الصِيَاعة اللغوية.. كيف تخدعنا الإعلانات؟
لا تفارق الإعلانات يومياتنا؛ تحجب السماء في الشوارع، تُفسد متعة متابعة التلفاز، تُكدر صفو المشاهدة على منصة يوتيوب. ورغم ظن الغالبية العظمى أنهم محصنون ضد تأثيرها، فالواقع يثبت العكس تمامًا عند أول تجربة حقيقية تضع المستهلك بمواجهة "التلاعب اللفظي" البارع.
تبدأ القصة عندما يقع المستهلك في فخ رسالة براقة، مثل إعلان البنك التجاري الدولي CIB الذي يروّج لسهولة فتح حساب "أونلاين" عبر تطبيقه الإلكتروني لتوفير الوقت والجهد. الرسالة واضحة ومغرية، وهو ما يدفع العميل لتنفيذ الخطوات عبر التطبيق حتى يخطره النظام بأنه بات يمتلك حسابًا بالفعل.
لكن الصدمة تأتي عند البحث عن تفاصيل الحساب؛ كارت السحب الآلي، والرقم السري، وباقي البيانات. عند التواصل مع خدمة العملاء، يفاجأ العميل بالرد التقليدي: "يجب الحضور إلى فرع البنك لاستكمال الإجراءات".
هنا تسأل نفسك: ما فائدة الخدمة المُعلن عنها إذًا؟ أين الوقت والجهد اللذان توفرا؟ تبرير موظفي البنك يلخص الأزمة؛ يوضحون أن التطبيق يختصر "بعض الخطوات" فقط، أما الإجراءات القانونية كالتوقيع فلا بد فيها من الحضور، بذريعة أن الإعلان لم يقل "إنهاء الإجراءات كاملة من المنزل"، وإنما بشَّر بأن تكون العملية أسهل.
هذا الخداع اللغوي يمر على المستهلك مَر السحاب، خاصة حين يتضح لاحقًا أن الخدمة برمتها قاصرة -في الأساس- على من يمتلكون حسابًا فعليًا بالبنك ويريدون فتح حساب آخر.
كذب أم تضليل؟
في دراسة متخصصة حول الإعلان الكاذب والمضلل، يضع الباحث محمد عبد القدوس المصري حدًا فاصلًا بين نوعين من التلاعب الإعلاني؛ الأول هو الإعلان الكاذب، وهو ما لا تتطابق فيه الرسالة الإعلانية مع الواقع الحقيقي للمنتج أو الخدمة، ويتضمن عبارات غير صحيحة صراحةً حول الخصائص، بهدف خداع المستهلك مباشرة.
النوع الثاني هو الإعلان المُضلل، وهو خداع ذكي تمارسه الشركات؛ إذ يتضمن عبارات صحيحة ظاهريًّا لكنها تُعرض بصيغة توهم المستهلك بغير الحقيقة من خلال التلاعب اللفظي، ولا يشترط فيه وجود بيانات كاذبة بل يكفي أسلوب العرض الملتوي.
نجحت بعض الشركات منذ ثمانينيات القرن الماضي في إعادة تشكيل وعي قطاع عريض من الجماهير بتمرير معلومات طبية غير دقيقة
يدفعنا هذا إلى استنتاج قد يبدو غريبًا، فالشركات الكبرى لا تكذب، إنها تقول الصدق، لكنه صدق منقوص يُخفي تفاصيل دقيقة وراء كلمات إيحائية. تظهر هذه الاستراتيجية بوضوح في قطاع الصناعات الغذائية، إذ تمنح إعلانات منتجات السمن النباتي الشهيرة مثل كريستال، الهانم، وجنة المستهلك إحساسًا بأنه سيحصل على زبدة طبيعية بقوامها ومذاقها ورائحتها.
يكشف التدقيق في العبارة المكررة "بطعم وريحة الزبدة الصفرا"، مع التركيز البصري على اللون الأصفر، الخدعة. الإعلان لم يقل إن المنتج "زبدة"، لكنه "سمن نباتي" أضيفت إليه نكهات مُصنعة معمليًّا تشبه طعم الزبدة الطبيعية. الأمر نفسه ينطبق على عبارة "طعم الزبدة النيوزيلندي" المدونة على عبوات شركة جنة، التي تعني حرفيًا "طعمًا مُصنعًا معمليًّا يحاكي الزبدة النيوزيلندية الأصلية".
لا تتوقف الحيل التسويقية عند التلاعب بالكلمات فحسب، لكنها تشمل آليات "الوعود المطلقة" والتعميم غير القابل للقياس، يظهر ذلك في عروض من قبيل "خصم حتى 70%"، حيث تعني الصيغة المطاطية أن الخصم متغير وليس ثابتًا، أو إعلانات العقارات التي تطرح جملة "سعر المتر يبدأ من 11 ألف جنيه" أو "قسط شهري يبدأ من 10 آلاف جنيه" مقترنة بعبارة "أطول فترة سداد" دون تحديد زمني؛ حيث لا تتوفر هذه الأسعار المخفضة إلا في الأماكن الأقل تميزًا بالمشروع، فضلًا عن استخدام مصطلح "تحت الإنشاء" الذي قد يعني قانونًا وتنفيذيًا أن قطعة الأرض ما زالت عبارة عن رمال صحراوية لم تُضرب فيها فأس واحدة.
كما تتوج الشركات معركتها بإطلاق ادعاءات فضفاضة تفلت من مقاييس الإثبات العلمي؛ مثل شركة كوكي لمصنعات اللحوم حين تصف منتجاتها بأنها "أحلى بانيه وأطعم برجر" على الإطلاق، أو الحرب التسويقية المستعرة بين عملاقي الاتصالات كأن ترفع اتصالات شعار "أقوى شبكة" وحملة أقوى كارت في مصر، لترد فودافون بالرسالة ذاتها الشبكة رقم واحد في مصر.
هذه الصياغات تُسقط عمدًا معايير القياس (هل الأفضلية هنا لعدد المستخدمين، أم جودة التغطية، أم الأقدمية التاريخية؟)، ويمر هذا اللبس عن قصد إلى عقل المستهلك المجهد الذي لن يبحث وراء مصداقية العبارات، تمامًا كما يمر شعار بنك التعمير والإسكان خدمات بنكية ملهاش آخر؛ وهي صياغة تمنح الخدمة الاستهلاكية المحدودة طابعًا أزليًا مستحيلًا، وهدفها الوحيد اختراق وعي المستهلك وتوجيه سلوكه الشرائي نحو شباك التذاكر الإعلاني.
وترصد دراسة موسعة عن التضليل الإعلاني في الجزائر أشهر الأساليب المتبعة للتلاعب بالمستهلكين، ويأتي في مقدمتها ادعاء التفرد مقارنة بالمنافسين، والتلاعب بالمصطلحات والكلمات الوصفية، واستغلال المشاهير والخبراء لتمرير الرسائل، وتقنيات الخداع البصري في المشاهد المصورة والتصميمات الثابتة، والمبالغة واستخدام صيغ التفضيل المطلق التي تضرب مبدأ الموضوعية.
أُذن واعية.. هل تسمعني؟
من منظور صُنّاع هذه الرسائل الإعلانية، تبرز قراءات متباينة، إذ ترى آية عبد الرحمن، وهي كاتبة إعلانات بخبرة ممتدة في عدة وكالات، أن التضليل قد يحدث "دون قصد" نتيجة استخدام عبارات مجازية وبلاغية تحمل بعض المبالغة المشروعة ترويجيًا لجذب الانتباه، مستشهدة بعبارات صاغتها مثل "هتتعالج في يوم وليلة" في إعلان طبي، أو "هتحس بالفرق من أول استخدام"، معتبرة أن الهدف هو ترك انطباع عن سرعة التأثير وليس المعنى الحرفي.
وتؤكد لـ المنصة أن المشكلة تكمن في وقوف البعض عند التفسير الحرفي للجملة، موضحةً أن صناع الإعلانات يدركون أن الجمهور يكتفي بقراءة معلومات بسيطة، لذا يحاولون جذب الانتباه بطرق جذابة دون كذب مباشر، مع حرص الشركات الواعية على بناء الثقة لضمان ولاء العميل، وإن اضطرت أحيانًا لتحويل "العيب إلى ميزة".
يعاقب القانون المخالفين بغرامات مالية تبدأ من 30 ألف جنيه وتصل إلى مليون جنيه
بينما يتبنى ميشيل سامح، وهو كاتب محتوى إعلاني لسلع استهلاكية وغذائية، موقفًا حادًا وأكثر صرامة؛ إذ يصف التلاعب اللفظي بأنه "أسلوب رخيص يعتمد على انخفاض ثقافة الوعي لدى البعض"، مؤكدًا لـ المنصة أن ضميره المهني يمنعه من سلوك هذا النهج.
ويرفض التماس العذر لكتّاب الإعلانات في لجوئهم للحيل اللغوية، حيث يمكن التركيز على "ميزة السعر الرخيص" إذا كانت جودة المنتج منخفضة دون الحاجة لتلفيق الأكاذيب، لافتًا الانتباه إلى خطورة الأثر التراكمي للتضليل الإعلاني؛ إذ شكلت بعض الشركات منذ ثمانينيات القرن الماضي وعي قطاع عريض من الجماهير، ورسخت مفاهيم مغلوطة مثل أن السمن النباتي "خفيف على المعدة"، وأن السمن البلدي "مضر"، مستغلة في ذلك ضعف الوعي ورغبة قطاع عريض من المستهلكين في شراء السلع الأرخص.
تحت طائلة القانون
فيما تتطابق حيل التضليل الإعلاني عالميًا، فإن القوانين تتفاوت في تحديد العقوبة المناسبة، ففي الجزائر مثلًا ينص قانون حماية المستهلك وقمع الغش" على عقوبات تصل إلى الحبس 5 سنوات وغرامة 500 ألف دينار جزائري (تعادل حوالي 3,700 دولار) للتلاعب الإعلاني. وفي الأردن يفرض قانون حماية المستهلك رقم 7 لسنة 2017 غرامات تتراوح بين 250 و10 آلاف دينار (من 350 دولار إلى 14 ألف دولار)، أو الحبس حتى 6 أشهر. وتُعد العقوبات بموجب قانون المنافسة في كندا الأشد قسوة دوليًا.
أما في مصر فيوحي الخداع المستشري بغياب الرقابة، رغم وجود تشديد قانوني، إذ يحظر قانون حماية المستهلك المصري رقم 181 لسنة 2018 في مادتيه 9 و66 على المعلنين تقديم أي معلومات أو بيانات غير دقيقة أو مضللة تؤدي إلى خداع المستهلك، سواء تعلق الأمر بالمنتج ذاته أو بخدمات ما بعد البيع كالدعم والصيانة والاسترجاع.
ويعاقب القانون المخالفين بغرامات مالية تبدأ من 30 ألف جنيه وتصل إلى مليون جنيه، أو ضعف قيمة المنتج، مع تشديد العقوبة حال التكرار أو الامتناع عن وقف الإعلان، فضلًا عن إلزام المخالف برد أموال المتضررين، تاركًا عقوبة السجن التقديرية للمحكمة وفقًا لملابسات القضية.
تنظيميًا، تخضع المنتجات قبل طرحها لموافقة "الهيئة القومية لسلامة الغذاء" بموجب القرار رقم 16 لسنة 2022 بشأن متطلبات تتبع الأغذية، الذي يُلزم الشركات بدقة الوصف. وفي حال حدوث تلاعب بعد الموافقة الأولية، يتدخل "جهاز حماية المستهلك" بناءً على شكاوى المواطنين.
ويتفاوت التزام الشركات بهذه الالتزامات، فهناك من يلتزم في منتج ويخالف في آخر؛ مثل شركة دانون التي كتبت صراحة على منتجها "زبادي بقطع مانجو"، لكن الشركة ذاتها لجأت للتلاعب اللفظي في منتج آخر حين كتبت زبادي بلمسة العصير.. بطعم الفراولة والخوخ؛ العبارة هنا تخلو من كلمة "قطع" أو "عصير طبيعي"، بل هي مجرد "لمسة" مجهولة المصدر ونكهة تمنح الطعم فقط.
تتكرر هذه الاستراتيجية مع عصائر مثل "بشاير" التي رفعت شعار "بطعم الفاكهة" لتوحي للمستهلك بأن المنتج طبيعي، بينما المعنى الحقيقي الكامن وراء التكثيف اللغوي هو استخدام نكهة صناعية تحاكي الفاكهة دون الاعتماد على الثمار الطبيعية (هذا بمعزل عن دلالة اسم "بشاير" الذي يشير لغويًا إلى الثمار الأولى التي تُجنى مبكرًا). كذا الحال مع عصير "أصلان" الذي دون على عبوته عبارة "مشروب فاكهة" بدلًا من عصير، وألحقها بعبارة سفلى "مصنوع من عصير فواكه طبيعية ليعطيك الطعم اللذيذ ممزوجًا بفوائد الانتعاش"، وهي صياغة تلتف حول حقيقة أن السائل عبارة عن خليط مستخلص ومُصنع وليس الفاكهة ذاتها كقيمة غذائية كاملة.
في المقابل، تبرز شركات تختار الصراحة هربًا من الملاحقة؛ كشركة "دومتي" التي كتبت على إحدى عبواتها بوضوح تام في قائمة المكونات: "ماء، مركز تفاح أقل من 25%، سكر، ألوان غذائية، مكسبات طعم". هنا جاء الماء في المرتبة الأولى صراحة، واستُبدل مصطلح الألوان الصناعية بـ"ألوان غذائية".
