تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
أطاحت أحداث 30 يونيو 2013 بالإخوان من حكم مصر لكن الأوضاع الاقتصادية لم تتحسن وازدادت سوءًا

30 يونيو.. فرصة جديدة لمراجعة الدروس

منشور الثلاثاء 30 حزيران/يونيو 2026

بعد ثلاثة عشر عامًا، لم يعد السؤال المهم هو: هل كنتَ مع 30 يونيو أم ضدها؟ هذا السؤال استهلك نفسه حتى صار مجرد وسيلة لتصنيف الناس، لا لفهم ما جرى. السؤال الحقيقي الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو: ماذا تعلمنا؟

المشكلة أن السياسة في مصر لا تعرف ثقافة التعلم. كل طرف يراجع خصومه، ولا يراجع نفسه. وكل فريق يكتب التاريخ باعتباره البطل الوحيد الذي لم يخطئ أبدًا، ولهذا لا تتغير النهايات.

احتكار السلطة

أحد أكبر الدروس التي كشفتها 30 يونيو أن المصريين يرفضون فكرة احتكار السلطة، أيًا كان صاحبها. خرجوا ضد مبارك عندما شعروا أن الدولة أصبحت ملكًا لرجل واحد، ثم خرجوا ضد مرسي عندما شعروا أن الجماعة تريد أن تصبح أكبر من الدولة.

من مظاهرات 30 يونيو 2013

في الحالتين خرجوا ونجحوا في إسقاط النظامين، معتقدين أن سقوط نظام فاشل يعني تلقائيًا قيام نظام آخر ناجح، ولم يكن ذلك صحيحًا؛ فقدرتك على هدم بيت لا يعني أنك قادر على بناء بيت أفضل.

ربما كان هذا هو الدرس المهم الذي لم نستوعبه حتى الآن، لكن ربما يكون الدرس السياسي الأهم أنه ليس كل من يقف بجوارك يقف معك، قد تكون الأهداف مختلفة تمامًا رغم تشابه الشعارات.

فالذين وقفوا في صف واحد في يونيو 2013 لم يكونوا يريدون الشيء نفسه؛ بعضهم أراد انتخابات مبكرة، وبعضهم أراد إنهاء حكم الإخوان، وبعضهم أراد عودة ما قبل يناير، وبعضهم كان يريد مستقبلًا ديمقراطيًا كاملًا.

وحين تحقق الهدف الأول، اكتشف الجميع أن لكل طرف مشروعًا مختلفًا، وفي زحمة المشروعات المتناقضة وعلى أنقاض التحالفات المنهارة تاهت الحقيقة التي يعلمها الجميع ويتجاهلها الجميع انتظارًا لنتائج مختلفة في المرات القادمة.

هناك أحداث في تاريخ الأمم تظل محل خلاف حتى بعد مرور عقود

من يظن أنه يستطيع إدارة دولة كبيرة اعتمادًا على جماعته أو حزبه أو شعبيته أو شرعيته الانتخابية فقط، لا يفهم كيف تعمل الدول، ويقامر بحكمه وبالدولة نفسها. ومن يظن أن المجتمع يمكن أن يعيش إلى الأبد بلا سياسة، أو مساحات للنقاش، أو معارضة قوية وقادرة، لا يفهم المجتمع أيضًا.

كل فراغ سياسي سيملؤه أحد. هذه قاعدة لم تسجل أي استثناء. الأمم لا تتقدم لأنها لا تخطئ، بل لأنها تتذكر أخطاءها. أما نحن، فنختلف حتى على تعريف الخطأ نفسه. ولهذا يتحول كل عام إلى مناسبة جديدة لإعادة المعركة القديمة، لا لاستخلاص الدرس الجديد.

13 عامًا من الجري في المكان

من السهل دائمًا أن نختصر التاريخ في أسماء، أن نقول إن المشكلة كانت في هذا الرئيس، أو تلك الجماعة، أو ذلك الحزب. لكن الحقيقة أن الأشخاص يرحلون، بينما تبقى الثقافة السياسية التي صنعت الأزمة.

في السنوات التي سبقت 30 يونيو، بدا وكأن الجميع يتعاملون مع السياسة بمنطق الغلبة. من يملك الأغلبية يظن أنه يملك الحقيقة، ومن يخسرها يعتقد أن إسقاط الفائز هو الطريق الوحيد لاستعادة التوازن.

الشرعية لا تُبنى بالأرقام وحدها لكن بالقدرة على إدارة التنوع واحتواء المختلفين؟

لم يكن ينقصنا الذكاء، ولا الحماس، ولا الرغبة في التغيير. ما كان ينقصنا هو القدرة على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى معركة وجود. ولهذا لم تكن المشكلة أن المصريين اختلفوا؛ المشكلة أنهم لم يطوروا بعدُ الأدوات التي تجعل الاختلاف مصدر قوة، لا سببًا للانقسام.

الثقافة السياسية لا تُقاس بما نقوله في لحظات الهدوء، وإنما بما نفعله حين نختلف. هل نقبل بحق خصمنا في الوجود؟ هل نؤمن بأن تداول السلطة لا يعني إلغاء من غادرها؟ وهل نستطيع أن نفرق بين معارضة الدولة ومعارضة الحكومة؟

هذه الأسئلة لا تخص عامًا بعينه، ولا رئيسًا بعينه، وإنما تخص مستقبل أي مجتمع يريد أن يخرج من دائرة الاستقطاب التي استنزفته لسنوات.

الزمن لا يعالج الأخطاء من تلقاء نفسه. الزمن يمنح فرصة للمراجعة فقط. أما من يرفض المراجعة، فإنه يكتشف بعد سنوات أن المشكلة لم تختفِ، بل تغير شكلها فقط.

ماذا تعلمنا؟

هناك أحداث فى تاريخ الأمم تظل محل خلاف حتى بعد مرور عقود، ليس لأن الناس لم تعرف الحقيقة، وإنما لأن كل طرف يرى جزءًا منها فقط. و30 يونيو واحدة من تلك اللحظات. فبعد ثلاثة عشر عامًا، لا يزال المصريون ينقسمون بين من يعتبرها ثورة أنقذت البلاد، ومن يراها لحظة قطعت مسارًا سياسيًا كان يجب أن يستمر. وبين هذين الموقفين ضاعت فرصة أهم؛ وهي محاولة فهم لماذا وصلنا أصلًا إلى تلك اللحظة.

من المظاهرات المطالبة برحيل مرسي في 30 يونيو 2013.

ربما لم يعد من المفيد أن نستدعي الشعارات القديمة، أو أن نعيد المناظرات نفسها التي استنزفت الجميع. فالتاريخ لا يتغير بإعادة النقاش، لكنه قد يصبح أكثر وضوحًا إذا تغيرت الأسئلة.

السؤال اليوم ليس: من انتصر؟ لأن الجميع دفع ثمنًا بدرجات مختلفة. وليس: من كان مخطئًا؟ لأن الأخطاء لم تكن حكرًا على طرف واحد. السؤال الذى يستحق أن يُطرح هو: هل تعلمنا شيئًا؟

هل تعلمنا أن إسقاط الخصم ليس مشروعًا سياسيًا في حد ذاته، بل مجرد بداية لمشروع يجب أن يكون جاهزًا قبل الذهاب إلى المعركة؟ هل تعلمنا أن الديمقراطية لا تعني مجرد صندوق انتخابات؟ وأن الشرعية لا تُبنى بالأرقام وحدها، بل بالقدرة على إدارة التنوع واحتواء المختلفين؟

الأمم التي تتقدم ليست تلك التي لا تختلف، وإنما تلك التي تعرف كيف تحول اختلافها إلى وقود يدفعها للأمام. أما الأمم التي تبقى أسيرة معاركها القديمة، فإنها تعيد إنتاج الأسئلة نفسها، وتصل فى كل مرة إلى النتيجة نفسها.

ربما يكون أفضل احتفاء بذكرى 30 يونيو هو ألا نبقى أسرى لها. ليس بمعنى نسيانها، وإنما بمعنى تجاوز الانقسام الذى ولدته.

لا توجد دولة تستطيع أن تعيش إلى الأبد وهى تقيس حاضرها بمواقف الناس من حدثٍ وقع قبل 13 عامًا. فالأمم تبني مستقبلها على ما ستفعله غدًا، لا على ما قاله الناس أمس.

لا يعني ذلك إلغاء التاريخ أو تجاهله، بل التعامل معه باعتباره مصدرًا للتعلم لا ساحةً لتصفية الحسابات. فالتاريخ الذى يتحول إلى أداة للانتقام يفقد قيمته، أما التاريخ الذى يتحول إلى خبرة، فإنه يساعد الأجيال التالية على تجنب الوقوع في الأخطاء نفسها.

بعد ثلاثة عشر عامًا، لم يعد أهم ما حدث في 30 يونيو هو ما جرى في ذلك اليوم، وإنما ما فعلناه نحن بما تعلمناه بعده. فإذا كانت التجربة قد جعلتنا أكثر استعدادًا للحوار، وأكثر احترامًا للاختلاف، وأكثر وعيًا بأن السياسة ليست مباراة صفرية، فسيكون للسنوات الماضية معنًى.

أما إذا بقينا نكرر المعركة نفسها كل عام، فسوف نكتشف أن الزمن مرَّ، بينما بقينا نحن في المكان نفسه.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.