لماذا أنت غني يا عمرو؟
-لماذا لم تصبح أحمد بهاء الدين يا أستاذ مفيد؟
-لم أطمح في أن أكون الأستاذ بهاء.
-أرى في إجابتك تعال على الأستاذ والمكانة التي وصل إليها.
-حاش الله.. لكن مشروعي......
-عن أي مشروع تتحدث؟ أنت فاشل وابن عاق يا أستاذ مفيد.
لا أعلم إن كان التليفزيون المصري أذاع الحوار المسجل بين مفيد فوزي وعمرو دياب، أو أنه سُجل ولم يُذع لسبب ما، وبقي في أرشيف التليفزيون حتى التقطه معدو برنامج العاشرة مساءً، وأذاعوه في وقت لاحق لا يمكنني تحديده.
حسب ما نستنتج من مجرى الحوار؛ فقد سُجل بعد إذاعة أغنية عبد الوهاب من غير ليه (مايو/أيار 1989)، التي احتلت أيامها الإذاعات والقنوات التابعة للدولة ولكتها لم تستطع التفوق على أغنية ميال (أكتوبر/تشرين الأول 1988) أي أننا في عام 1990 على الأغلب، بداية العقد الثاني من حكم مبارك؛ قبيل غزو العراق للكويت، وبداية تغير منطقتنا والعالم بانهيار الكتلة الشرقية.
ملخص الحوار رسالة الكبار موسيقيًا لعمرو دياب وجيله، يحملها مفيد فوزي باستعلاءٍ وكثيرٍ من الفظاظة؛ أنتم جيل فاشل، أبناء عاقُّون، لا تصنعون موسيقى، وستنتهون ولن يتذكركم أحد. فيما يملك الكبار/الرواد الجمهور الحقيقي، يوقظونه في التوقيت المناسب لشراء شريط كاسيت عبد الوهاب الجديد. أما أنتم فلكم الزعيق والضجيج، أنتم لا شيء.
هناك سؤال استنكاري حاضر في الحوار دون أن يُطرح صراحة "كيف ظهرتم دون أن ننتبه؟ كيف تجاوزتم وصايتنا وسلطتنا؟". وإن اختلف عمرو دياب مع ما ينقله إليه مفيد فوزي من آراء لعبد الوهاب أو محمد الموجي عنه وعن جيله، يتحول في لحظة لمتهم، هو وجيله، بالاستهزاء بهذه القامات الكبرى. وكأن على عمرو دياب كمتحدث في هذه اللحظة مجبرًا باسم الجيل أن يجيبه "عندهم حق.. نحن لا شيء".
المصيدة/المسلخة
أول ما يلفت الانتباه في الحوار، الترتيب المكاني/الجسدي للمشهد، المنافي لفكرة الحوار بين طرفين؛ الضيف محاصر، يقف على قدميه على حافة شرفة. هناك ضوضاء، لا يملك حرية الحركة، تفصله عن محاوره مسافة قصيرة لا تسمح ولو بمرور الهواء. يسقط من فوق ملابسه الميكروفون، فيعيد تثبيته من حين لآخر، فيما لا يتوقف المذيع عن قصفه بالأسئلة والأحكام، وبعض الإهانات، ولا ينتظر سماع أي إجابة. وعلى الضيف أن يغني في هذا الوضع مقطعًا من أغنية لعبد الحليم حافظ، ليثبت مفيد فوزي أمام "الجماهير" الفرق الشاسع بين الأصل والصورة.
دخل عمرو دياب المصيدة مجبرًا، لا يملك رفض دخولها من الأساس في زمن احتكار الدولة للإعلام المرئي والمسموع، وأمام مبعوث السلطة التليفزيونية، والموسيقية، وربما السياسية، مفيد فوزي، صاحب العلاقات والنفوذ، الذي جاء بطلب من مجهولين أو معروفين ليقوم بما ينافي المهنية؛ إحراج وإرباك هذا الشاب الذي يتصور نفسه نجمًا، وتجرأت أغنيته على التفوق في المبيعات على أغنية الأستاذ العظيم محمد عبد الوهاب. وإن كان الضيف قد انسحب أو قال رأيه صراحة، كان سيُعرِّض نفسه لمخاطرة كبرى؛ العزل، أو التجاهل التام، وأن يجعلوه منسيًا.
رغم ذلك استطاع عمرو دياب أن يقول بلسان زملائه وجيله جملة معبرة في نهاية الحوار "ربنا يكون في عوننا من اللي بتعملوه فينا". وبابتساماته، ونظرته، وكلمة "ماشي" الاستخفافية، عَبَّر عن حالة احتقار لسلطة القديم، ولشبكة العلاقات التي تمنح مفيد فوزي الحق في الإهانة. لم يرد له السؤال بأنهم ليسوا أم كلثوم أو عبد الحليم أو عبد الوهاب بأن يسأله "وأنت؟ لماذا لست هيكل أو أحمد بهاء الدين الذي تتلمذت على يديه؟" لكنه ترك لنا تخيل هذا الحوار الذي أوردته في بداية المقال.
عمرو دياب وعلي حميدة وحميد الشاعري ومحمد فؤاد وعلاء عبد الخالق وغيرهم لم يصبحوا عبد الحليم حافظ للأسباب نفسها التي منعت مفيد فوزي أن يصل لقامة أساتذته. درجة الموهبة عامل بالطبع، لكنه عامل صعب القياس.
ما يمكن قياسه هو الانحدار الثقافي والاجتماعي والتعليمي الشامل، المسؤولة عنه دولة ما بعد 5 يونيو 1967، الذي لم يعد يسمح بأن تنبت ظواهر جديدة بحجم عبد الحليم، الذي يصر مفيد فوزي على استدعاء طيفه، بعد أن حوله لشبح حاكم لكل ما سبقه ولكل ما يليه.
إن كان تردي مجمل الظروف السياسية والاجتماعية، والمشروع القومي المنهار، والصحافة الأمنية وغير المهنية، لا تسمح بأن يكون هناك هيكل أو بهاء الدين أو مصطفى أمين جدد، ففي مجال الموسيقى والفنون يضاف لتلك العوامل غياب الدولة وشركات الإنتاج الكبرى التي صنعت مجد عبد الحليم. وبغيابها لم تعد هناك سوى الشركات التي لا تسعى إلا للربح. إنه الانهيار الذي حول المنتجات الفنية لمجرد سلعة استهلاكية سريعة، وليس أداة لترويج المشروع القومي وللمتعة الحقيقية. وهو الانهيار الأخلاقي أيضًا، الناتج عن الانهيار الكبير على كل المستويات، الذي يسمح للملحن حلمي بكر في سنة ظهور أغنية لولاكي، أن يصف مغنيها وملحنها علي حميدة بأنه "راعي غنم".
السلطوية الطبقية
كان لحلمي بكر سطوة داخل الإذاعة والتليفزيون والنقابة ولجان الاستماع، وغيرها، تستطيع الإضرار بالكثيرين. ولأن علي حميدة وجيله لم يخرجوا من عباءته، بل من عباءات زملائهم من نفس الجيل، ورغمًا عن المؤسسة، استدعى الطبقية والعنصرية للهجوم على أغنية لحنها وغناها أستاذ في المعهد العالي للموسيقى وحققت إيرادات قياسية، قبل أشهر من "مسلخة" مفيد فوزي لعمرو دياب.
يعاير بكر زميله المفترض بأنه بدوي، في بلدٍ البدوُ فيه مواطنون كاملو الحقوق، والرعي فيه عمل شريف لا يستدعي المعايرة. المفارقة المضحكة هنا أن راعي الغنم كان على درجة أعلى في الأكاديمية الموسيقية ممن وجه إليه الإهانة. فحلمي بكر تخرج من معهد الموسيقى ليعمل مدرسًا في مدرسة. فيما نال علي حميدة درجة الدكتوراه وأصبح أستاذًا في أكاديمية الفنون.
إنها الطبقية والعنصرية التي تظهر ضد الفنانين إن حققوا انتصارًا أو نجاحًا ينتسب لزملائهم من الجيل نفسه، دون فضل من أصحاب السلطة، هؤلاء الذين يسميهم مفيد فوزي بالرواد. معتبرين أن هذا النجاح تمرد على المنظومة بأكملها، فيتحولون لخطر على التراتب القديم المستقر، فيُرسل إليهم من يحاول تحطيمهم، وإهانتهم، ووصف جمهورهم بأنه يسمعهم بالأيادي والأرجل وليس بالآذان.
في نهاية حواره مع عمرو دياب يسأله مفيد فوزي عن نوعية سيارته ومتى اشتراها وكأن ليس من حقه النجاح المالي المترتب على النجاح الفني التجاري
استدعاء عبد الحليم المتكرر كنموذج غنائي فريد لن يظهر من يتجاوزه، يستدعي بالضرورة سينماه التي لعبت دورًا أساسيًا في الترويج لمشروعه الغنائي. فأين السينما والزمن والمجتمع والمؤسسات وكل الظروف السياسية والاجتماعية التي صنعت عبد الوهاب وعبد الحليم؟ لم يتبق منها في زمن مبارك سوى محاولة فرض الوصاية. وفي الزمن الحالي الأكثر شراسة بما لا يقارن، وصاية نجهل في أغلب الأحيان هوية من يفرضها.
في نهاية حواره مع عمرو دياب يسأله مفيد فوزي عن نوعية سيارته ومتى اشتراها، بمنهج حلمي بكر نفسه، الطبقي الاستعلائي على "راعي الغنم". وكأن ليس من حقه النجاح المالي المترتب على النجاح الفني التجاري. فيصبح مدانًا لأنه يركب مرسيدس بعد أن كان ابن ناس بسطاء في بورسعيد. وكأنه لم يعانِ بما فيه الكفاية.
لم ينتبه المذيع في تلك اللحظة إلى أن السوق والمجتمع تغيرا، وأن القنوات التي يصل عبرها المغني لجمهوره لم تعد كلها بيد السلطة والرواد. وأن جمهور عمرو دياب أو غيره لا يعنيه متى اشترى المرسيدس، وإن كان قد عانى بالقدر الكافي أم لا.
الحديث عن السيارة يقترن بالإشارة لملابس المغني باستهتار، ووجهه الجميل. وكأنها عوامل لم تصنع النجوم سابقًا، ومن قبل زمن عبد الحليم وبعده. لكنه بحصاره استطاع إرباك المغني، ليعترف بأهمية السيارة قبل أي شيء آخر، فينال مفيد فوزي بعض الانتصار الذي جاء بحثًا عنه.
الفردانية في مواجهة السلطة
في "آيس كريم في جليم" لخيري بشارة (1992) الذي تحدثت عنه في المقال السابق، كانت كل البنات تحب سيف/عمرو دياب. وفي عيد ميلاده غنى له أصحابه دانة. إنه الجوهرة، النجم المتفرد، المحافظ على تميزه وكاريزمته. ليس فقط أمام جمهوره، بل أمام من يمثلهم مفيد فوزي بحواراته الصحفية المتعالية. وربما لذلك نفسه بقي عمرو دياب، فيما غاب أغلب أفراد الجيل، تفرقوا، أو ماتوا، أو تقاعدوا، أو اكتئبوا. وظل النجم الفرد، عمرو دياب بعد أن عبر من حواره مع رسول الأبوية والاستعلائية والسلطة.
كانت حقبة مبارك البداية الصريحة لمسار التكلس والتعفن في السياسة وفي الإعلام وفي الثقافة. فكان طبيعيًا أن يظهر في مواجهة هذا التكلس، وفي مواجهة رفع يد الدولة عن الإنتاج الثقافي والفني، ظواهر متمردة، أيًا كانت درجة إعجابنا بها أو رفضنا لها. من بينها ما أسموه بـ الأغنية الشبابية، التي منحت الزمن الرمادي الممل بعض الألوان. ومن بينها سينما الثمانينيات المختلفة في محاولتها لخلق علاقات جديدة بين السينمائي والواقع وكيفية رؤيته. ومصيرهما كان واحدًا، تراجعت الظاهرتين، وتفرق أغلب صناعهما في الأغنية وفي السينما، فيما عدا استثناءات قليلة.
الكتابة الآن عن عمرو دياب الذي أصبح هضبة ليست فقط استجابة لسلعة النوستالجيا التي يروجها من ضمن سلعه. إنها أيضًا حجة للعودة للحظات من تاريخنا الفني والثقافي، والوقوف سريعًا عند بعض من تمردوا على سلطة الآباء والرواد، وتمردوا على تقليد أن يقدم الأساتذة الكبار الشاب الموهوب ليكون تابعًا لهم، سواء في الغناء كعمرو دياب، أو في السينما مثل خيري بشارة وطارق التلمساني وجيلهما.
يبقى السؤال الذي لا إجابة له، من الذي سيتمرد مستقبلًا تمردًا حقيقيًا على سلطة الكبار إن وجدوا، وسينجح ويستمر؟ فأن يكون الابن عاقًا بتعبير مفيد فوزي، ويخرج من أسوار العناية الإلهية للقديم والمستقر، هو المغامرة الكبرى.
