"غزو سبتة".. للحرب جبهات شمال إفريقية
يركض بضعةُ شبابٍ في مدينة سبتة الإسبانية شماليَّ المغرب، المدينة التي دخلوها بعد سباحة ثماني ساعات في عرض البحر. يتوقف أحدهم لحظةً أمام إحدى كاميرات التليفزيون الإسباني، ليحتفل بنجاته بجملةٍ مكثفة: بالأمس كنتُ أعيشُ بالمغرب، واليوم أعيشُ في إسبانيا.
المشهد ليس جديدًا تمامًا، جوهره يتكرر كل فترة. افتُتح هذه المرة مطلع الأسبوع الأخير من شهر يوليو/تموز الماضي، ليصل لذروته يوم 30 من الشهر. يومها فقط بان حجمه، إذ أنه أكبر من كل ما سبقه؛ عشرات الآلاف يسبحون في البحر، يتجاوزون الحاجز الحدودي بين المغرب ومدينة سبتة، أقرب نقطة أوروبية لعيونهم.
كانت المشاهد القديمة مختلفة، ولا سيما في عام 2021، من حيث كم المهاجرين ونوعياتهم. ففي السابق شكل أفارقة جنوب الصحراء النسبة الغالبة، لم تكن بينهم نساء، وكان أغلب المغاربة من الأطفال والمراهقين. هذه المرة هناك عائلات بأكملها، تصطحب أطفالًا أعمارهم سنتان أو ثلاث، والغالبية العظمى من المغاربة. وإن كان عددهم في مشهد 2021 لم يتجاوز اثني عشر ألفًا؛ فهذه المرة تجاوز الخمسين ألفًا، لتقف قوات الأمن الإسبانية أمامهم عاجزة.
المسيرة الخضراء
اعتادت السلطات المغربية تقليديًا على استخدام ورقة الهجرة لحل أزماتها مع إسبانيا، ورقة حياة هؤلاء الشباب والأطفال أنفسهم. أن تنتشر فجأة دعوات من مجهولين للعبور، ثم تتغاضى الأجهزة الأمنية، المتحكمة حقيقة في الشارع المغربي، والقادرة على وقفهم، عن موجات العبور المكثفة، أو تتواطأ معها.
بدا المشهد الجديد في بدايته وكأنه لعبة الابتزاز القديمة نفسها، دع الآلاف يتحركون دون سيطرة، يعبرون، تحدث الأزمة، ثم تجلس السلطتان للتفاوض وحل الأزمات المعلنة وغير المعلنة، ويكسب المغرب المزيد من أموال الاتحاد الأوروبي للحد من الهجرة في المنبع. تلك الأزمات التي ربما تتعلق بقضية الصحراء الغربية، أو اتفاقيات الصيد الأوروبية في المياه المغربية، أو تقارب إسباني جزائري مقلق دائمًا للقصر الحاكم في المغرب.
أمام مشاهد الآلاف من الرجال والنساء والأطفال في البحر، بعوامات بلاستيكية من النوع الذي يباع في محلات الألعاب للأطفال عند الشواطئ، وفي ظل غياب تام لقوات الأمن المغربية، وصلت الأزمة لما يسميه اليمين الأوروبي المتطرف بـ"الغزو" الإسلامي والعربي لأوروبا عبر مدينة سبتة، التي كاد عدد سكانها يتضاعف خلال أربع وعشرين ساعة. فبعد أن كانت تضم 80 ألف مواطن، وصلها في يوم واحد خمسون ألف مهاجر. بلا خدمات إغاثة، ولا أطعمة، ولا مياه للشرب، بلا أيِّ شيء، قبل أن يغادروا من جديد، تاركين 84 جثة غرقت خلال رحلة العبور، إضافة إلى عدد غير محدد من المفقودين.
تحتفظ الذاكرتان الإسبانية والمغربية بتاريخ فارق في العلاقات بين البلدين، استدعته الصحافة الإسبانية في اللحظة نفسها خلال الأيام الأخيرة؛ المسيرة الخضراء التي دعا إليها الملك الحسن الثاني في شتاء 1975. أن يسير المغاربة إلى الصحراء الغربية، ليحتلوها قبل إخلائها من قوات الاحتلال الإسباني، وخلق واقع جديد، وإجهاض مشروع الأمم المتحدة بمنح شعب الصحراء حق تقرير المصير.
ولأن هذا المشهد القديم لا يغادر الذاكرة الجماعية للاستعماريين وقوى اليمين والفاشية الإسبانية، التي لم تستسغ أبدًا التخلي عن الصحراء، تستدعيه أمام المشهد الجديد، مضافًا للسؤال التقليدي المتكرر في مثل هذه المآسي: ماذا يريد المغرب؟ ما الذي يُغضب السلطة المغربية؟ ومتزامنًا مع احتفالات ملك المغرب بعيد تنصيبه السابع والعشرين، وتجاهله والحكومة المغربية ما يحدث.
أي إغفال للأسباب التقليدية التي تخلق نداء الهجرة سيكون إجحاف بالبشر وبحقهم في البحث عن حياة كريمة
لم تخلُ الإجابات الأولى من التبسيط. فالرئيس الفاسد للاتحاد الدولي لكرة القدم، صديق ترامب، يحضر احتفالات الملك الذي يأمل في استضافة بلاده نهائي مونديال 2030. وعلى مستويات أخرى حضرت الإجابات المرتبطة بالصحراء الغربية، والقانون الإسباني المزمع إصداره ويمنح الصحراويين الحق في طلب الجنسية الإسبانية، والزيارة الأخيرة لبيدرو سانشيز للمنافس التاريخي للمغرب؛ الجزائر.
إنها الإجابات الأولى للباحثين بجدية عن إجابات. في حين وجد اليمين المتطرف الإسباني الإجابات التي تفيده في الأوضاع الداخلية؛ قانون تقنين أوضاع المهاجرين غير الشرعيين الأخير، وحكم المحكمة العليا الإسبانية بعدم أحقية قوات الأمن الإسبانية في الطرد الفوري/الساخن للمهاجرين إن وصلوا الأراضي الإسبانية سباحة، لأنهم لم يعتدوا على الحدود، البحر لا حدود له.
ألعاب الفاشية على ناصية إفريقيا
أيُّ إغفال للأسباب التقليدية التي تخلق نداء الهجرة سيكون إجحافًا بالبشر وبحقهم في البحث عن حياة كريمة. إنها العوامل التاريخية التي لم تختفِ أبدًا، بل تتأزم وتتراكم، ولا تزال تلعب الدور الأساسي لتلبية نداء المغامرة بالحياة على أمل الحصول على حياة أفضل؛ الفقر والبطالة والتهميش وغياب الفرص والفساد والتباين الطبقي الحاد والقمع والاستبداد السياسي. وكلها عوامل حاضرة ومؤثرة ترسم المشهد العام في بلداننا.
لكن، مع التسليم بذلك، فإن التحرك الجماعي من كل أنحاء المغرب لنقطة محددة في توقيت محدد، والعودة من جديد بعد يوم واحد، وتأخر الأمن المغربي في الظهور والفعل، اتسم بالغرابة. لتظهر تفسيرات محتملة لهذا المشهد الجديد البادي كموجة تشكلت عبر دعوات وشائعات في الشوارع والسوشيال ميديا، مستغلة رغبة هؤلاء الفقراء في الحياة الأفضل، في لعبة سياسية أكبر منهم ولا يدركونها.
كأنها حرب إعلامية وسياسية، بتواطؤ الحكم المغربي، لإضعاف أو إسقاط الحكومة الإسبانية غير المرضي عنها
لم تبتعد التفسيرات عن العلاقة الحميمة التي تجمع الولايات المتحدة وإسرائيل بالنظام الحاكم في المغرب. علاقات تقليدية وراسخة أورثها الملك الحسن الثاني لابنه محمد الخامس، في الوقت الذي تمر فيه علاقة ترامب بالحُكم الإسباني بأسوأ مراحلها. وتدخَّل سفير إسرائيل في الأمم المتحدة على الخط باستدعاء التاريخ، أن سبتة ومليلة مدينتان تحتلهما إسبانيا، البلد الذي لا يتوقف عن انتقاد إسرائيل. وتضاعَف ضجيج اليمين المتطرف الأوروبي، حليف ترامب ونتنياهو، في تناغم كامل ضد الحكومة الإسبانية.
فيتشكل مشهدٌ أكثر تركيبًا وتعقيدًا من الإجابات الأولى، ومن تفسيرات الفقر والتهميش ونداءات الهجرة، يجمع كل هذه العناصر وكأنها حرب إعلامية وسياسية، بتواطؤ الحكم المغربي، لإضعاف أو إسقاط الحكومة الإسبانية غير المرضي عنها بسبب مواقفها من الإبادة، ورفضها الاستجابة لشروط ترامب برفع ميزانية التسلح، وأخيرًا رفضها استخدام القواعد العسكرية في إسبانيا للهجوم على إيران، والامتناع عن تقديم دعم لوجيستي للقوات الأمريكية.
ترامب نفسه، وكعادته، أعطى إحدى إشارات البدء، مُبتزًّا أوروبا بقوله إن ما يحدث نتيجة سياسات اليسار المتطرف، وتقنين أوضاع المهاجرين بدلًا من ملاحقتهم وطردهم على طريقته. بالتزامن الدقيق مع دعوة ميلوني، رئيسة الحكومة الإيطالية اليمينية المتطرفة، لطرد إسبانيا من اتفاقية شنجن. ويلتقط الخيط حزب بوكس الفاشي الإسباني، حليف نتنياهو الأقرب أوروبيًا، مطالبًا بمحاكمة رئيس الوزراء الذي لوث إسبانيا وأوروبا "النقيتين" بالعرب والمسلمين، وداعيًا أهل سبتة لتنظيم أنفسهم لاصطياد الغزاة من الشوارع، قبل أن يسرقوا ويخربوا ويغتصبوا النساء.
إنه ما حدث فعلًا بحالات اعتداء جماعية من مجموعات محلية على شباب ومراهقين في شوارع سبتة الخالية إلا منهم، قبل أن ينتشر الجيش، وبعد أن أغلقت المتاجر يوم 31 يوليو بالكامل لأن هناك في الشوارع عشرات الآلاف من الجائعين والعطشى، والتزم المواطنين ببيوتهم بعد تفعيل زر الكراهية والعنصرية، وأحدث تأثيره المطلوب؛ الرعب من الغريب وكراهيته، والمرشح ليصبح من ضمن ملامح المستقبل.
التعاطف والكراهية
تلقي امرأة إسبانية من شرفتها حقيبة صغيرة بها ملابس وبعض الأطعمة لطفلين من هؤلاء الذي سبحوا بالساعات ليصلوا للجنة الأوروبية. تنتبه إلى أن كاميرات التليفزيون تصورها، تختبئ وتغلق الشرفة سريعًا. إنه الخوف من تصنيفها ضمن خندق "الغزاة"، فإذا صمدت الحكومة الإسبانية لأيام أو شهور، ستبقى أدوات الفاشية التقليدية؛ الكراهية والعنصرية والرعب من الغريب، مستخدمةً في الصراع السياسي، وتكتسب قوة إضافية مع كل يوم جديد.
مشهد سبتة ضمن تلك الأحداث التي تقع سريعًا، وتنتهي، وتظل غامضة رغم أنها أحداث كبرى. فبعد ساعات غادر أغلب من خاطروا بحياتهم عائدين للمغرب، وكأن هذه الورقة في اللعبة السياسية أنجزت تأثيرها المطلوب. فيما نتابع أي خبر أو تصريح جديد عن المُسيَّرة المجهولة التي ضربت سفينتين في دمياط، لا يعلن أحد مسؤوليته عن الهجوم الذي لم تُدنه قطر والإمارات. بالتزامن مع أخبار أخرى عن نقل إسرائيل والولايات المتحدة أسلحة ومرتزقة لقوات الدعم السريع في السودان، ومشاركة السعودية في غارات أمريكية على العراق.
أمام هذا المشهد المركب، نشعر بأن جبهات حرب الفاشيتين الترامبية والإسرائيلية ضد غزة والعالم تتسع، وأن لها أبعادًا وأشكالًا أخرى غير مباشرة. ليس فقط لمعاقبة الحكومة الإسبانية على مواقفها، بل لأن نشر حروب الكراهية والعنصرية يصب في النهاية لصالح إسرائيل وترامب. بالتواطؤ مع حكامنا أنفسهم، عبر إغراقنا في الفقر والتهميش والبطالة والاستبداد، ومساومة الشمال على حياتنا، وتكريس حضور الترامبية وإسرائيل والقبول بهما من لبنان وسوريا والعراق في الشرق، وصولًا للمغرب في أقصى الغرب.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

