حجاب أطول جيبة أقصر.. ملابس الموظفات تحددها "تعليمات الإدارة"
"البنطلون ممنوع. الألوان الفاقعة ممنوعة. الكعب العالي ممنوع. الحجاب لازم يكون أطول من كده. المكياج ممنوع تمامًا" هذه هي التعليمات التي تلقتها سارة عادل، 26 سنة، من مديرتها في أول أيام عملها معلمة في روضة أطفال خاصة في مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، رغم أنها لم تقرأ أو تجد أيًا من هذه الشروط في عقد العمل الذي وقعته قبل أسبوع.
تقول سارة الحاصلة على ليسانس آداب جامعة القاهرة، لـ المنصة "كنت متوقعة إن أول يوم شغل التعليمات تكون عن مواعيد الحضور أو طبيعة الشغل، وخرجت من المكتب بسأل نفسي هو أنا جاية علشان أشتغل ولا علشان كل يوم يقولوا رأيهم في لبسي وشكلي؟".
تضيف سارة أنه خلال الأشهر التالية لم تتوقف الملاحظات على الملابس، فكل قطعة ملابس ترتديها أصبحت محل تقييم وتعليق وإهانة، وكل محاولة للاعتراض كانت تقابل بجملة واحدة "دي تعليمات الإدارة، وأولياء الأمور لو شافوا المُدرّسة بالمنظر دا هيقولوا علينا إيه؟ إحنا لازم نحافظ على الصورة الإسلامية للحضانة".
لكن على بعد كيلو مترات قليلة من الروضة التي تعمل بها سارة، كانت هند صابر، 28 سنة، تواجه تعليمات مغايرة تمامًا.
التحقت هند بالعمل معلمة بمدرسة دولية خاصة بأحد كمباوندات منطقة الشيخ زايد في الجيزة، بعد أن اجتازت مقابلة التوظيف اعتمادًا على خبرتها في التدريس وحصولها على بكالوريوس في التربية من جامعة حلوان. كانت تعتقد أن تقييمها سيتوقف عند أدائها في التدريس وتعاملها مع الطلاب، إلا أن أولى ملاحظات إدارة المدرسة تركزت على مظهرها الخارجي.
تقول هند لـ المنصة "طلبت مني المديرة خلع الخمار واستبداله بحجاب قصير أو سكارف، والاهتمام بمظهري ووضع المكياج وعدم ارتداء الفساتين أو الجِيَب الطويلة".
وتضيف هند "المديرة قالت لي لازم هنا كل المدرسات يكونوا ستايل، ويعكسوا صورة إيجابية عن المدرسة، أنا مش عاوزة أشوف اللبس البيئة بتاع الفلاحين ده تاني، أنا لو كنت شوفتك يوم المقابلة بالمنظر ده أنا ماكنتش قبلتك أصلًا".
ما تتعرض له سارة وهند يعرف بـ"الوصاية على ملابس النساء" وهي ممارسات تفرض رقابة وقيودًا وتدخلات من جانب إدارة العمل أو المسؤولين بما يتجاوز القواعد المهنية المتعلقة بطبيعة الوظيفة. وتفرض على المرأة تصورًا محددًا لما ينبغي أن ترتديه أو كيف يجب أن يظهر جسدها وشعرها، وتصبح هذه الممارسات إشكالية عندما تتحول من تنظيم مهني مشروع له أسباب محددة إلى سلطة على جسد المرأة ومظهرها، أو عندما تُستخدم للتمييز أو الإهانة أو التهديد أو التأثير في حقوقها وفرصها الوظيفية.
قيم فردية أم مؤسسية
لا يحق للمؤسسة أو صاحب العمل أو المدير التدخل أو التعليق على ملابس الموظفة أو مظهرها الشخصي طالما لا تخالف النظام العام، حسب أحمد مجدي حسنين، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة.
ويضيف لـ المنصة "يحق لمكان العمل وضع قواعد محددة ومعايير واضحة للزي داخل مكان العمل شرط أن تكون واضحة ومعلنة ومكتوبة سابقًا قبل التعاقد"، مشيرًا إلى أنواع الوظائف التي تتطلب زيًا معينًا "زي الشركات الغذائية لأسباب متعلقة بالسلامة والتعقيم، ووظائف الأمن والحراسة ومضيفات الطيران وغيرها".
تعترض مي صالح، استشارية النوع الاجتماعي ومديرة برنامج النساء والعمل بمؤسسة المرأة الجديدة على العبارات الفضفاضة في تحديد ملابس النساء، وتقول لـ المنصة "عبارات زي لبسك مش مناسب، استري نفسك، أو شكلك ملفت، أو اهتمي شوية، دون معيار مهني واضح، أو تدخلات في تفاصيل شديدة الخصوصية مثل طول الشعر، كشفه أو تغطيته، شكل الجسم أو درجة الاحتشام، جميعها أمثلة على التمييز ضد المرأة في العمل وانتهاك للكرامة الإنسانية".
لا تعبر هذه العبارات عن النظام العام بقدر ما تعكس قيمًا اجتماعية يتبناها القائمون على العمل وهو ما يؤكده حسن أحمد أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس لـ المنصة "قد ينقل المديرون أو أصحاب العمل قيمًا منتقاة للمؤسسة، فيتعاملون مع الموظفة كما لو كانوا أوصياء على شكلها ومظهرها وطريقة لبسها، رغم أن دورهم المهني يقتصر على تقييم الأداء لا أكثر".
ولا تقف هذه الوصاية عند حدود تفضيلات فردية لدى المدير أو صاحب العمل، إذ قد تتحول إلى قواعد فعلية تحكم شكل الموظفات ومظهرهن، وتؤثر في تقييمهن واستمرارهن في العمل. يضيف أستاذ علم الاجتماع "بعض أصحاب العمل يربطون بين شكل النساء وملابسهن والصورة الذهنية التي يريدون تصديرها عن المؤسسة، وهي تصورات تختلف باختلاف الثقافة والبيئة والمستوى الاقتصادي".
ويرى أنه دون سياسة معلنة تحدد أين تنتهي سلطة صاحب العمل وأين تبدأ حرية الموظفة في اختيار ملابسها تتحول قواعد المظهر إلى وسيلة للتحكم وفرض الوصاية.
يمكن تفسير ذلك وفق مفهوم "الهابيتوس" لدى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي يشير إلى أنماط التفكير والسلوك التي يكتسبها الأفراد من محيطهم، فتبدو بعض القواعد والتوقعات طبيعية وبديهية دون حاجة إلى تعليمات صريحة. وفي هذا السياق، يعمل العنف الرمزي بصورة خفية حين تُفرض معايير معينة باعتبارها طبيعية، فيلتزم بها الأفراد دون وعي بأنهم يخضعون لشكل من أشكال الهيمنة.
وتتحول معايير مثل الاحتشام و"الملاءمة المهنية" إلى أدوات للضبط حين تتكرر التعليقات والتقييمات والتدخلات في مظهر النساء وملابسهن. ومع الوقت، تنتقل الرقابة من الخارج إلى الداخل، فتبدأ المرأة في اختيار ملابسها وفق ما يُتوقع منها، لا وفق رغبتها أو اختيارها الشخصي.
الحكومة تعرف أكثر
تمتد هذه الثقافة إلى المؤسسات الحكومية، يظهر ذلك بوضوح في تجربة دينا عبد الله، 25 سنة، في العمل مُدرسةً بنظام الحصة في قرية ريفية تابعة لمركز منشأة القناطر بمحافظة الجيزة.
تقول لـ المنصة "كل ما أمشي في المدرسة ألاحظ زمايلي يبصوا لي بتركيز ويغمزوا لبعض أو يتكلموا بصوت واطي ومكنتش فاهمة السبب". هذا اللمز تحول إلى تعليمات صريحة "استدعاني المدير وقال لي إحنا هنا مدرسة محافظة ونحب نحافظ على أخلاق أولادنا، البناطيل المحزقة دي ما تجيش بيها تاني، والبسي الطرحة من قدام ويكون الحجاب طويل".
رفضت دينا طريقة مديرها في الحديث معها وأبلغته أن ملابسها محتشمة ومظهرها لا يؤثر على أدائها في التدريس أو على الطلاب داخل الفصل. لكن، حسب روايتها، مُنعت من دخول المدرسة بعد أسبوع "رحت الإدارة التعليمية وقدمت شكوى، قالوا لي السبب هو شكوى من المدير إني مش متعاونة وإنه مش محتاج وجودي لأن عنده مدرسين بدائل وإن عملي بالمدرسة انتهى".
تمثل حالة دينا، مثالًا صريحًا على الفصل التعسفي القائم على التمييز يقول أحمد مجدي حسنين المحامي "إذا رفضت الموظفة تغيير طريقة لبسها وفصلها المدير تعسفيًا يحق لها تحرير شكوى في مكتب العمل الذي تتبعه جهة العمل وفي هذه الحالة يحقق مكتب العمل في الشكوى بحضور ممثل عن الشركة أو المؤسسة، وفي حال عدم التوصل لحل من خلال مكتب العمل يمكن للموظفة اللجوء للمحكمة العمالية للحصول على حقوقها".
إلا أن مي صالح تؤكد أن القانون الخاص بالحماية من الفصل التعسفي لا يمكنه مساعدة دينا،"هي مش متعينة وعشان كده القانون ما ينطبقش عليها".
ميزان القوى
تتعرض كلٌّ من هبة سليمان وجيلان يوسف للممارسات والتدخلات نفسها، إلا أن المفارقة تكمن في انتمائهما للعمل داخل المؤسسة نفسها وتلقيهما تعليمات متضاربة.
هبة، 24 سنة، تعمل معيدة بكلية الهندسة قسم العمارة بإحدى الجامعات الخاصة في نطاق القاهرة، "عميد الكلية استدعاني لمكتبه وقال لي بنبرة فيها حزم إنتي ليه أوفر كده؟ إزاي تقفي على البورد (طاولة الرسم الهندسي) وسط الطلبة باللبس ده والشعر ده؟ إحنا في كلية هندسة مش في عرض أزياء، يا ريت تطولي لبسك شوية وبلاش الجيبات والبسي بنطلون ولمي شعرك".
على الجانب الآخر من الحرم الجامعي نفسه، في كلية الإعلام تلقت جيلان يوسف، 25 سنة، والمعيدة بقسم الإذاعة والتليفزيون تعليمات مغايرة لزميلتها. تقول "عميد الكلية ورئيس القسم بيعلقوا باستمرار على ملابسي بطريقة مهينة"، وتضيف لـ المنصة "العميد قال لي مرة ده شكل واحدة بتدرس لطلبة هيبقوا إعلاميين؟! إنتي شبه الدواعش، إيه الحجاب الغريب ده واللبس ده؟ شوفي زميلاتك من الدكاترة بيلبسوا بشياكة وأناقة ازاي واتعلمي منهم".
وتفسر أمل الخولي الباحثة في دراسات النوع الاجتماعي هذه الممارسات لـ المنصة "بعض المدراء أو أصحاب العمل يربطون بين المرأة المناسبة للعمل ومظهر معين متخيل، سواء كان أكثر احتشامًا أو أكثر عصرية بحسب ثقافة المؤسسة، وهو ما قد يؤثر في فرص التوظيف أو الترقية".
ونظرًا لميل ميزان القوى لكفة المدير أو صاحب العمل أو رئيس العمل الذي يملك سلطة التعيين أو التقييم أو الترقية تتحول ملاحظاته بشأن المظهر إلى آلية لفرض النفوذ والهوى الشخصي، خاصة إذا لم تكن هناك سياسات واضحة داخل المؤسسة، حسب حسن أحمد أستاذ علم الاجتماع.
إذا تعرضت موظفة لإهانة بسبب ملابسها يحق لها اتخاذ إجراءات قانونية ضد المسؤول عن هذه الإهانة، وفي هذه الحالة تنقسم الإجراءات إلى قسمين، قسم إداري وهو تقديم شكوى للشؤون القانونية الخاصة بالمؤسسة ويتم التحقيق فيها، وثانيًا يمكنها تقديم بلاغ للنيابة العامة ضد المتعدي عليها بالإهانة، وفي هذه الحالة تتولى النيابة التحقيق في الواقعة، وفي حالة ثبوتها يُقدَّم المسؤول عنها للمحاكمة، وفق أحمد حسنين المحامي.
لكن لم تُقدِم أيٌّ ممن التقتْهنَّ المنصة على خطوةٍ كتلك، إذ لا تزال سارة تعمل معلمة بعدما استجابت لتعليمات الإدارة لتصبح ملابسها أكثر احتشامًا بما يتوافق مع القواعد المفروضة، أما هند فلم تستطع مجاراة تلك التعليمات، فلطبيعة أسرتها المحافظة لم يكن ارتداء البنطال أو بعض الملابس العصرية خيارًا متاحًا لها من الأساس. ومع استمرار ضغوط الإدارة انتهى بها الأمر إلى ترك العمل.