العنف الرقمي يزدهر في ظل تقنيات الذكاء الاصطناعي
رسالة من رقم مجهول على واتساب سارة سمير(*)كانت بداية طريق حالك مليء بالحزن والمرض والصدمة، عندما تلقَّت الزوجة البالغة من العمر 39 عامًا سيلًا من السُّباب والألفاظ البذيئة من شخص لا تعرفه.
تكررت الرسائل والمكالمات مرةً، واثنتين، وثلاثًا. وحين سألت من يراسلها عن طريقة حصوله على رقمها، قال إنه وجده على إحدى صفحة فيسبوك ذات محتوى جنسي وأرسل لها رابطًا لبوست يتضمن رقمها القومي والاسم والعنوان، لتذهب في اليوم التالي إلى مباحث الإنترنت لتحرير محضر.
بعد شهر، تلقَّت هي ووالدتها رسالة من رقم آخر لا تعرفه، تضمنت فيديوهات إباحية مُركَّبة تجمع بعض تفاصيل وجهها مثل العين والحواجب ونصف الأنف بتفاصيل وجه آخر لا يخصها؛ "الفيديوهات مركبة جزء من وشي على شعر ووش وجسم حد تاني واضح جدًا انها معمولة بالـ AI"، تقول سارة لـ المنصة.
الأخطر، أن هذه الفيديوهات تضمنت بياناتها الشخصية مثل الاسم والرقم القومي والموبايل والعنوان بالكامل وبعضًا من تفاصيل حياتها الشخصية، إلى جانب السباب والشتائم مع التهديد بفضحها وإرسالها إلى والدها ونشرها على السوشيال ميديا.
تزييف يحاكي الواقع
تزايدت في السنوات الأخيرة وتيرة جرائم العنف الرقمي ضد النساء، وكما تقدر جهاد حمدي، مؤسسة مبادرة Speak Up الحقوقية، فإن عدد البلاغات التي استقبلتها المبادرة على خط المساعدة تصل لـعشرات الآلاف. لكنَّ ما بدأ في التزايد مؤخرًا هو بلاغات استخدام الذكاء الاصطناعي في العنف الرقمي.
وصلت الفيديوهات والصور إلى زوج سارة، الذي أدرك على الفور أن هذه المواد مزيفة، وشجَّعها لتحصل على حقها؛ "قال لي لو سبتي حقك أنا مش هعرفك تاني".
لكن رغم تأكدهم من زيف الفيديوهات فإن أثرها كان سيئًا على الأسرة بكاملها؛ "ماما لما شافتها عيطت وبابا قالي أمال لما أموت هيحصلك إيه؟ بعدها بـ7 أيام تعب بجلطة ودخل المستشفى".
ترصد مؤسسة مبادرة Speak Up زيادة ملحوظة في البلاغات التي تصلهم بخصوص استخدام AI في العنف الرقمي، وتؤكد جهاد حمدي لـ المنصة أنهم استقبلوا أنماطًا متنوعة من الجرائم استُخدمت فيها أدوات الذكاء الاصطناعي في تزييف الصور والفيديوهات بهدف التشهير والابتزاز والتهديد.
دليل كشف التزييف
بينما كانت الصحفية والحقوقية شيماء سامي تتصفح هاتفها، فوجئت بصديقتها ترسل صورةً مخلةً لها منشورة على حساب تقول لـ المنصة إنه أُنشئ لغرض التشهير، كما اكتشفت محاولة اختراق حسابها الشخصي ومحاولة إنشاء حساب لها ذي طابع جنسي.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها شيماء، البالغة من العمر 35 سنة، للتشهير عبر فبركة الصور، لكنها الأولى باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث رُكّبت صورة مُزيفة تظهرها في ملابس كاشفة برفقة اثنتين من صديقاتها "ونُشرت على صفحة فيسبوك مشبوهة"، لتنهال عليها التعليقات المسيئة.
بدت الصور التي خُلّقت بأدوات متخصصة من الذكاء الاصطناعي في التزييف والفبركة أقرب للواقع وأكثر احترافية من الصور التي سبق وفُبركت لشيماء باستخدام الفوتوشوب والبرامج المشابهة، ما يجعلها أكثر قابلية للتصديق.
أغلب المتهمين يكونون على صلة بالضحية، خطيب سابق أو قريب وصديق أو زميل عمل
هنا يلفت دكتور أحمد بهاء خيري، أستاذ هندسة النظم الذكية في كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، لبعض الأدوات المجانية التي تُستخدم في الكشف عن الصور والفيديوهات المزيفة منها sightengine وTruthScan، وهما أداتان يمكن استخدامهما لهذا الغرض.
يشير أيضًا لأداة HiveDetect لفحص الصور والنصوص والفيديو، إذ يُقدم نتائج الفحص في ثوانٍ، كما أن بإمكان موقع مثل Deepware Scanner تحليل مقاطع الفيديو والكشف عن الأجزاء المزيفة، وبالمثل يجري InVID فحصًا عكسيًّا ويستخرج الإطارات.
لا تحذفي الفيديوهات
بعد 6 أشهر من تتبع الحساب الذي أُرسلت منه الفيديوهات المخلّقة، خلصت سارة إلى أن من سرَّبت بياناتها أخت إحدى صديقاتها بدافع الغيرة منها، كما قالت لـ المنصة، واتهمتها بالفعل في بلاغ رسمي.
وكما يلاحظ اللواء عمرو الشرقاوي، خبير الأمن السيبراني وأمن المعلومات، فإن أغلب المتهمين في البلاغات الواردة إلى الجهات الأمنية يكونون على صلة بالضحية، خطيب سابق أو قريب وصديق أو زميل عمل.
تختلف مدة الوصول للجاني بحسب كل حالة والوسيلة المستخدمة
يوجه الشرقاوي الفتيات، في حالة التعرض للعنف الرقمي بتزييف الصور سواء لإيقاع الأذى مباشرة أو للابتزاز، لتحرير بلاغات في أحد مكاتب تلقي البلاغات لجرائم تكنولوجيا المعلومات، مع تقديم الدليل سواء كان فيديو أو صورًا أو رسائل، ويُطمئِن المُبلّغات بأن "دور المحقق يكون إثبات الحقيقة فقط وليس الحكم الأخلاقي على الضحية، وهذا ما يتعلمه الضباط حديثو التخرج".
وحسب الخبير الأمني، تختلف مدة الوصول للجاني بحسب كل حالة والوسيلة المستخدمة، خاصة في ظل استخدام الحسابات المزيفة وغلقها، وشبكات الـ VPN للتخفي على الشبكة، محذرًا الضحية من حذف الرسائل أو الفيديوهات والصور "فهي الدليل الرقمي لإثبات الواقعة".
من جانبها تشير جهاد حمدي أن "السلطات المختصة تمكنت من تحديد هوية المتهمين في بعض الجرائم، واتخاذ إجراءات قانونية بحقهم"، فيما تعمل Speak Up على الجانب الآخر في محاولة لاحتواء الضرر الرقمي وحماية الضحية، مع توفير دعم نفسي وقانوني ودعم الضحايا من خلال إزالة المحتوى الضار، واستعادة الحسابات، وتقديم النصائح التقنية عند الحاجة.
تحت نظر القانون
استبق المشرّع المصري هذه الممارسات بنصوص في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، تجرّم استخدام التكنولوجيا للإضرار بسمعة الأفراد أو المساس بشرفهم. وتنص المادة 26 من القانون على معاقبة كل من يتعمد استخدام برنامج معلوماتي أو تقنية معلوماتية لمعالجة بيانات شخصية للغير وربطها بمحتوى منافٍ للآداب العامة، أو إظهارها بطريقة من شأنها المساس باعتباره أو شرفه، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تجاوز 300 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ويوضح دكتور مصطفى السعداوي أستاذ القانون الجنائي بجامعة المنيا أن تعريض ضحية للابتزاز مع تركيب صور أو فيديو لها وإرسالها عبر تطبيق واتساب مرفقة بطلب معين سواء جنسي أو مادي أو تهديد بالنشر، تعد جناية تهديد مشفوع بطلب، وتصل العقوبة طبقًا للمادتين 326 و327 من قانون العقوبات، للسجن 15 سنة.
لم تستطع شيماء التي تعيش خارج مصر تقديم بلاغ إلكتروني، فالخدمة غير متاحة على الإنترنت، لذا تواصلت مع مبادرة Speak Up لإمكانية غلق الحساب وحذف الصورة وهو ما تم خلال 48 ساعة.
أما سارة فتقدمت بمحضرين، أحدهما حُفظ، والآخر حفظ في البداية ثم أعيد فتحه بعد محاولة مع وكيل النيابة، لكن سنة مرت على الواقعة ولم تصل لنتيجة، ما أصابها بالإحباط والإجهاد معًا، وتملكتها الحيرة بين استكمال طريقها المجهول بين النيابة والمحاكم أو الرضوخ للأمر الواقع وتقبل هزيمتها.
(*) اسم مستعار بناء على طلب المصدر.
