تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
ماكينات الكان بانك في مواجهة الزبالين

زوبعة في "can".. هل استحقت ماكينات جمع القمامة كلَّ هذا الغضب؟

منشور الثلاثاء 8 أيلول/سبتمبر 2026

في الطرق إلى البيت، صادفتْ أسرةٌ من 3 أفراد إحدى ماكينتي جمع القمامة/Can Bank الجديدتين في منطقة الدقي. أرادوا التجربة بأي طريقة وإن كان بكوب عصير بلاستيكي انتهى الصغير منه للتو. توقفوا أمام الماكينة. وضعوا الكوب. أدخلوا رقم الهاتف. تلقوا غنيمتهم من "النقاط" عبر الهاتف، ثم رحلوا لا يعلمون إن كانوا سيمرون مصادفةً مرة أخرى لاستكمال النقاط عبر واحدة من الماكينتين الموضوعتين حديثًا أم لا.

لكنَّ ما لم تعرفه الأسرة أن طفلًا صغيرًا، انتابه الفضول أيضًا، هذه المرة ليس لتجربة الماكينة، إنما لاختبارها: هل يمكن استعادة العبوة منها؟ هكذا أدخل يده، وأمسك بالعبوة التي وُضعت لتوها، نجح في التقاطها فعلًا لكنه سرعان ما ارتبك، فألقى بها في الأرض إلى جوار الماكينة وفر سريعًا، تاركًا الماكينة التي لم يبد أنها استوعبت هذا الفعل.

مئات العبوات.. آلاف الصور

ماكينة القمامة الذكية Can Bank في منطقة الدقي

لم تكبس الماكينة الكوب البلاستيكي، ولم يبد أنه انزلق إلى داخلها أصلًا، إنما ظل عالقًا لوقتٍ قبل أن يلتقطه الطفل ويلقيه على الأرض.

يوضح المهندس إسلام الرفاعي مؤسس شركة Zeroprime Technologies  المشغلة للماكينتين لــ المنصة أن الموديل الموجود في الدقي لا يكبس المخلفات، ويقتصر على إدخالها، وتبلغ سعة الواحدة 400 زجاجة، تفرغ مرتين يوميًّا بإجمالي 1600 زجاجة تقريبًا، مؤكدًا أنهم يعملون حاليًا على إيجاد حل لتلك المشكلة.

في رصد لـ المنصة استمر ساعتين، توقف 6 أشخاص أمام الماكينة، ولم يستخدمها منهم فعلًا سوى ثلاثة فقط، وهو ما علق عليه واحد من العاملين في محطة البنزين المجاورة للماكينة بقوله "الناس بتتصور معاها أكثر مما تستخدمها، ومش فاهم السر ورا الانبهار ده كله، كأنها نبي نزل من السماء".

لم يرصد الشاب الثلاثيني، الذي رفض نشر اسمه، أي استخدام للماكينة من جانب النباشين أو عمال القمامة، مؤكدًا أن "الناس العادية هما اللي بيجوا يستكشفوها"، وحتى حين استخدمها بنفسه، أصيب بإحباط؛ "حطيت القزايز، وجمعت بيها 4 نقط بس، مش عارف أستفيد منها إزاي".

بدورها لم تر نورهان محمد فائدة في الـCan Bank غير أنها استخدمتها من باب الفضول؛ "شغلي قريب من هنا، لكن مش بيصادف أعدي عليها كتير، حاولت استخدامها من باب الفضول. تجربة لطيفة أكثر منها شيء عملي فعلًا.. الناس إللي ساكنين هنا ممكن يستفيدوا منها لكن حد معدي هيكون الموضوع مغامرة صغيرة ونقاط كثيرة متفرقة ماحدش يستفيد منها في النهاية، ممكن بعد وقت طويل".

هل تستحقُّ كلَّ هذا الغضب؟

على الجانب الآخر، فجّر الإعلان عن الماكينتين ثورةَ غضب قادها نقيب الزبالين شحاتة المقدس، الذي أعلن غير مرة رفض هذا المشروع، وصرح بعبارات مثل "بياخدوا مصدر رزقي. دي تكنولوجيا بتقطع عيش الزبالين وتعوق عملهم"، وصولًا إلى التهديد بأن يتجاهلوا الأحياء التي تعمل بها الـCan Bank؛ "الحي اللي هاتدخله ماكينات كتير زي دي مش هاندخله، هانضرب عن العمل فيه تمامًا".

إسلام الرفاعي يشرح فكرته لنشر ماكينات Can Bank في برنامج شارك تانك عام 2018

غضبٌ يبدو أكبر من حجم التجربة نفسها؛ فهذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها الـCan Bank بمصر. ففي عام 2017 ظهرت على الصفحة الخاصة بشركة Zeroprime Technologies صورة ماكينة وضعت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وصاحبها شرحٌ من الشركة الناشئة وقتها بأنه صار ممكنًا وضع زجاجات بلاستيكية أو معدنية بها، مقابل الحصول على رصيد موبايل، أو برومو كود من شركة كريم، أو التبرع بالنقاط، فضلًا عن مزايا أخرى تتغير من ماكينة لأخرى حسب المكان، والشركة الراعية.

وفي عام 2018 ظهرت ماكينة أخرى في نادي هليوبلس الرياضي بالتعاون مع مؤسسة مصر الخير، وهو العام نفسه الذي نافس فيه إسلام الرفاعي بمشروعه في برنامج شارك تانك.

خلال البرنامج، ذكر إسلام أنه تم تركيب 50 ماكينة بالفعل في شركات ونوادٍ وجامعات، مشيرًا إلى أن المستهدف هو الوصول إلى 20 ألف ماكينة بحلول عام 2030.

لكن الفكرة لم تلقَ الصدى المتوقع خلال البرنامج، بل ووصفها أحد أعضاء لجنة التحكيم بأنها "غير واضحة"، مع ذلك صمد إسلام لتسع سنوات أخرى، نجح خلالها في إضافة 200 ماكينة أخرى في 6 محافظات على مستوى الجمهورية، من ضمنها الماكينتان اللتان وضعتا في شارع حيوي ورئيسي كالدقي، بينما يجري وضع الخطط لنشر المزيد.

إدارة المخلفات في مصر لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على القطاع غير الرسمي، الذي يضم أكثر من 100 ألف عامل

يوضح إسلام أن مكسب الشركة يأتي بالأساس من بيع وتأجير الماكينات، إضافة لعقود الصيانة والرعاية، وليس من القمامة، لافتًا إلى أن هذه المهمة تقع على عاتق شركات التدوير التي يتم الاتفاق معها، لذا يصف رد فعل نقيب الزبالين بـ"المبالغ فيه".

"نحن لا ننافس الزبالين، المسألة بها سوء فهم، نحن لا نجمع العبوات، هناك شركة متخصصة تفعل، وإن أراد هو المشاركة بشكل رسمي فهذا متاح، لن تهدده ماكينتان، نحن هنا جزء من منظومة ولسنا تهديدًا، أو بديلًا"، يضيف لـ المنصة.

بينما يشير تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إدارة المخلفات في مصر لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على القطاع غير الرسمي، الذي يضم أكثر من 100 ألف عامل، وإن بدأت جهود لدمج جامعي المخلفات وعمال إعادة التدوير في شركات رسمية ومنحهم تدريبًا وحماية اجتماعية بموجب قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، إذ استحدث إطارٌ يسمح بمشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني إلى جانب القطاع العام، مع منح جهاز تنظيم إدارة المخلفات صلاحيات تنظيم وترخيص الأنشطة المختلفة.

وفي 2024 عقدت وزارة البيئة اجتماعات مع الشركات والمتعهدين والجمعيات العاملة في جمع ونقل المخلفات لتوفيق أوضاعهم والحصول على التراخيص، في سوق لم تعد مقتصرة على العمالة غير الرسمية وحدها، بل تتقاطع فيه جهات حكومية وشركات خاصة ومتعهدون وجمعيات أهلية.

نقطة في بحر "سلسلة القيمة"

لا يقتصر جمع العبوات على النباشين؛ ففي السنوات الأخيرة دخل آخرون هذه الدائرة، بين موظفين يجمعون الكانز من أماكن عملهم إلى أفراد يلتقطون الزجاجات من الشوارع لبيعها.

يتقاطع الطالب ياسين مصطفى مع هذه الدائرة، عبر الاستفادة من وجود الـCan Bank، إذ يدخر العبوات البلاستيكية لوضعها في الماكينة التي يصادف أنها قريبة من محل عمله بالدقي.

الصغير الذي يدرس بالصف الثالث الإعدادي بدا متحمسًا للتجربة وهو يقول لـالمنصة إنه جمع حتى الآن 70 نقطة، وحرص على زيادتها كل يوم، حتى يستكمل 100 نقطة ويحصل على 10 جنيهات رصيد.

تنطلق فكرة Can Bank من مبدأ "الفصل من المنبع" بما يسهل التخلص الآمن من القمامة

يتمنى ياسين لو انتشرت هذه الماكينات، حيث يعيش في منطقة بولاق الدكرور، لكن هذا لا يبدو ممكنًا في المستقبل القريب ولا تتوفر عوامل الأمان الكافية للحفاظ عليها.

"حدث بالفعل أن وضعنا ماكينات في أماكن شبه عامة وانكسرت بطريقة أو بأخرى"؛ يلفت إسلام الرفاعي إلى أن الـCan Bank تنتشر بالأساس في الشركات الخاصة والنوادي والأماكن المؤمنة، مؤكدًا أن ماكينتي الدقي من أوائل الماكينات التي تُوضع في مكان حيوي بهذا القدر، وتم الأخذ في الاعتبار أن يكون المكانين مؤمنين.

بينما لا يعرف كمال أحمد، الذي يعمل جامعًا للخردة في شارع فيصل، شيئًا عن الماكينات الجديدة؛ "ماشوفتش حاجة ولو جات هنا مش هاتعيش"، وتضحكه فكرة نشر الـCan Bank على طول الرصيف في شارعي فيصل والهرم مثلًا.

يضيف، "يعني الماكينة هاتشيل قد اللي بشيله على ضهري ده كله؟ أنهي مكنة اللي تشيل ده كله، ده لو العيال الصغيرة سابوها في مكانها". صحيح أنه لم يرها بعد، إلا أنه توقع مصيرها حال دخلت إلى المناطق الشعبية: "هي ذات نفسها هاتبقى خردة وبالغالي".

تنطلق فكرة Can Bank من مبدأ "الفصل من المنبع" بما يسهل التخلص الآمن من القمامة ويساهم في الحفاظ على البيئة، لكن بالنظر إلى العدد القليل من الماكينات وسعتها البسيطة مقارنة بحجم المخلفات، فإن دورها غير مرئي من منظور سلسلة القيمة، بالتالي لا تشكل أي تهديد أو تضيف أي تغييرات للمنظومة القائمة.

ورغم عدم توفر الكثير من الدراسات بهذا الشأن فإن واحدة من أهم الدراسات أجراها فريق من الباحثين من بريطانيا وسويسرا وجنسيات أخرى، داخل حي الزبالين في مصر، بعنوان "تطبيق تحليل سلسلة القيمة على إعادة تدوير القطاع غير الرسمي: دراسة حالة عن الزبالين" قدمت رؤية واسعة عن مجتمع إعادة التدوير غير الرسمي في الحي الشهير، التي يلعب فيها النباش أو عامل النظافة حلقة صغيرة ضمن سلسلة طويلة.

تشير الدراسة إلى أن قطاع إعادة التدوير غير الرسمي ليس فوضويًّا، كما يبدو من الخارج، إنما يقوم على شبكة من جامعي المخلفات والقائمين على الفرز والتجار والوسطاء ومنشآت المعالجة ومنشآت إعادة التدوير والمشترين النهائيين للمواد المعاد تدويرها، وتضيف كل مرحلة لـ"المخلفات" التي تتحول من شيء بدون قيمة لتصبح سلعة ذات جدوى اقتصادية متزايدة كلما انتقلت عبر السلسلة.

لعبة أطفال أم حل حقيقي؟

ورغم تأكيد الدراسة على أن فرز المخلفات من المصدر يعد أحد أهم التدخلات التي ترفع قيمة السلسلة بالكامل، فإنها رصدت مجموعة من التحديات التي تعوق تطور السلسلة، وأهمها غياب التمويل ونقص المعرفة الفنية وعدم توفر البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى المعدات ونقص التنظيم.

فهل يمكن لـCan Bank لعب دور أساسي في السلسلة، يجيب الرفاعي بأن الغرض في البداية هو "نشر الوعي وثقافة الفصل من المنبع"، لكن مع الوقت قد تتحول هذه الماكينات إلى جزء أساسي في السلسلة حال زاد الوعي بأهميتها.

بل ويؤكد مؤسس شركة زيرو برايم على أنه يمكن أن يتحول النباشون أنفسهم إلى جزء من المنظومة بشكل رسمي ومنظم، لافتًا إلى أن "الماكينة مجرد صندوق قمامة ذكي، المقابل منه رمزي بسبب تكلفة النقل والتشغيل وإعادة التدوير، لكن الفكرة لا تزال مغرية للكثيرين، والهدف الفعلي لنا هو نشر فكرة ملهمة، وزيادة الوعي بأهمية الفصل من المنبع، بالإضافة إلى الجزء الاقتصادي، المسألة بحاجة إلى المزيد من الوقت والمحاولة".

عزبة الزبالين بالقاهرة- 11 أغسطس 2017

وتصل حجم القمامة المتولدة على مستوى محافظات الجمهورية إلى 76.6 ألف طن/يوم، حسب النشرة السنوية لإحصاءات البيئة عام 2022، لكن الكميات التي تُدور منها لا تتجاوز 15.2 ألف طن/يوم، وتأتي محافظتا القاهرة والدقهلية في المقدمة، بنسبتي تدوير تصل إلى 23% و12.8%، إلا أن المعدل ارتفع في 2024 إلى 37%، حسب وزيرة البيئة السابقة ياسمين فؤاد، التي أعلنت أمام لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب عام 2025 أنه تستهدف وصولها إلى 60% بحلول عام 2027.

وفي الوقت الذي لا تزال فيه تجربة الـCan Bank قيد التقييم والمراجعة قبل التخطيط واتخاذ القرار بنشر المزيد من عدمه، فإن جامع القمامة محمد سامي(*) مستمر في عمله بالتقاط عبوات المياه الغازية والزجاجات البلاستيكية الملقاة بالقرب من ماكينتي الدقي.

على عكس نقيب الزبالين، بدا محمد مطمئنًا بخصوص مستقبل مهنتهم في وجود الـCan Bank، بل ووصفها لـ ـالمنصة بأنها "مجرد لعبة أطفال".

يملك الرجل وجهةَ نظر كوّنها 30 عامًا قضاها في جمع القمامة؛  "يعني الماكينة هتاخد قد إيه في اليوم؟ هل ممكن تستوعب اللي بلمه وحدي من بين كل النباشين اللي حوليا في يوم واحد؟".

يدّعي الرجل أنه على دراية كافية بسلوك المواطنين؛ "الرمي سهل. الجمع صعب، اللي معاه فلوس يشتري كنزاية مش هايهمه كام نقطة على رصيده. واحدة راكبة عربية وبتشرب مية معدنية، بتجيب واحدة تنضف شقتها، هاتوقف عربيتها في شارع حيوي زي الدقي أو أي مكان تاني على طريق عشان ترمي القزازة وتدخل رقم تليفونها ويجيلها نقط؟".

يضحك محمد وهو يتأمل المارة الذين يلتقطون الصور مع الماكينة، معتبرًا الأمر مجرد ضجيج بلا طحين؛ "اللي هايرمي مرة بالصدفة وهو معدي هايرمي تاني فيها إزاي؟ أقلق لو انتشرت في كل مكان وبقت زي صناديق الزبالة وبرضو مش هاتستحمل، وإلا كانت صناديق الزبالة استحملت".


(*) اسم مستعار بناء على طلب المصدر