"الكلام على إيه".. بجد فعلًا على إيه؟
لأننا "عايزين نضحك"، قررتُ أنا ووالدتي وصديقة من غزة مشاهدة فيلم الكلام على إيه كفيلم خفيف وكوميدي يجمع باقة من نجوم الكوميديا البارزين. دخلت قاعة العرض متوقعةً ساعتين من الترفيه الخفيف، لكنني خرجت محملةً بالأسئلة والأفكار.
تعدُّ ليلة الدُخلة مصدرًا للهلع في الثقافة الشعبية المصرية، وهي تيمة رئيسية في الفيلم عبر القصص والحوارات و"الإفيهات" التي تعكس جزءًا من ثقافة المجتمع ونظرته.
لا جنس للعجائز
في الاستراحة، خرجتُ لشراء الفشار، أخبرتني عاملة كبيرة السن بلطف بينما تساعدني في حمل الأغراض، أنها شاهدت الفيلم عِدة مرات بحكم كونها المسؤولة عن تشغيل آلة العرض. وقالت أنه أعجبها باستثناء مشاهد "الراجل والست الكُبار"، وحين سألتها عن السبب أجابت "معجبنيش، دي قلة أدب".
أثار تعبير "قلة أدب" دهشتي، فما أثار حفيظتها في فيلم يدور في أربع غرف نوم لأربع فئات اجتماعية وثقافية مختلفة، يعرض تصورات كل غرفة/طبقة عن الزواج والجنس، هو مَن يمارس هذا الفعل وليس الفعل ذاته، مدفوعةً بتصور نمطي حول أن الكِبار كِبار، بالتالي يجب أن يتخلوا عن رغباتهم الجنسية لمن هم أكثر شبابًا.
يُمنح الرجل شيكًا على بياض لامتلاك المعرفة الجنسية ويُفرض على المرأة قالب نمطي قوامه "الجهل والبراءة المصطنعة"
تجاوز الفيلم الطرح التقليدي لزواج كبار السن بغرض الونس والخدمة، لصالح إظهار الجنس كسبب للزواج، بل ومحل طلب ورغبة من أُلفت/انتصار، وهو ما يعارض التُصور السائد بأن المرأة يجب أن تكون متلقيةً ومستجيبةً لا فاعلة فيما يتعلق بالجنس. شكل ذلك صدمة للعاملة.
الجنس طاعةً للأزواج
في الغرفة الثانية التي تمثل الطبقة الوسطى، يجتمع عاطف/حاتم صلاح بهدير/جيهان الشماشرجي. يظهر ما يحاول الفيلم طرحه حتى وإن لم يُوفق. تزوج عاطف من هدير "جواز صالونات"، ولم تتسنَ لهما فرصة التعرف على بعضهما، لنجدهما بمجرد دخولهما المنزل، يشاهد كل منهما منفردًا، مقطعًا مصورًا لهبة قطب عن نصائح لـ"ليلة الدخلة" وكيفية كسر حاجز التوتر.
يتبع الزوجان النصائح، وعندما تبدأ هدير في سرد ما تريد من زوجها فعله هذه الليلة، تتجهم ملامحه، وتظن هي أنه توهم أن لها تجارب سابقة فتُقسم له أنها سمعت ذلك في مقطع فيديو تعليمي ليس إلا.
بغض النظر عن المشهد، فإنه يطرح العديد من الأسئلة حول الثقافة الجنسية في المجتمع الذي يسلب المرأة حقها ويتعامل معها بوصفها خادمة جنسية للشريك، دورها منحه المتعة دون طلبها. يظهر ذلك في دراسة بعنوان "كسر التابوه: محددات المعرفة والمواقف الجنسية لدى النساء المصريات"، فبينما صرحت 71.9% من العينة بأنهن لا يشعرن بالخجل من مصطلح الثقافة الجنسية كـ"مفهوم علمي"، فإن الواقع الاجتماعي يفرض نفسه؛ حيث اعترفت نسبة 62.5% منهن بعدم ارتياحهن لمناقشة هذه الأمور مع أفراد العائلة.
واتفقت المشاركات في الدراسة على أن المجتمع يمنح الرجل شيكًا على بياض لامتلاك المعرفة الجنسية والتعبير عن رغباته، بل ويرى في ذلك علامة على "الفحولة" و"الرجولة". في المقابل، يُفرض على المرأة قالب نمطي قوامه "الجهل والبراءة المصطنعة".
الأكثر دهشة ما تكشفه دراسة أخرى بعنوان "هل هناك اختلاف في الجنسانية الأنثوية بين المناطق الحضرية والريفية: تجربة مصرية"، إذ يظهر أن النساء في الريف مبادراتٌ بطلب العلاقة الجنسية أكثر من نساء الحضر، وهو ما يُخالف التصور السائد.
ولكن إذا عُرِف السبب بطُل العجب؛ أرجع الباحثون هذا السلوك العام إلى رغبة الزوجة الريفية في تلبية الاحتياجات الجنسية لزوجها، في محاولة منها للحفاظ على استقرار العلاقة الزوجية، ومنع الزوج من التفكير في الارتباط بامرأة أخرى.
يحدد نظام اجتماعي كامل من يحق له أن يعرف ومن يحق له أن يطلب ومن يحق له أن يُظهر رغباته دون أن يُدان
يرتبط هذا أيضًا ببعد اقتصادي واجتماعي مهم؛ حيث إن قطاعًا واسعًا من النساء في المجتمع لا يعملن خارج المنزل، ويعتمدن ماديًا على أزواجهن، مما يجعل من الزواج أمان معيشي، ويجعل الاستجابة للجنس واجب لإرضاء الزوج.
بعيدًا عن نقص المعلومات وغياب التثقيف الجنسي، هناك نظام اجتماعي كامل يحدد من يحق له أن يعرف، ومن يحق له أن يطلب، ومن يحق له أن يُظهر رغباته دون أن يُدان. المجتمع لا يمنع الجنس، بل ينظم الحديث عنه، يسمح بالنكات والإيحاءات الجنسية ويضيق ذرعًا بالنقاش المباشر حول الرغبة والاحتياج ومكمن الخلل. يُفسر كل هذا الهجوم الشرس الذي تعرض له فيلم "السلم والثعبان" حين ناقش موضوعًا يتعلق بالجنس في نطاق خارج عن المألوف.
الدُخلة بقت بلدي
في غرفة ثالثة، تقطع رضا/دنيا سامي الأجواءَ الاحتفاليةَ التي يعيشها زوجها عبده/مصطفى غريب أثناء غنائه في زفافهما، بجملة "الدخلة بقت بلدي". يتوتر الزوجان اللذان وجدا نفسيهما مجبرين على إرضاء والد العروسة الذي استفزه أخيه حين لمزه بأن ابنته قد لا تكون عذراء، ليقرر أن الدُخلة البلدي ستثبت شرفه أمام الجميع.
يدخل الزوجان غرفتهما ومعهما أم عبده وعدد من النساء ليشاهدن وينتظرن "المنديل".
في هذه اللحظة، تفقد الغرفة وظيفتها باعتبارها مساحة للخصوصية ومكانًا لممارسة فعل حميمي يتطلب أعلى درجات الأمان، وتتحول إلى امتداد للمجال العام. يتحول دخول الأهل والجيران والمعارف إلى الغرفة إلى رمزية أوسع، يشاركون من خلالها في تحول العلاقة الحميمية إلى إجراء اجتماعي مطلوب منه إنتاج دليل مادي على الشرف والعفة والرجولة.
يغضب عبده ويأخذ رضا ليقفا في الحمام ويبحثان عن مخرج لأزمتهما إذ إنهما مارسا الجنس معًا بعد كتب الكتاب. هما الآن زوجان بالفعل، والعلاقة بينهما قائمة ومشروعة من الناحيتين الدينية والقانونية، مع ذلك يجدان نفسيهما في مأزق لأن القضية لم تعد تتعلق بما حدث بينهما، إنما بما يجب أن يقتنع الآخرون بأنه حدث أو لم يحدث.
من هذه المنطلقات، تختبر ليلة الدخلة العلاقة بين الزوجين والمجتمع، فالعريس غير مُطالَب فقط بأن يكون زوجًا، لكن أن يثبت رجولته أمام الجماعة، والعروس ليس مطلوبًا منها فقط أن تكون زوجة، لكن أن تثبت عفتها أمام الجماعة. من ثم، فإن الفشل الحقيقي ليس فشل العلاقة، إنما فشل اجتياز الامتحان الاجتماعي الذي ينتظر الجميع نتيجته صباح اليوم التالي.
هذا ما يجعل عنوان "الكلام على إيه؟" مثيرًا للاهتمام، فالسؤال لا يتعلق بالفيلم بقدر ما يتعلق بالمجتمع: ما الذي نتحدث عنه حين نتحدث عن الزواج؟ ما الذي نعجز عن الحديث عنه؟ لماذا تتحول "أول ليلة" تحديدًا إلى مساحة يخترقها المجتمع ويحملها بهذا القدر من القلق والرهبة والفضول؟
تبدو الغرف الأربع في الفيلم خرائط اجتماعية وثقافية تحمل كل منها تصورًا مختلفًا عن الزواج والجنس والرجولة والأنوثة، وكل مُشاهد يدخل الفيلم من غرفته الخاصة أيضًا.

