عام الغضب.. دلالات 100 احتجاج عمالي في 2025
قبل عامٍ، بشَّرنا خبراء الاقتصاد بسنةٍ جديدةٍ يهدأ فيها معدل التضخم بعد طفراته التي عشناها منذ 2022، وتهبط أسعار السلع والخدمات الأساسية بعدما وصلت لمستويات لم نتصورها.
وبالفعل بدأ التضخم مسيرة تراجعه بعد صفقة رأس الحكمة في 2024 بفضل ما أسهمت فيه الصفقة من استقرارٍ لسعر صرف الدولار، مع ذلك لم تتقلص الفجوة الكبيرة بين الأجور والأسعار التي خلفتها السنوات السابقة وبقيت كما هي تلقي بعبئها الثقيل على حياة الملايين من العمال.
تحت ضغط هذه الظروف وفي عام 2025، شحذ العمال همتهم في العديد من المواقع لإنقاذ أجورهم من التضخم والمطالبة بالحصول على الحد الأدنى، المحدد من الحكومة، علّه يساهم ولو بالقليل في توفير حماية من العوز والاحتياج، وفي 16 يناير جاءت الشرارة الأولى من عمال T&C للملابس في العبور الذين تظاهروا تعبيرًا عن غضبهم لعدم تخطي رواتبهم الشهرية آنذاك الـ5200 جنيه.
المنصة تابعت 100 احتجاج عمالي، امتدت على مدار العام الماضي، من الإسكندرية حتى أسوان، شارك فيها آلاف العمال، وحملت مئات القصص، حقق بعضها مكاسب، فيما مُني البعض الآخر بهزائم زادت من معاناة العمال، لكنها صقلت تجربتهم.
عمال الصناعة يقودون الاحتجاجات
قد يكون العدد الفعلي للفعاليات العمالية أكبر، لكن ما رصدته المنصة في 2025 وصل إلى 100 احتجاج، تنوعت خلالها الممارسات العمالية بين 28 إضرابًا، كليًا وجزئيًا وتباطؤيًا، و64 وقفة، وتظاهرة، و8 اعتصامات، كما تخللت هذه الممارسات محاولة انتحار وقعت في شركة سكر كوم أمبو في أسوان.
ويرصد منسق دار الخدمات العمالية كمال عباس، في حديثه مع المنصة، زيادةً ملحوظةً في النشاط الاحتجاجي عام 2025 عن الأعوام السابقة له، مؤكدًا أن هذه الاحتجاجات مدفوعةٌ بالأساس بموجات ارتفاع الأسعار.
وسجل التضخم قفزاتٍ تاريخيةً منذ عام 2022، مدفوعًا بتذبذب سعر الصرف، أو ما يُعرف بـأزمة الدولار، لكنه بدأ في التراجع منذ 2024، ووصل إلى 10% في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قرب أدنى مستوى وصل إليه قبل بدء الأزمة منذ نحو أربعة أعوام.
ورغم أن القطاع الصناعي التقط أنفاسه مع تراجع أزمة الدولار، حيث أظهر مؤشرات للتعافي وتحسن وتيرة الإنتاج خلال العام الماضي، فإن هذا التعافي لم ينعكس على الأجور، ليسجل هذه القطاع النسبة الأكبر من الاحتجاجات خلال العام بواقع 51 احتجاجًا.
غير بعيد عن الصناعة، احتفظ قطاع المرافق العامة بعدد من أبرز مساحات الاحتجاج خلال العام الماضي، وبعد أن كانت الاحتجاجات تقتصر على العمال المؤقتين في القطاع، امتدت خلال النصف الثاني من العام لتشمل العمال المثبتين، الذين اشتكوا لـ المنصة ضمن متابعاتها للحراك العمالي من أن أجورهم عاجزة عن سد حاجات أسرهم بالرغم مما يتمتعون به من مميزات التثبيت.
حازت محافظة القاهرة المركز الأول في عدد الاحتجاجات، بواقع 38 احتجاجًا، وهو معتاد ومتوقع في ظل مركزية النشاط الاقتصادي في العاصمة، لكن اللافت زيادة النشاط الاحتجاجي في الصعيد، حيث شهدت محافظات شمال وجنوب الصعيد 29 احتجاجًا خلال العام الماضي.
تجدر الإشارة إلى أننا رصدنا عدد الاحتجاجات على مستوى الشركات وليس على مستوى عدد المواقع داخل الشركة الواحدة، ولو أحصينا عدد المواقع لقفز العداد إلى أكثر من 150 احتجاجًا، فعلى سبيل المثال شهد اليوم الثاني من احتجاجات عمال شركة مياه الشرب في القاهرة، التي استمرت 12 يومًا خلال نوفمبر الماضي، وقفات احتجاجية امتدت لـ30 موقعًا.
"الحد الأدنى" شرارة الاحتجاجات
بينما كان العمال يصارعون لتطبيق الحد الأدنى السابق (6 آلاف جنيه)، دون أن يتمكنوا من نيل هذا الحق، جاء قرار المجلس القومي للأجور في فبراير/شباط الماضي برفع الحد الأدنى بالقطاع الخاص من 6 إلى 7 آلاف لتشتعل موجة عاتية من الاحتاجات مستمرة حتى اليوم.
وتصدر تطبيق الحد الأدنى للأجور مطالب 70% من الاحتجاجات تقريبًا، بينها سيراميكا إينوفا، ومياه الشرب في القليوبية، ووبريات سمنود، والمصرية لتجارة الجملة، وفرج الله للصناعات الغذائية، والنادي الأهلي، ومؤسستا الوفد والبوابة نيوز.
وتظهر قرارات الحد الأدنى المتواصلة الفجوةَ الكبيرةَ بين ما يتقاضاه العمال فعليًا من أجور، وبين هذا الحد، ليس فقط داخل القطاع الخاص بل وداخل المؤسسات الحكومية نفسها، التي تُشغّل عمالةً مؤقتةً تتقاضى أجورًا أقل بكثير من الحد الأدنى الرسمي، كما يؤكد وائل جمال رئيس وحدة العدالة الاقتصادية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية لـ المنصة.
وارتفع الحد الأدني للأجور المعلن من الدولة بوتيرة متسارعة لملاحقة التضخم، حيث زاد من 3000 جنيه في 2022 إلى 7000 في العام الماضي، لكن ضعف رقابة الدولة على القطاع الخاص حد من فرص الالتزام الفعلي بهذا الحد.
وترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في الحد الأدنى للأجور الأخير، 7000 جنيه، خطوة جيدة لكنه يظل غير قادر على حماية أسرة من الوقوع تحت خط الفقر.
يشير وائل جمال إلى أن العمال كانوا في حاجة لبوصلة للأجر الذي يتناسب مع معدلات التضخم، وبالفعل وفرت قرارات الحد الأدنى الرسمية هذه البوصلة، ما ساهم في زيادة الاحتجاجات للوصول إلى هذا الحد بوصفه مطلبًا مشروعًا من السهل التعبئة عليه.
ومُورست ضد العمال عديدٌ من الانتهاكات المتعلقة بالأجور، من بينها التلاعب في حساب الأجر عند تطبيق الحد الأدنى، كما حدث مع عمال العامرية للغزل والنسيج، فحسب شهادات العمال أضافت الإدارة بندًا لقسيمة الراتب سمّته المتمم للحد الأدنى، بحيث يتم إدراج أي امتيازات مالية ممنوحة للعامل تحت هذا البند ما يعطل زيادة الراتب الكلي للعمال.
وشملت أيضًا تشغيل العمال لساعات إضافية دون أجر، كما حدث مع عمال الأمن بمدينتي، إحدى مشروعات شركة الإسكندرية للإنشاءات التابعة لمجموعة طلعت مصطفى، كما شملت تأخير صرف الأجور لمدد وصلت لـ3 أشهر كما حدث مع عمال سيراميكا إينوفا والأمراء.
التسريح والتعسف الإداري
لم تنحصر أسباب الاحتجاجات في عدم تطبيق الحد الأدنى وضعف الرواتب، لكنها انفجرت تحت ضغط انتهاكات أخرى من بينها تسريح العمال بدعوى الأزمة المالية، كما جرى لعمال شركات تصنيع السيراميك لابوتيه، الأمراء، إينوفا ومعهد تكنولوجيا الطيران، وبـ لبن، والمتحدة للصيادلة، هذا إضافة للإجبار على تقديم استقالات مقابل تسويات مجحفة لحقوقهم المالية كما في حالتي عمال إمبي للملابس بالإسماعلية، وعمال رؤية للمقاولات بالعين السخنة.
ساهم التعسف الإداري أيضًا في تحريك غضب العمال، من بينها وقف الخدمات العلاجية لآلاف العمال في "إينوفا" والشركة العربية للغزل والنسيج بالإسكندرية لعدم دفع الشركات الاشتراكات وتراكم مديونيات كبيرة عليها لصالح الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، ولم يستثن القرار حتى مرضى الأورام.
وتمثل أقسى تجسيد للتعسف الإداري في حادث مأساوي شهدته شركة لينين جروب للنسيج والمفروشات بالإسكندرية، عندما ماتت طفلة رضيعة على ذراع أمها العاملة بعد رفض الإدارة منح الأم إجازةً أو إذنًا للذهاب بابنتها المريضة إلى المستشفى، واحتجاز الأم ثلاث ساعات داخل الشركة، وهو الحادث الذي فجر إضرابًا شارك فيه آلاف العمال والعاملات.
الدولة في مواجهة العمال
اعتمدت الدولة بشكل رئيسي على ذراعها الأمنية لمواجهة صعود الغضب العمالي، وتجسد ذلك في العديد من ممارسات الترهيب التي اتّبعت لكبح هذا الحراك خلال 2025، ففي يناير/كانون الثاني قُبض على عدد من عمال T&C خلال إضرابهم عن العمل، وأمرت نيابة العبور لاحقًا بـ حبسهم 4 أيام بتهمة "إثارة الشغب، وتعطيل العمل والإضرار بمصالح الشركة"، قبل أن تخلي محكمة الخانكة الجزئية سبيلهم بكفالة 2000 جنيه.
وفي مارس/آذار فضت قوات الشرطة اعتصامًا لعمال الشركة الوطنية للزراعات المحمية، التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، وألقت القبض على 39 عاملًا وعاملة بينهم أطفال ونساء مرضعات وذوو إعاقة، لتأمر نيابة العاشر من رمضان بحبسهم 4 أيام، ثم جدد قاضي المعارضات بمحكمة العاشر من رمضان حبسهم 15 يومًا أخرى، ثم أخلت المحكمة ذاتها سبيلهم بعد 19 يومًا قضوها في الحبس.
وفي سوهاج وقنا قُبض على 25 عاملًا بالشركة الحديثة للغاز الطبيعي مودرن جاس خلال مشاركتهم في إضراب عن العمل مطلع ديسمبر، ولم يخل سبيلهم إلا بعد اتفاق بين إدارة مودرن جاس والعمال "برعاية الأمن" على إنهاء الإضراب مقابل خروج زملائهم.
وخلال احتجاجات عمال العامرية للنسيج بالإسكندرية، ووبريات سمنود بالغربية، وشركات السكر في دشنا، وإدفو، وكوم أمبو، استدعى الأمن الوطني عشرات العمال إلى مقراته وهددهم بالحبس حال استمرارهم في الاحتجاجات.
تهديدات الأمن الوطني للعمال امتدت إلى ما بعد انتهاء الاحتجاحات، حيث استدعى جهاز الأمن الوطني بمحافظة أسوان 10 عمال من مصنع سكر إدفو، أحد مصانع شركة السكر والصناعات التكاملية، لاعتزام عمال الشركة الدخول في إضراب جديد لعدم تنفيذ الشركة لوعودها.
انتصارات وهزائم وخبرات
لم تؤتِ النسبة الأكبر من الاحتجاجات العمالية ثمارها في تحقيق مطالب العمال، وكما يرى كمال عباس، فرغم تصاعد الحراك العمالي في هذه السنة، فإن وضعه كان هشًا أمام الضغوط الأمنية بسبب ضعف التنظيم النقابي في مواقع العمل.
ويُتهم التنظيم النقابي العريق في مصر بالخضوع لتوجيهات الدولة، وحاول العمال بعد ثورة يناير تأسيس نقابات مستقلة عنه لكنها واجهت ضغوطًا حكومية وأمنية حد من نشاطها، وخلال العام الماضي صدر قانون جديد للعمل اعتبرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أنه ينطوي على "انحياز سافر لأصحاب العمل".
ويضع عباس "ضعف القوى السياسية وتركيزها على القضايا السياسية على حساب القضايا الاجتماعية من ضمن أسباب ضعف الحراك العمالي، "فقد تركوا وحيدين في مواجهة رأس المال، والأجهزة الأمنية".
مع ذلك شهدت 2025 انتصارات عمالية، ففي شركة مصر العامرية للغزل والنسيج، أجبر العمال، الرئيس التنفيذي للشركة على تقديم استقالته بعد 13 يومًا من إضراب عن العمل حمل عدة مطالب من بينها رحيله، كما أُجبرت الإدارة الجديدة على الجلوس مع العمال للتفاوض وعدلت طريقة احتساب الحد الأدنى، الذي اتهم العمال الإدارة الراحلة بالتلاعب فيه.
وتحت ضغط الإضراب العمالي، استجابت إدارة "لينين جروب" بإبرام اتفاق مع العمال تضمن صرف تعويض "مُرضٍ" للعاملة والدة الرضيعة التي ماتت على ذراعها داخل الشركة، كما استبعدت المديرة التي امتنعت عن منحها إجازة لرعاية طفلتها المريضة، من منصبها، وتضمن الاتفاق تنفيذ عدد من مطالب العمال تضمنت حقوق مالية كانت تماطل الشركة في تنفيذها.
وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي توصل صحفيو جريدة وموقع الوفد إلى اتفاق مع رئاسة الحزب على تنفيذ مطالبهم بتطبيق الحد الأدنى للأجور، بعد أربعة أيام من اعتصامهم بمقر الحزب.
يتوقع عباس أن يستمر الحراك العمالي في 2026 بدفع من استمرار الفجوة بين الأجور والأسعار والاحتياج القوي للأمان الوظيفي.
لكن هذه الاحتجاجات ستواجه تحديات جمة، وسيدفع محركوها أثمانًا باهضة لن تقل عما دفعه سامح علي، الذي لعب دورًا رئيسيًا في تنظيم أول احتجاج رصدناه في 2025 بشركة T&C للملابس، إذ فصلته إدارة الشركة بعد 14 سنة خدمة، وبينما لا تزال دعوى فصله تعسفيًا منظورة أمام القضاء، يواصل البحث عن عمل جديد دون جدوى.