجه الأبرز لوفد الحركة في مفاوضات وقف حرب الإبادة الجماعية على غزة، جامعًا بين قربه من قيادة القطاع وخبرته في إدارة التفاوض من الخارج، بالإضافة لكونه عضوًا في اللجنة الخماسية التي أدارت شؤون الحركة منذ أكتوبر 2024.

لم يترك الحية قراءة أولوياته للمحللين ورسمها بنفسه في كلمته الاولة

لكن الطريق المتعثرة التي أوصلت الحية إلى المنصب تكشف هشاشة الوضع الذي تعيشه الحركة بقدر ما تكشف رسائل اختياره ما بين طعون في انتخابات غزة، وجولتين من التصويت، وانقسام حاد بين تيارين حول مستقبل السلاح والحكم والعلاقة مع إيران والعواصم العربية.

نصيب المنبر ونصيب الطاولة

لم يترك الحية قراءة أولوياته للمحللين إنما رسمها بنفسه في أول كلمة ألقاها أمس الأربعاء 22 يوليو، مرتِّبًا ما سماه "جملة من الأولويات" في ستّ نقاط متتابعة. تصدّرها الوقف الشامل للعدوان وتحقيق الانسحاب الكامل من قطاع غزة، ثم استعادة الحياة الإنسانية الكريمة وتسريع الإعمار الذي شدّد على أنه حق أصيل لشعبنا وليس هبة ولا منة من أحد ولا يمكن أن يرتبط بأي مقايضات أو تنازلات أو مواقف سياسية.

جاءت الوحدة الوطنية ثالثة بين أولويات الحية بدعوةٍ إلى الشروع الفوري بحوار وطني وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية والشراكة السياسية الكاملة، مؤكدًا أن هذه المرحلة لا تحتمل التفرد ولا الإقصاء، ثم تعزيز العلاقات مع المحيط العربي والإسلامي رابعًا، فمخاطبة الأمة بـ"حكوماتها ومؤسساتها وشعوبها" خامسًا، ومطالبة المجتمع الدولي بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين سادسًا.

اللافت في برنامج الحية ما غاب عنه لا ما حضر

في هذا الترتيب لا شك رسالة. فخطاب الحية الذي حرص على شكر الإخوة في اليمن ولبنان والعراق وإيران "الذين شاركونا وساندونا بدمهم وسلاحهم" في جملة، و"الوسطاء في مصر وقطر وتركيا"، في أخرى، هو خطاب من يمسك طرفي المحور والوساطة معًا كما فعل في كل مسيرته.

اللافت في "هذا البرنامج" ما غاب عنه لا ما حضر؛ فالرجل الذي انتُخب على شعار "السلاح حق مشروع" لم يذكر السلاح مرة واحدة في أول خطاب له قائدًا. هذا صمتٌ يحتمل قراءتين: إما أنه لا يريد إشعال أخطر ملفاته من منبر التنصيب، وإما أنه يحفظه لطاولة التفاوض حيث يُقايَض، لا للمنبر حيث يُشهَر. وفي الحالتين، تبدأ ولايته بالوعود المعلنة، وتُختبر بالملف الذي لم ينطق به.

حراك تحت النار

يحيى السنوار برفقة إسماعيل هنية، 6 أغسطس 2024

عودةً إلى الخلف، لم يتأخر استحقاق انتخاب رئيس لحماس، حسب عضو في المكتب السياسي للحركة تحدث لـ المنصة، فقط بسبب الظروف الأمنية واغتيال القيادات، بل بسبب ترتيب الحركة من الداخل. فعقب وقف الحرب، وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أجرت حماس انتخابات داخلية في القطاع صعّدت قيادات جديدة إلى هيئاتها التنظيمية "وفق المستطاع أمنيًّا"، قبل أن تتقدم كوادر داخلية بطعون على النتائج، ما دفع الحركة إلى إعادة الانتخابات.

وقالت مصادر من داخل الحركة لـ المنصة إن إعادة الانتخابات غيّرت تركيبة ممثلي القطاع في مجلس الشورى العام، الهيئة المخوّلة وحدها اختيار رئيس المكتب السياسي، من دون أن تكشف حجم هذا التغيير أو طبيعته، في ظل السرية التي تحيط بانتخابات الحركة الداخلية لاعتبارات أمنية.

التفويض المؤقت الذي حصل عليه الحية سيظل في موضع الاختبار

وقدّر أحد المصادر أن الإعادة أخرجت أسماء أقرب إلى تيار خالد مشعل، إلى جانب أسماء مقربة من القائد العسكري الراحل عز الدين الحداد، وصعّدت كتلة أكثر ميلًا إلى خليل الحية، معتبرًا أن ذلك يفسر حصول الحية لاحقًا على أغلبية أصوات ممثلي غزة.

لكن أصوات غزة وحدها لم تكن كافية لحسم السباق داخل مجلس الشورى العام. فقد أعلنت الحركة منتصف مايو/أيار الماضي إجراء جولة انتخابية لاختيار رئيس جديد، تقدّم فيها خليل الحية، قبل أن تُصدر الحركة بيانًا يؤكد عدم حسم التصويت من الجولة الأولى، وأن جولة ثانية ستُجرى وفق لوائحها وأنظمتها. وهي الجولة التي انتهت الاثنين 20 يوليو الجاري بانتخابه.

وبينما لم تعلن حماس رسميًا توزيع الأصوات، ذكرت تقارير صحفية نقلًا عن مصادر داخل الحركة أن الحسم جاء بفارق صوت واحد، بواقع 35 صوتًا للحية مقابل 34 لمشعل. 

المئات يشيعون جثمان القائد العام لكتائب عز الدين القسام عز الدين الحداد، بعد اغتياله بيد جيش الاحتلال، 16 مايو 2026

تشير هذه التعثرات إلى أن الحية لم يصل إلى المنصب بتوافق واسع، إنما أتى من انقسام داخل مؤسسات الحركة بين توجهين تناولت المنصة صراعهما في تحليل نشرناه أواخر ديسمبر الماضي. أحد هذين التيارين هو تيار الخارج الذي يمثله مشعل، الذي يدفع برؤية براجماتية نحو إعادة التموضع نحو الفضاء العربي السني، وهدنة طويلة تقايض تجميد السلاح بالإعمار، وحكومة تكنوقراط تفصل الحكم عن الحركة، بينما يتمسك تيار الداخل الذي يمثله الحية بإرث يحيى السنوار، والعلاقة مع محور المقاومة، واعتبار السلاح حقًا مشروعًا لا ورقة تفاوض، وأن الشرعية تستمد من الميدان لا من المناورات السياسية.

على هذا، فإن التفويض "المؤقت" الذي حصل عليه الحية سيظل محل اختبار دائم، بحسب ما أوردته المنصة سابقًا نقلًا عن مصدر مقرب من أحد أعضاء المكتب السياسي، جاء الانتخاب ضمن "انتخابات تكميلية" لعام واحد، يستكمل الحية خلالها الدورة الحالية، على أن تعقبها انتخابات عامة لمجالس شورى القطاعات الرئيسية في غزة والضفة والخارج والسجون، ثم لمجلس شورى الحركة والمكتب السياسي كاملًا.

غير أن موعد هذا الاستحقاق الشامل غير محسوم، إذ ستحدده الظروف الأمنية إلى حد بعيد. فالانتخابات القاعدية تتطلب مشاركة آلاف الكوادر في غزة والضفة والسجون، لذا يقدّر المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه أن تنظيمها قد يستغرق أشهرًا وربما أكثر، مرجحًا أن أوضاع غزة والضفة تجعل عقدها قريبًا أمرًا بالغ الصعوبة، بينما تبقى الهيئات الشورية والتنفيذية الحالية قائمة إلى حين إجرائها.

رسائل الداخل والخارج

يبعث انتخاب خليل الحية رئيسًا ثلاثة رسائل: واحدة إلى قاعدة حماس التنظيمية، وثانية إلى إيران وحلفائها، وثالثة إلى الوسطاء وواشنطن.

أولًا، تقول الحركة إن مركز ثقلها يبقى في غزة، حتى لو أدارها قادة من الدوحة، فانتخاب نائب يحيى السنوار ووريثه يكرّس لمبدأ "السنوارية" بوصفه الخط الناظم للحركة، وأن الشرعية تُستمد ممن يتحمل تكلفة الحرب، والقيادة استحقاق لمن يدفع الثمن، لا لمن يكتفى بإدارة العلاقات من الخارج. إنها رسالة موجهة إلى القاعدة التنظيمية وعائلات الشهداء قبل أي طرف خارجي؛ وبذلك تعلن الحركة أنها لم تعاقب خط المقاومة على مآلات الحرب، بل جددت له البيعة من تحت الأنقاض.

الحية ليس "صقرًا" إنه رئيس وفد حماس للتفاوض مع إسرائيل

ثانيًا، تبعث حماس رسالة طمأنة مدروسة إلى إيران وحلفائها. فالحية من أبرز وجوه خطاب "وحدة الساحات" وامتزاج الدماء مع حلفاء المحور، واختياره، في لحظة إقليمية يتعرض فيها هذا المحور لضغط غير مسبوق، يعني أن حماس لم تتبنَّ مسار إعادة التموضع نحو الفضاء العربي السني الذي يمثّله تيار خالد مشعل، أو أنها على الأقل أجّلته.

أما الرسالة الثالثة، والتي لا ينتبه لها البعض، فهي أن الحركة لا تغلق باب التفاوض بل ترفع سقفه. فالحية ليس صقرًا خالصًا؛ إنه رئيس وفد حماس المفاوض، والرجل الذي أعلن بنفسه، في أكتوبر التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب وبدء وقف دائم لإطلاق النار، مؤكدًا تلقي ضمانات من الوسطاء والإدارة الأمريكية بانتهائها. 

بهذا المعنى، يجمع الحية بين إرث السنوار و"شرعية التوقيع". ويقول اختياره للوسطاء وواشنطن إن القناة التفاوضية ستستمر بالوجوه نفسها، لكن بعقيدة تختلف عن عقيدة مشعل؛ فالسلاح، في قاموس الرئيس الجديد، "حق مشروع" مرتبط بقيام الدولة، لا ورقة تُسلَّم مقابل الإعمار. 

ملفات ساخنة

في خطابه، تحدث الحية عن ملفات لا تحتمل التأجيل ولا يمكن فصل أحدها عن الآخر. فالتعثر في ملف السلاح سينعكس على الإعمار، وفشل ترتيب إدارة غزة سيضغط على التفاوض، وأي انقسام تنظيمي سيضعف موقعه في الساحة الفلسطينية الأوسع.

أولًا: السلاح وما بقي من التفاوض 

هذا هو الملف الأخطر، لأن الحية سيتعامل معه بصفتيه معًا: رئيسًا للحركة وكبيرًا لمفاوضيها. موقفه المعلن واضح منذ كلمة ذكرى الانطلاقة؛ إذ أكد أن "المقاومة الفلسطينية وسلاحها حق مشروع كفلته القوانين الدولية"، مع انفتاح على "دراسة أية مقترحات تحافظ على هذا الحق".

لكن الحركة لا تتحدث بصوت واحد في هذا الملف. فقد أعلن موسى أبو مرزوق الاستعداد لتسليم سلاح غزة "للسلطة الفلسطينية فقط"، فيما قال مسؤول كبير في حماس لشبكة "سي إن إن" إن الحركة مستعدة لمناقشة "تجميد أو تخزين" أسلحتها، وهي الصيغة التي تحولت لاحقًا إلى مقترح رسمي قدمته في مفاوضات القاهرة وينتظر الرد الإسرائيلي. وفي المقابل، وضع أسامة حمدان حدًا تفاوضيًا واضحًا بقوله إن "حصر ملف المفاوضات في مسألة نزع سلاح المقاومة مرفوض".

القيادي الحمساوي موسى أبو مرزوق أثناء مشاركته في مؤتمر القاهرة الخامس لمناهضة الحرب ودعم المقاومة، نقابة الصحفيين، 29 مارس 2007، القاهرة، مصر

وتزداد مهمة الحية صعوبة لأن رصيد الوعود السابقة بات مكشوفًا. فعندما أعلن الاتفاق في أكتوبر الماضي، قال إن الحركة "تسلمت ضمانات من الوسطاء والإدارة الأمريكية أن الحرب انتهت بشكل تام". ولكن وبعد تسعة أشهر، ما تزال المرحلة الثانية متعثرة، ولا يوجد جدول ملزم لانسحاب جيش الاحتلال، فيما تتهم الحركة الوسيط الدولي بأنه "يعبّر عن الموقف الإسرائيلي وليس عن موقف الوساطة".

هكذا يجد الحية نفسه مطالبًا بتحصيل ضمانات أعلنها بنفسه، والدفاع عن مقترح تخزين مطروح باسم حركته، بينما ستُقاس أي صيغة يقبلها على مسطرة "الحق المشروع" التي صعد بها إلى رئاسة المكتب السياسي. فإذا تأخر التنفيذ أو انخفض السقف، ستصبح كلمته هو، لا وعود الوسطاء وحدها، موضع الاختبار.

ثانيًا: إدارة غزة والإعمار 

إدارة غزة والإعمار وجهان لملف واحد. ففي شق الحكم، يملك الحية مساحة للمبادرة؛ إذ سبق أن دعا إلى "تشكيل لجنة تكنوقراط بشكل فوري لإدارة قطاع غزة من مستقلين فلسطينيين"، رافضًا "كل مظاهر الوصاية". وترجمت الحركة هذا التوجه بحل لجنة متابعة العمل الحكومي، وهي اللجنة الإدارية التي شكّلتها حماس لتسيير شؤون القطاع، مطلع يوليو الجاري، تمهيدًا لنقل المهام إلى اللجنة الوطنية المستقلة. أي أن الحركة أخلت المقعد فعليًا وباتت تتهم الاحتلال والمبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف بعرقلة دخول اللجنة البديلة وتسلمها الصلاحيات.

غياب الحداد يريح الحية من ندٍ ميداني كان يفرض إيقاعه على القرار السياسي

ويضع الحية كذلك سقفًا محدودًا لأي وجود دولي، بحيث "تقتصر" مهمته على حفظ وقف إطلاق النار والفصل بين الجانبين على حدود القطاع. وبحسب حمدان، أبلغت الحركة إندونيسيا رفض أي دور لقواتها داخل غزة.

أما الإعمار، فيحوّل الخلاف السياسي إلى حساب يومي يدفع ثمنه سكان القطاع. فالمانحون يربطون التمويل بالتقدم في ملفي الحكم والسلاح، واستمرار الفراغ الإداري يؤجل إعادة البناء، بينما يُحمَّل الرئيس الجديد مسؤولية التعثر أمام مليوني فلسطيني يعيشون فوق الركام. وكل شهر تأخير يستهلك من رصيد الشرعية التي جاء بها.

ثالثًا: إعادة بناء القيادة العسكرية

وهو واحد من أبرز التحديات التي تنتظر الحية، إذ يتولى الرئاسة وجناح حركته العسكري بلا رأس. ففي منتصف مايو/أيار الماضي، اغتال جيش الاحتلال قائد أركان القسام عز الدين الحداد، أحد آخر مهندسي هجوم 7 أكتوبر، ثم أعلن بعد 11 يومًا اغتيال خليفته محمد عودة، الملقب بـ"رجل الظل". حتى أصبح منصب القيادة العسكرية الأقصر عمرًا في غزة، وباتت هويته سرًا عسكريًا شديد الحساسية.

صحيح أن غياب الحداد، الذي سبق أن راسل قيادات الدوحة مستعجلًا اختيار رئيس جديد، يريح الحية من ندٍ ميداني كان يفرض إيقاعه على القرار السياسي، لكنه يتركه وحيدًا في ضبط العلاقة بين الجناحين السياسي والعسكري، في مواجهة خصم أثبت قدرته على استهداف كل اسم يتقدم الصف.

رابعًا: تنظيم البيت 

لم تنتهِ الطعون التي رافقت صعود الحية بمجرد إعلان فوزه، كما لا يمثل انتخابه هزيمة نهائية لتيار خالد مشعل؛ إذ تكشف الحاجة إلى جولتين لحسم السباق أن كتلة مشعل لا تزال حاضرة داخل مؤسسات الحركة، بما تمتلكه من خبرة دبلوماسية وشبكة علاقات إقليمية لا يستطيع الرئيس الجديد الاستغناء عنها، حتى وهو يقود خطًا سياسيًا مختلفًا.

سيبدأ الحية ولايته في ظل مجلس شورى منقسم، لا بتفويض تنظيمي كاسح، فيما تنتظره ملفات الإعمار وإدارة غزة ومستقبل السلاح، وهي ملفات لا يمكن التعامل معها بمنطق الميدان وحده. كما أن الحية نفسه يقيم خارج القطاع منذ ما قبل هجوم 7 أكتوبر، ما يعني أن قيادة تيار الداخل باتت تُمارس بدورها من الخارج.

خالد مشعل رئيس مكتب حماس في الخارج، 29 أغسطس 2024

وتظل الحملات المتبادلة على منصات التواصل الاجتماعي، التي اضطرت القيادة سابقًا إلى كبحها ببيان رسمي نادر، دليلًا على أن الخلاف لم يعد محصورًا داخل الغرف التنظيمية، بل بات قابلًا للظهور إلى العلن مع أول تعثر.

فوق ذلك، تبقى الانتخابات العامة المقبلة قادرة على إعادة فتح الصراع كله. فمشاركة آلاف الكوادر في غزة والضفة والسجون، متى سمحت الظروف الأمنية، ستعيد تشكيل مجالس الشورى والقيادة التنفيذية. وهو ما يجعل ولاية الحية أقرب إلى حملة انتخابية ممتدة داخل التنظيم منها إلى تفويض مستقر؛ إذ سيُحسب عليه كل نجاح أو إخفاق بوصفه صوتًا محتملًا يُضاف إلى رصيده أو يُخصم منه عند فتح الصناديق الأشمل.

خامسًا: الموقع الوطني الفلسطيني

هذا هو ملف العقد؛ موقع حماس داخل النظام السياسي الفلسطيني، وعلاقتها بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، في لحظة يتجدد فيها الجدل بشأن إعادة تشكيل المجلس الوطني وآليات الانتخابات، وتطالب فصائل بحوار وطني شامل.

وبينما يمنح طرح أبو مرزوق تسليم السلاح "للسلطة الفلسطينية فقط" الحية مدخلًا مزدوجًا؛ إذ يحول أثقل ملف يواجهه إلى ورقة اندماج وطني، إلا أنه يفترض وجود شريك في رام الله مستعد لقبول حماس داخل النظام السياسي، وهو ما لم يتوفر فعليًا لأي من أسلافه. ويبقى السؤال مفتوحًا إلى أن تتضح ملامح المرحلة المقبلة: هل يدخل الحية المجلس الوطني الجديد شريكًا في النظام السياسي الفلسطيني، أم يبقى خارجه خصمًا مؤجلًا؟

سؤال وأربع إجابات 

تُدار رئاسة الحية من مكتب سبق وأطلق عليه النار. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، استهدف جيش الاحتلال بضربة جوية في قلب الدوحة مكتب الحية نفسه، بينما كان يرأس لجنة التفاوض ومنخرطًا في مسار الوساطة. نجا الحية من الضربة، لكنه فقد نجله همام وعددًا من مرافقيه.

لم تكن الضربة رسالة إلى حماس وحدها، بل كشفت أيضًا أن قطر، الوسيط والمضيف، لا تملك حصانة مطلقة لضيوفها، وأن المظلة التي يُفترض أنها تحمي طاولة التفاوض قابلة للاختراق متى قررت تل أبيب ذلك.

اليوم يعود السؤال بصورة أثقل: إذا استُهدف الحية وهو كبير المفاوضين، فهل يصبح أكثر عرضة للاغتيال بعدما تولى رئاسة المكتب السياسي للحركة؟

الإجابات الإسرائيلية نفسها متضاربة. ذهبت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن انخراط الحية المباشر في مفاوضات وقف الحرب وظهوره العلني في مسار الوساطة أخرجاه عمليًا من قائمة الاغتيالات، بينما رأى المحلل العسكري في موقع والا، عمير بوخبوط، أن الرجل يستفيد من حصانة هشة فرضها اعتذار إسرائيل لقطر بعد الضربة. وفي المقابل، لم تتردد وسائل إعلام عبرية أخرى في طرح السؤال بفجاجة "متى يُصفّى؟".

ويزيد الموقف غموضًا أن قطر لم تعلن التزامًا صريحًا باستمرار مكتب حماس في الدوحة. فالدولة التي دفعت ثمن الاستضافة اختراقًا لسيادتها حرصت على تذكير الجميع بأن وجود الحركة على أراضيها لم يكن قرارًا منفردًا؛ إذ قال رئيس الوزراء القطري إن "حماس موجودة هنا بطلب من الولايات المتحدة".

يرث الحية منصبًا الاقتراب منه اقتراب من الموت، بعد اغتيال هنية في قلب طهران ثم اغتيال السنوار قبل أن يكمل شهره الثالث

ولا تملك الحركة بديلًا مريحًا إذا ضاقت بها الدوحة. فتركيا تمنحها مساحة حركة، لكن بشروطها وحساباتها داخل حلف الناتو وعلاقاتها مع واشنطن، وكونها شريكًا تجاريًّا لإسرائيل. وسبق أن ضبطت أنقرة حضور قيادات الحركة على أراضيها بسقف صارم، فسمحت بالإقامة ولكن دون نشاط عسكري أو إعلامي مزعج، كلما اقتضت حساباتها تهدئة العلاقة مع تل أبيب. ما يعني مكتبًا مضبوطًا بسقف المضيف لا بأجندة الحركة. 

أما بيروت، فتعني إقامة في عاصمة منهكة ومكشوفة أمنيًا، سبق لجيش الاحتلال أن اغتال فيها صالح العاروري في قلب الضاحية مطلع 2024، فضلًا عن أن تمركز القيادة هناك سيضعها عمليًا في كنف حزب الله ويبعدها عن قنوات الوساطة المصرية والقطرية.

صالح العاروري نائب رئيس حركة حماس

وبينما توفر الجزائر تعاطفًا سياسيًّا فإنها بعيدة عن مسرح التفاوض: لا حدود مع فلسطين، ولا قناة مؤثرة مع واشنطن أو تل أبيب، ولا دور مباشر في ملفات المعابر والإعمار، ما قد يحول المكتب فيها إلى منفى مريح محدود الفاعلية. 

أما طهران، فستكون الخيار الأكثر تكلفة سياسيًّا؛ إذ يمنح انتقال القيادة إليها خصوم حماس حجة إضافية لتقديمها بوصفها ذراعًا إيرانية لا حركة تحرر وطني مستقلة القرار، ويهدد ما تبقى من جسورها مع عواصم عربية، فضلًا عن ربط أمن قيادتها مباشرة بمسار المواجهة الإيرانية الإسرائيلية المفتوحة.

هكذا يبدأ خليل الحية ولايته: رئيسًا بفارق صوت واحد، لعام واحد، من مكتب سبق أن استُهدف، وعلى رأس حركة تفاوض من أجل بقائها وتعيد بناء نفسها في الوقت نفسه.

وهو يرث منصبًا صار الاقتراب منه اقترابًا من الموت. فقد اغتيل سلفه إسماعيل هنية في قلب طهران، وهو في ضيافة الدولة التي تحمي المحور، ثم قُتل يحيى السنوار في رفح قبل أن يكمل شهره الثالث في المنصب. والحية يدرك أن اسمه أضيف إلى القائمة نفسها حتى إشعار آخر.

مع ذلك، يدخل المنصب بورقة قوة لم تتوفر لغيره: الجمع بين إرث المقاومة وصفة المفاوض. وسيكون اختباره الأبرز هو قدرته على الإمساك بالبندقية والطاولة معًا؛ فإن نجح، عبرت حماس أخطر منعطفاتها بقيادة واحدة، وإن أخفق، انكشف التناقض بين منطق الميدان ومتطلبات التفاوض.