عقود الإيجار تعطل خطط "كاري أون"
من مجمع الغلابة إلى سوبر ماركت
في سبتمبر/أيلول 2025، افتتح وزير التموين ثلاث محال سوبر ماركت، وجاء بعدها الفرع الرابع في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، حملت الفروع الجديدة علامة تجارية واحدة "كاري أون/Carry On"، وبدا الاسم المكتوب بالإنجليزية وكأنه يحاول منافسة سلاسل المحال الشهيرة في مصر مثل كارفور وباندا وغيرهما.
توقف انتشار البراند الجديد عند هذا الحد، ثم عادت "التموين" في الأشهر الأخيرة للحديث بحماس عن التوسع في هذه السلسلة، بالتزامن مع خطة واسعة لإعادة هيكلة نظام الدعم التمويني بحيث تتولى منافذ "كاري أون" صرف السلع لحاملي البطاقات التموينية.
لا تخطط الحكومة للإطاحة بشبكة المجمعات الاستهلاكية الهائلة المنتشرة في المحافظات والمدن الرئيسية، ولكن تفكر في تطويرها من خلال "جهاز مستقبل مصر"، لكي تصبح قادرة على مواكبة نظام التموين الجديد الذي يهدف لبيع طيف واسع من السلع مثل الدواجن واللحوم المجمدة، التي تحتاج لأنظمة تبريد متطورة لا توجد في المنافذ القديمة.
وبينما تعمل وزارة التموين حاليًا، على عَجل، للتوسع في هذه الخطة، أشار وزير التموين في تصريح مقتضب إلى أن عملية التطوير ليست سهلة، لأن العديد من المنافذ غير مملوكة للوزارة وتستأجر أماكن عملها بنظام الإيجار القديم الذي ألغي بحكم القانون، في أغسطس/آب 2025، وحدد مدة 5 سنوات لتحرير العلاقة الإيجارية بالكامل بين المؤجر والمستأجر للوحدات ذات الأغراض التجارية والإدارية، مع إقرار زيادة 15% سنويًا طوال المدة الانتقالية.
وبالحديث مع مسؤولين في شركات المجمعات الاستهلاكية، تبين أن شركاتهم تخوض حاليًا مفاوضات مع ملاك العقارات، الذين لا يرضون بالإيجارات الحالية ويرغبون في رفع قيمتها من بضع مئات من الجنيهات إلى عدة آلاف مستفيدين في ذلك من تعديلات قانون الإيجار القديم.
لا تملك إلا ربع فروعها
خلال الأشهر الأخيرة خاضت إدارة شركة النيل للمجمعات الاستهلاكية، أحد أكبر أذرع وزارة التموين لتوزيع السلع، نقاشات داخلية حول خطة تحويل أفرعها، التي يصل عددها إلى 1060 فرعًا، إلى مقار حديثة مزودة بأجهزة التبريد ونظم التخزين المتطورة، لكي تكون جديرة بحمل البراند الجديد " كاري أون"، لكنهم توصلوا لضرورة استبعاد عدد كبير من الفروع لأن الشركة مهددة بالطرد منها، بحسب مسؤول بإدارة فروع الشركة تحدث لـ المنصة.
وقال المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، إن الشركة تعتمد بشكل أساسي على استئجار المنافذ التي تعمل بها، فهي لا تمتلك إلا نحو 25% من فروعها، والنسبة الباقية ثلثها على الأقل مؤجر بنظام الإيجار القديم، وهي مصدر قلق للشركة في الوقت الحالي.
شعور المسؤولين بالورطة يعزى إلى أن تفاصيل منظومة الدعم الجديدة لم تضح بعد
ويشرح المصدر أن الشركة مهددة بالطرد من عقود الإيجار القديم، لأن ملاك العقارات لا يرتضون بقيم الإيجار التي تتراوح بين 300 إلى 500 جنيه في الشهر، ويطمحون للحصول على إيجارات بين 10 آلاف إلى 30 ألف جنيهٍ شهريًا.
ولا تستطيع الحكومة إلزام ملاك العقارات بتأجير وحدات للمجمعات الاستهلاكية منذ 2018، بعد صدور حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم سريان قانون الإيجار القديم على الوحدات غير المستخدمة في غرض سكني.
"مطالب الملاك وضعت الشركة أمام معادلة صعبة" كما يتحدث المسؤول، مضيفًا "إما أن تتحمل الشركة تكلفة إيجارية جديدة قد تُفقد الفرع جدواه الاقتصادية، أو أن تسلم الفرع لمالكه والبحث عن مقر بديل مناسب لمتطلبات المشروع الجديد".
شعور المسؤولين بالورطة يعزى إلى أن تفاصيل منظومة الدعم الجديدة لم تتضح بعد، فهم مُطالبون بتطوير الفروع، وفي نفس الوقت لا زالوا يبيعون السلع التموينية بأسعار مُخفضة لحاملي بطاقات التموين، لذا فهم يتخوفون من عدم القدرة على سداد الإيجارات الجديدة بسبب هوامش الربح المنخفضة حاليًا.
"المبيعات الإجمالية للمنفذ الواحد تتراوح حاليًا بين 150 و250 ألف جنيه شهريًا، ولا يتجاوز هامش الربح 40 ألف جنيه شهريًا في أفضل الأحوال، وتُخصم من هذا الربح لاحقًا تكاليف فواتير الكهرباء والمياه وأجور العمالة" كما يضيف المصدر.
ويشرح المصدر أن المثال السابق لهامش الربح ينطبق بشكل أكبر على منافذ الإيجار القديم، لأنها الأقدم والأقل استعدادًا لبيع سلع متنوعة، تموينية وحرة، بينما منافذ الإيجار الجديد تستطيع تحقيق هوامش أكبر، لذا فهي أقدر على تحمل الإيجارات المرتفعة.
ولا تقتصر هذه الحالة على شركة النيل، ولكنها تتكرر في منافذ الشركة المصرية لتجارة الجملة، بحسب ما قاله محمد عبد المنعم، مدير فرع تجزئة بالشركة في محافظة الجيزة.
لكن عبد المنعم يشير إلى أن التفاوض مع الملاك في حالة الشركة المصرية لتجارة الجملة قد يكون أيسر بالنظر إلى انتشار الكثير من فروع الشركة في مناطق تتسم بانخفاض التكلفة الإيجارية فيها مثل محافظات الصعيد.
"نحاول التوفيق الودي مع أصحاب العقارات الذين يطلبون تعديل الإيجار بدلًا من اللجوء للقضاء، والوصول لسعر إيجار جديد مناسب للطرفين" كما يضيف عبد المنعم لـ المنصة.
وتعد النيل للمجمعات الاستهلاكية أكبر شبكة لمنافذ التموين، والتي تم دمجها مع الأهرام للمجمعات الاستهلاكية في 2022، لكن فروعها تركز على تغطية محافظتي القاهرة والجيزة فقط.
يليها في العدد الشركة المصرية لتجارة الجملة، 360 فرعًا، والعامة لتجارة الجملة، 250 فرعًا، وهما الأكثر انتشارًا في المحافظات، وأخيرًا الإسكندرية للمجمعات الاستهلاكية، 45 فرعًا، بحسب بيانات جمعتها المنصة من مسؤولين في وزارة التموين.
البحث عن منافذ بديلة
في مقابل مصاعب التفاوض مع ملاك العقارات، فإن شركات المجمعات الاستهلاكية مطالبة بالمشاركة في خطة طموحة للتوسع السريع في "كاري أون" التي من المفترض أن يزيد عددها خلال الأشهر القليلة المتبقية من العام من أربعة أفرع إلى 39 فرعًا، بحسب ما قاله العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة القابضة للصناعات الغذائية، علاء ناجي، لـ المنصة.
ويلفت المسؤول بشركة النيل إلى أن مشكلة المجمعات الاستهلاكية مع عقود الإيجار لم تبدأ فقط مع خطة التطوير، ولكنها ممتدة منذ سنوات، إذ أن العديد من ملاك العقارات كانوا ساخطين على الإيجارات المنخفضة التي تقدمها الشركة ولجأوا للقضاء خلال السنوات الأخيرة، وبالفعل جرى فسخ نحو 150 عقدًا للشركة بأحكام قضائية.
وفي مواجهة هذه المشكلة يقول المصدر إن شركة النيل تحاول التعاون مع جهات حكومية أخرى لتوفير منافذ بديلة مملوكة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، المسؤولة عن قطاع المجمعات وشركات أخرى.
"تشمل المنافذ البديلة مواقع تابعة لشركات مثل مطاحن شمال القاهرة، والنيل للزيوت والصابون، والسكر والصناعات التكاملية، والشركة العامة لمخابز القاهرة الكبرى" كما يقول المصدر بشركة النيل للمجمعات.
وأشار إلى رغبة الوزارة في عدم ترك فجوات جغرافية في شبكة البيع الحكومية بعد خروج أي فرع من الخدمة، خصوصًا أن المشروع الجديد لا يستهدف مجرد تغيير اللافتات، وإنما بناء شبكة تجارة تجزئة حكومية أكثر تكاملًا.
وهو ما أكده أيمن عبد العزيز، مدير فروع القناة بالشركة العامة لتجارة الجملة، الذي قال إنه حضر اجتماعات في وزارة التموين ناقشت إمكانية الاستفادة من شبكة فروع الشركات الحكومية في تعويض أي نقص يحدث في أعداد المنافذ نتيجة خروج بعض المواقع المستأجرة، بالتوازي مع تطوير الفروع التي تتمتع بمواقع مناسبة وحركة بيع مرتفعة.
بنهاية العام الحالي، قد تتضح مدى مصداقية تصورات الحكومة عن قدرتها بشأن توسيع نطاق شبكة التموين الجديدة بالسرعة التي تخطط لها، لكن الأمر لن يقتصر على تحديات توفير منافذ بإيجارات مناسبة للحكومة ولكن أيضًا بالقدرة على توفير توزيع متوازن للفروع في كافة المناطق التي تحتاج لهذه الخدمة، وتوفير بنية لوجستية للتخزين وشبكات النقل تساهم في تحسين الخدمة المقدمة للمواطن.

