الإبادة دليلًا للعالم الجديد
تصور البعض قبل أيام أن شخصًا ما يحاول سرقة خردة متروكة أمام، أو في محيط، مستشفى بحي المهندسين. لم يمنعوا هذا الشخص عن السرقة "المفترضة"، ولم يستدعوا الشرطة، قيدوه بحبل، واعتدوا عليه بدنيًا، وسحلوه.
أتعمد حكي الواقعة دون التسليم بأن هذا الشخص/الضحية، حاول السرقة. فكل شخص بريء حتى تثبت إدانته، وإن انقرض هذا المبدأ في أغلب سياقات حياتنا. وحَكيُ المشهدِ دون يقينية ضروري لرؤية مدى قسوته، والعنف المجاني البالغ فيه، ومفارقة أن يحدث أمام مستشفى، المكان الذي كان يشكل في وعينا القديم بيتًا للرحمة، قبل أن يتحول لمكان للإهمال أو للموت أو للاستثمار، وعبثية أن ما يُفترض أنه حاول سرقته كان خردة، مجرد خردة.
هذه الواقعة، التي تُعدُّ دلالة جديدة على حالة احتقان مجتمعي يعبِّر عن نفسه في صورة عنف وجرائم، ليست جديدة، تكررت بأشكال مختلفة منذ النصف الثاني من عام 2013، خلال الاحتقان والمواجهات التي أعقبت 3 يوليو. وحدث سحل وتعذيب وصلب وقتل في العلن وبمشاركة بعض عناصر "الجماهير" لأسباب سياسية وغير سياسية. كانت جرائم جماعية تصاحبها أخبار لا نعلم مدى صحتها، تنتشر فجأة، نتمترس خلفها باعتبارها حقائق مطلقة، لنكتشف لاحقًا زيفها، وأنها كانت مجرد شائعات وأكاذيب.
لا رحمة هنا
بدأت مطلع أغسطس/آب أزمة عبور عشرات الآلاف من الأشخاص سباحة من المغرب، لدخول مدينة سبتة الإسبانية في شماله. بعد ساعات من بداية الأزمة، كتبت مقالًا عنها لـ المنصة، وعن احتمالات تورط السلطات المغربية فيها عبر تسهيل عملية العبور الجماعي، تواطؤًا مع إسرائيل وإدارة ترامب لتقويض الحكومة الإسبانية اليسارية. من هذه الزاوية لا جديد سوى المزيد من الشكوك التي تتراكم، والألغاز التي لا تحل.
الجديد الوحيد أن الأرقام التي أوردتها في المقال السابق كانت التقديرات الأولية. حُدِّثت بعد نشره بأيام، فنعرف الآن أن عدد من عبروا في يوم واحد، بناء على وزارة الداخلية الإسبانية، أكثر من سبعين ألفًا، أي ما يقارب عدد سكان المدينة الأصلي، نسبة كبيرة منهم من الأطفال والمراهقين من الجنسين. دُفن في المدينة 82، أغلبهم مجهولون، غرقوا أثناء محاولة العبور. وعادت الأغلبية بعد يومين إلى المغرب، وبقي الآن ما يتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف من الهائمين في شوارع المدينة.
ينام أغلب هؤلاء في العراء، أو في خيام وأكواخ مرتجلة صنعوها على الشاطئ من بقايا الخشب وأفرع الشجر وبعض الأقمشة والخيش والبلاستيك. الطعام نادر، يتلقونه من حين لآخر من منظمات الإغاثة وتبرعات بعض السكان من المسلمين. وتعرضت 23 فتاة على الأقل لاعتداءات جنسية.
كالعادة، تبدأ الطبقة الوسطى في الصراخ والاستغاثة لمواجهة الفوضى، أو موجات الهجرة، أو غياب الأمن في الشارع، سواء في سبتة أو القاهرة
بعد شهر من بداية الأزمة، لا تزال قائمة دون حلول. تحولت لمادة صراع سياسي حاد بين الحكومة المركزية اليسارية وكل قوى اليمين، بتدخل من مجموعات فاشية ويمينية متطرفة، على أمل أن تشكل الضربة الأخيرة للحكومة اليسارية، فتنتهزها فرصةً لرفع درجة حرارة خطابات الكراهية والعنف العنصريين. فمنذ اليوم الأول دعي سياسيون وإعلاميون ينتمون لليمين المتطرف أهالي سبتة للخروج للشوارع لتطهير مدينتهم، وطرد المهاجرين، واستخدموا حرفيًا في دعواتهم تعبيرات من نوعية "اصطيادهم من الشوارع".
حدث ذلك فعلًا في حوادث متفرقة، تحولت تدريجيًا لحركة أكثر تنظيمًا بداية من يوم 25 أغسطس، واستمرت لعدة أيام؛ عنف عنصري منظم، يبدأ يوميًا من تظاهرات أهل المدينة الغاضبين من وجود المهاجرين، ثم ينسحب أغلب الأهالي، ليبدأ الهجوم المنظم على الشاطئ الذي يحتمي فيه أغلب المهاجرين، لاصطياد من لم يتمكنوا من الفرار، وتحطيم وحرق خيامهم وأكواخهم، فيما قوات الشرطة والجيش تراقب المشهد وتتجنب التدخل.
كالعادة، تبدأ الطبقة الوسطى في الصراخ والاستغاثة لمواجهة الفوضى، أو موجات الهجرة، أو غياب الأمن في الشارع، سواء في سبتة أو القاهرة. ثم تندم وتتراجع حين يتبنى من تراهم "رعاعًا" خطاب الفاشية وممارساتها. وإن كان العنف في حالة مستشفى المهندسين جماعيًا "عفويًا"، ناتجًا عن "سواد العيشة" والرغبة في تفريغ طاقة الغضب تجاه الأضعف، ففي حالة سبتة يستند على خوف السكان من الغريب، والشعور بأن الدولة تركتهم دون حماية أو حلول.
في هذه الحالة الأخيرة ليس عفويًا، فمن ينظمونه ويقودونه ينتمون لمجموعات النازيين الجدد المنظمة والحاضرة في الصفوف الأولى، لدرجة أن مظاهرة يوم 29 أغسطس ألغيت حين بدأت الطبقة الوسطى في الندم، وعلمت بوصول مجموعات نازية إضافية للمدينة، التي تحولت حسب تعبيرات هذه المجموعات لموقع معركة حاسمة ضد "غزو" الغرباء المسلمين لأوروبا، وضد اليسار.
صناعة الأكاذيب.. صناعة الكراهية
للإبادة في غزة سمات ووجوه يصعب إحصاؤها. إن حاولنا أن نخلق منها مثلثًا مختصرًا يُعبِّر عنها ويجسدها، سيتشكل من هذه الأضلاع: أولًا العنف المباشر والقتل والتدمير. ثانيًا التجويع ومنع وصول الغذاء ومواد الإغاثة. ثالثًا قتل الصحفيين، ألا يكون هناك شهود يحكون للعالم ما يحدث. الهدف النهائي للمثلث تطهير المكان من الفلسطينيين، أن يهجروا غزة بأكملها، كخطوة أولى ستليها الضفة الغربية، ثم الداخل المحتل في 1948.
استخدمت المجموعات المنظمة والأهالي الغاضبين في سبتة، معادلة المثلث الإسرائيلي نفسه، وحرفيًا. وإن كان بالطبع على نطاق شديد التخفيف يناسب هذه القطعة من أوروبا في شمال إفريقيا: العنف المباشر ضد المهاجرين وحرق مقتنياتهم وخيامهم وأكواخهم، والاعتداء على منظمات الإغاثة ومنعها من توزيع الطعام والمياه عليهم وطردها من المنطقة، وهو ما حدث مع الصليب الأحمر الإسباني أمام كاميرات التليفزيون، والاعتداء البدني واللفظي على الصحفيين، ومنعهم من حكي ما يحدث.
هناك ضلع إضافي يحول المثلث لمربع، مقتبس بدوره من الإبادة، ومن حملات اليمين المتطرف في أمريكا اللاتينية، ومن الدعاية الترامبية، استُخدم في هذه الموجة التي تعتبر أكبر موجة عنف عنصري في إسبانيا خلال العقود الأخيرة. يتمثل هذا الضلع في الارتفاع القياسي وغير المسبوق في تداول الأكاذيب والشائعات، واختلاق الصور والفيديوهات بتقنيات الذكاء الاصطناعي لتزكية الكراهية العنصرية والتحريض على العنف ضد المهاجرين.
يبدو وكأنها سَلَطة من الأخبار والمواضيع؛ مجموعة تسحل شخص أمام مستشفى في القاهرة، الإبادة في غزة، وأزمة المهاجرين الأطفال والمراهقين في سبتة. نعم، إنها سَلَطة متجانسة تمامًا، عناصرها متشابهة؛ صناعة خبر وتيار بشري، ولو في حيز مكاني محدود لا يتعدى بضعة أمتار أمام مستشفى، خلق حالة من الرعب، نزع السمات الإنسانية عن الآخر، رؤيته كشيء وليس كبشر، كراهيته، وممارسة العنف ضده دون رحمة، أيًا كان نوع العنف، منفلت أو منظم، وفي الحالتين جماعي.
ما أحدثته الإبادة أنها قدمت للعالم النموذج الصالح للتطبيق بأحجام مختلفة على حسب الظرف وطبيعة المكان، وعلى حسب قدرة القوى الفاشية واليمينية المتطرفة على التدخل والإدارة. ويظل العنف هو التعبير الأوضح عن صعود الفاشية والتطرف اليميني والديني والوطني، والأداة الوحيدة لحل الأزمة مع الآخر/العدو، حتى وإن كان عدوًا صغيرًا بحجم لص يحاول سرقة خردة متروكة في الشارع.
يمنحنا اللص الصغير، والمهاجر الطفل، فرصة تفريغ كل طاقات الكراهية والكبت والغضب بداخلنا، نتطهر عبره، لنشعر بأننا وطنيون أو ملتزمون دينيًا أو محافظون على نقاء دولتنا، سواء كانت إسرائيل أو إسبانيا. أو نشعر بأننا مواطنون صالحون صنعنا من هذا اللص عبرة مجتمعية. والمعضلة أن الاستغراب والفزع والدهشة من هذه الممارسات لا ينهي هذه الظاهرة العالمية، التي تعبر عن توحش المرحلة الزمنية التي نعيشها.
ربما ينتج عن فهم المثلث أو المربع طرق لمواجهته وتحطيم أضلاعه، وإدراك أن إنهاء العنف المجتمعي، أو تحقيق تحولات ديمقراطية، مستحيل فيما يتجاهل العالم الإبادة، ويتصالح معها.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

