العلمين.. ليه؟
ملاحظات على هامش المونديال
أحمد فتحي أم محمد هاني؟
محمد عبد الشافي أم كريم حافظ؟
أحمد حجازي أم ياسر إبراهيم؟
محمد صلاح نسخة 2018 في عمر 26 سنة أم محمد صلاح نسخة 2026 في عمر 34 سنة؟
هذه مقارنات بسيطة بين من خسروا من السعودية وودّعوا كأس العالم 2018 من دور المجموعات بصفر نقاط من ثلاث هزائم؛ ومن خرجوا من دور الـ16 أمام الأرجنتين بفضيحة تحكيمية مازال العالم كله يتحدث عنها، بعدما تقدموا بهدفين حتى الدقائق العشر الأخيرة من المباراة.
أضع هذه المقارنات أمام من بدأوها مبكرًا وقللوا من الوصول إلى كأس العالم بعدما أصبح 48 منتخبًا، مع أن منتخبات كبيرة مثل إيطاليا من أوروبا ونيجيريا والكاميرون من إفريقيا لم تنجح في التأهل إلى نسخة البطولة نفسها.
ثم استمروا في التقليل بعد صعود مصر إلى دور الـ32 بعد أن حلَّت ثانيةً بفارق الأهداف في مجموعة تضم بلجيكا وإيران ونيوزيلندا، وكأنها لم تتذيّل في 2018 مجموعةً تضم أورجواي وروسيا والسعودية، وتحتل المركز 31 في بطولة من 32 فريقًا.
ثم أطلقوا أسئلة استنكارية عن سبب الاحتفاء بالخسارة من الأرجنتين، وعن الصعب والمبهر في الفوز على أستراليا ونيوزيلندا والتعادل مع بلجيكا وإيران.
والإجابة ببساطة أنك بقائمة أفضل كثيرًا قدَّمت أداءً دفاعيًا مقيتًا وقالوا لك "هي دي القماشة" وهذا ما تسمح به. لا أحد بإمكانه أن يُخرِج من هذه المجموعة ما هو أفضل؛ فجاء مدرب مصري جعلك تقدم كرة هجومية شجاعة، أحرزت في جميع مبارياتك الخمس، وتقدمت في النتيجة في أربعٍ منها، وعندما تأخرت أمام نيوزيلندا في الشوط الأول ظهرت في الشوط الثاني بشخصية أقوى ونسخة أفضل وأحرزت ثلاثة أهداف.
في وعينا الجمعي غالبًا ما يُختزل النجاح في النتيجة النهائية، إما أن تكون الأول أو لا شيء، هذه النظرة القاصرة لا تعترف بالمراحل، ولا ترى قيمة في التقدم التدريجي، وكأن الطريق لا معنى لها إذا لم تكن في نهايتها كأس.
هذه الثقافة جعلتنا في سنوات كثيرة نحطم لاعبينا ومدربينا بعد أي خسارة، وفي المقابل يؤدي أي احتفاء بإنجاز غير مكتمل إلى ترسيخ ثقافة الاكتفاء بالقليل، وفي حالتنا هذه نحن لا نحتفل بالخروج ولا نتوهم أننا فزنا بكأس العالم، لكننا نحتفل بأن المنتخب كسر سقفا تاريخيًا ظل قائمًا لعقود، ونشجع على مواصلة الإيمان بالنفس والبناء على ما تحقق. وهو ما فعله شعب كرواتيا عندما خرج بالملايين إلى الشوارع لاستقبال منتخبه الذي خسر نهائي كأس العالم 2018، وما فعله المغاربة الذين ما زالوا يحتفلون بتحقيق منتخبهم المركز الرابع في كأس العالم 2022 رغم أنه خسر مباراتي قبل النهائي والمركز الثالث، وما فعله جمهور كوراساو عندما سجل منتخبهم للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم، في مباراة خسروها 1-7!
إذا أصبح رد الفعل المعتاد على أي إنجاز هو التقليل منه فإن الرسالة تصل واضحة إلى الجميع: لا جدوى من المحاولة، وهناك فارق كبير بين أن تقول: يمكن أن نكون أفضل، وبين أن تقول: لا شيء يستحق التقدير، الأولى تدفع للأمام، والثانية تحبط أي محاولة.
لماذا يعشقون المشاهد المصنوعة؟
السؤال التالي بعد: بماذا نحتفل؟ كان: أين نحتفل؟
فارق كبير بين ما رأيته في الشوارع بعد انتهاء المباراة وما كان هناك في العلمين، كالفارق الأبدي بين ما هو حقيقي وما هو مصنوع.
في اللحظة التي أطلق فيها الحكم صافرة النهاية، خرج الناس بعفوية إلى الشوارع، رفعوا الأعلام، أطلقوا أبواق السيارات، وهتفوا بقوة للمنتخب. لم يدعُهم أحد، ولم ينظمهم أحد، ولم يكن هناك سيناريو مكتوب أو كاميرات تنتظر زاوية تصوير بعينها. هذا هو المشهد الحقيقي.
أما السؤال الذي لا أجد له إجابة الآن، كما لم أجد له إجابة قبل ذلك أبدًا، فهو: لماذا نُصرُّ دائمًا على "صناعة" مشهد، بينما المشهد الحقيقي موجود بالفعل وينتظر فقط أن نتركه ليتشكّل؟
العلمين جزء عزيز من مصر، لا خلاف. لكن حلايب وشلاتين جزء من مصر أيضًا، والسلوم جزء من مصر، والصحراء الغربية ومنخفض القطارة أجزاء من مصر. فهل كنا سنستقبل المنتخب في أي منها؟
توقع الجميع أن تكون القاهرة هي محطة الوصول الطبيعية، وأن يتحرك الأتوبيس المكشوف في صلاح سالم أو كورنيش النيل أو ميدان التحرير، وسط مئات الآلاف من الناس الذين لم يكن أحد بحاجة إلى دعوتهم.
كنا على موعد مع صورة أيقونية كان يمكن أن تعيش لعشرات السنين، وتلف العالم عبر وكالات الأنباء والقنوات العالمية، وربما تصبح أكثر حضورًا من صور احتفال بطل البطولة نفسه. والأهم من ذلك أنها كانت ستوثق لحظة نادرة التف فيها المصريون حول منتخبهم، بمختلف انتماءاتهم السياسية، واختلاف ظروفهم الاقتصادية، بل وحتى أنظمتهم الغذائية.
فلماذا تخلَّينا عن كل ذلك؟
إن كان الخوف من تعطل البلد، فلنعتبرها زيارة لماكرون، تصاب فيها القاهرة بالشلل لثلاثة أيام. وإن كان الخوف من الفوضى، فقد نجحت الدولة في تنظيم فعاليات أكثر تعقيدًا وحشدًا، وإن كانت هناك اعتبارات لا نعرفها، فربما كان من الأفضل الاستغناء عن فكرة الاستقبال الشعبي من الأساس، بدلًا من رؤية مئات معدودة يركضون خلف حافلة المنتخب في صحراء قاحلة في حر يوليو، وفي الخلفية الأتوبيسات التي جاءت بهم.
فالمشهد المصنوع، مهما بلغت جودة إخراجه، لا يستطيع أبدًا أن ينافس قوة مشهد حقيقي صناعه وأبطاله الناس.
حتى يصبح الإنجاز عادة
ربما يختلف المصريون حول طريقة الاحتفال أو مكانه أو حتى جدواه، وهذا حقهم الكامل. لكن ما لا ينبغي أن نختلف عليه هو أن هذه المشاركة أعادت شيئًا افتقدناه طويلًا: الأمل. أعادت إلينا الإحساس بأن منتخب مصر قادر على منافسة الكبار، وأن الوصول إلى الأدوار الإقصائية ليس حلمًا مستحيلًا، بل هدف يمكن البناء عليه.
لكن الأمل وحده لا يكفي. فإذا أردنا أن نستفيد فعلًا من هذه المشاركة، فعلينا أن نتوقف عن الجدل حول الاحتفال، ونبدأ الحديث عن المشروع. كيف نحول هذه البطولة إلى نقطة انطلاق حقيقية؟ كيف نطور مسابقات الناشئين؟ كيف نكتشف المواهب في المحافظات بدلًا من انتظار ظهورها بالصدفة؟ كيف نرفع مستوى المدربين؟ وكيف نستفيد من آلاف اللاعبين المصريين في الخارج، ونكرر تجربة هيثم حسن مع أسماء أخرى تمتلك الموهبة والانتماء؟
والسؤال الأهم: كيف يتحول الوصول إلى دور الـ16 من إنجاز استثنائي نحتفل به، إلى محطة طبيعية نغضب إذا توقفنا عندها؟ وكيف يصبح هدفنا الحقيقي هو المنافسة على ربع النهائي ونصف النهائي، لا مجرد كسر أرقام لم تتحقق من قبل؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تشغلنا بعد أن تنتهي الأغاني وتُطوى الأعلام، لأن الفرق الكبيرة لا تُقاس بحجم الاحتفالات، وإنما بما تفعله بعد انتهائها. وعندها فقط، لن نختلف كثيرًا على شكل الاحتفال، لأننا سنكون قد اعتدنا النجاح، وأصبحنا نحتفل بما هو أكبر في كل مرة
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.
