أدب الرسائل.. إبداع مهمَل أو منسي
جرفت ثورة الاتصالات في طريقها أدب الرسائل، الذي رأيناه في التراث العربي عند الجاحظ وعبد الحميد الكاتب، ورسائل الشاعر الأندلسي ابن زيدون إلى محبوبته ولّادة بنت المستكفي، وكتاب طوق الحمامة في الأُلفَةِ والأُلَّاف، وهو رسالة مطولة من مؤلفه إلى صديق طلب منه أن يكتب له عن الحب، والرسائل البديعة بين جبران خليل جبران ومي زيادة، في كتاب الشعلة الزرقاء.
وهناك رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، ورسائل كافكا إلى ميلينا، ورسائل الشاعر الإنجليزي جون كيتس إلى حبيبته فاني براون، التي ظهرت في كتاب مؤخرًا عن دار الشروق بالقاهرة، من ترجمة رفيدة جمال ثابت، ورسائل الشاعر أرتور رامبو التي كشفت عن وجه آخر مختلف له، ورسائل بين الأديب الفرنسي أورنيه دي بلزاك وأميرة روسية كان بينهما حب متبادل.
وكشفت رسالة واحدة، لم تكن سوى تقرير طبي مفصل، كتبها الطبيب سومرست موم إلى الأديب الكبير هربرت جورج ويلز عن موهبة الأول الأدبية، فشهد له بها الثاني، وحضه على الكتابة، فترك الطب وصار أديبًا راسخًا شهيرًا.
وامتد أدب الرسائل لنراه في رسائل لم تقصد أن تكون أدبًا، لكن تم جمعها فيما بعد كجزء من الحالة الأدبية والفكرية مثل رسائل طه حسين إلى الأديب الفرنسي أندريه جيد، ورسائل توفيق الحكيم إلى أدباء فرنسيين كان يرمي منها إلى تعزيز ترشيحه لجائزة نوبل، التي قال حائزها العربي الوحيد نجيب محفوظ إنه كان من الممكن أن تذهب إلى الحكيم لولا وفاته قبل عام من حصول محفوظ عليها.
وقبل هذا جمع علي أدهم الرسائل المتبادلة بين الإمام محمد عبده والأديب الروسي العظيم ليو تولستوي، وجمع البعض رسائل متبادلة بين طه حسين وتلميذه محمد مندور وقت ابتعاثه لنيل الدكتوراه من السوربون، وكذلك رسائل قصيرة بين عميد الأدب العربي وتلميذته سهير القلماوي ليستدل منها على عاطفة نبتت بين جوانح طه وتلميذته. وهناك رسائل متبادلة بين طه حسين وتوفيق الحكيم جمعها الكاتب والمحرر الثقافي إبراهيم عبد العزيز في كتاب صدر عن "دار الهلال" بالقاهرة.
وتابعنا واستمتعنا واستفدنا من رسائل كانت صحيفة "أخبار الأدب" وسيطًا فيها، ونشرتها، عبارة عن سجال فكري بين المفكر المصري محمود إسماعيل والمفكر التونسي أبو يعرب المرزوقي في تسعينيات القرن العشرين، ودارت جميعها حول المؤرخ وعالم الاجتماع ابن خلدون.
اختفت الرسائل المكتوبة حتى بين عموم الناس والمرسلة عبر البريد العادي، إثر اختراع الكاسيت، فرأينا المهاجرين والمغتربين يسجلون شرائط كاسيت لذويهم بعد أن كانوا يكتبون إليهم الرسائل المطولة. انتقل هذا فيما بعد إلى البريد الإلكتروني، ثم الرسائل على السوشيال ميديا، لتنتقل أكثر إلى آلية تبادل الاتصال الإلكتروني على مختلف التطبيقات، متشربة خصائص هذه الآليات في الكتابة السريعة القصيرة التي تأتي عفو الخاطر دون تدبر عميق، لتكون أقرب إلى الحديث الشفاهي منه إلى الكتابية بخصائصها المختلفة.
وأتاحت كل هذه الوسائل خاصية التواصل الصوتي والمرئي بين الناس فلم تعد هناك حاجة إلى الكتابة أصلًا.
تجربة ذاتية
بالنسبة لي كتبت رسائل أيام دراستي في القاهرة إلى أهلي في القرية، وأثناء اغترابي للعمل خارج مصر لأربع سنوات في نهاية تسعينيات القرن العشرين، لكن للأسف لم أحتفظ بشيء منها، وجرى علي ما وقع للناس جميعًا مع ثورة الاتصال فصرت أستعمل التواصل الإلكتروني، على اختلاف أنواعه. وحتى لو كتبت رسالة مطولة إلى صديق أو زميل أو إلى جهة أو هيئة ثقافية أو عملية، يكون الإرسال عبر البريد الإلكتروني.
لم تدخل الرسائل الرقمية إلى أعمالي الصادرة، وهي إلى الآن، خمس عشرة رواية، وثماني مجموعات قصصية، إنما دخلت إلى ثلاثة ألوان أخرى من الكتابة، إذ وجدت بعضها ملهمًا لي في كتابة "قصة قصيرة جدًا"، وصدر لي منها اثنتان هما "عطر الليل" و"تلال الرماد" وهناك ثالثة في الطريق عنوانها "بحر النسيم"، أو كتابة قصيدة في دواوين ثلاثة صدرت لي، أو تلك الرسالة التي تسللت إلى كتاب حمل مائة دفقة أدبية وظهر تحت عنوان "حكايات الحب الأول"، لكن الأمر لم يتعد هذا، ولم تكن فيه الرسالة هي المضمون إنما ملهمة الرؤية أو الفكرة.
واستعملت الرسالة التقليدية في بعض رواياتي التاريخية، إذ إن السياق الاجتماعي وقتها كان يسمح بكتابة رسالة، فنرى تلك الرسالة المتخيلة التي كتبها إبراهيم السناري، وهو شخصية حقيقية، لروايتي "بيت السناري" إلى زوجته ومحبوبته زينة، وهي شخصية متخيلة، وأحداث الرواية تدور في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر.
وهناك رسالة كتبها بطل روايتي الجديدة "ترياق عز" عز الدين الوراق إلى حبيبته ترياق بنت شهاب الدين الصائغ، والرواية تدور أحداثها في البيمارستان المنصوري بالقاهرة في الربع الأول من القرن السابع عشر. وتوجد كتابات أشبه بالرسائل تركها خفير الآثار الصوفي لمن تولى حراسة المكان بعده، وتركها له في كراسة.
وهناك رسالة كتبها بطل روايتي "جدران المدى" إلى محبوبته، وكان السياق الاجتماعي للرواية يسمح بهذا إذ دارت أحداثها في تسعينيات القرن العشرين.
خسائر التكنولوجيا
وغيّر التراسل الإلكتروني بنية النص السردي، فالرسائل القديمة كان لها أسلوب يجمع بين السرد والتقرير، وبين الصورة والمعلومة، وهي تختلف حسب نوع الرسالة، فالرسائل العاطفية كانت معنية أكثر بالحفر في المشاعر والأحاسيس الداخلية، فبدت أقرب أحيانًا إلى الحوار الذاتي "المونولوج". والرسائل الفكرية اعتمدت على مسار برهنة، حتى لو اهتمت بجزالة اللغة، وشرح الحجة.
أما الرسائل الإلكترونية فهي تعتمد على الدفقات المتواصلة، التي لا تعتني بالضرورة بجمال اللغة، ولا الوحدة العضوية، ويكون الحوار هو طريقتها، خاصة حال حضور المتراسلين، وهذا يجعلها معنية بالرد، أكثر منها بتأصيل الرؤية واكتمالها.
وأعتقد أن التراسل الإلكتروني تسلل إلى بنية السرد عبر إعطاء الحوار شيئًا من الحيوية، إذ فتح أمام الأدباء بابًا جديدًا لفهم آلية الحوار وأساليبه، بعد أن ظلوا وقتًا طويلًا يعتمدون على آلية التذكر في بناء الحوار، أو اختلاق هذا الحوار كُليًا عبر التخييل.
وهنا يثور التساؤل: هل تمنح الرسائل الرقمية واقعية أكبر للنص أم تُضعف جمالياته؟ في الحقيقة، تتوقف الجماليات على ما إذا كان الروائي والقاص ينقل الحوار إلى نصه كما جرى رقميًا، أو يعيد صياغته فيخلقه خلقًا جديدًا أو مغايرًا إلى حد ما. فالاكتفاء بالنقل يجعل النص فقيرًا من الناحية الجمالية، قدر فقر التراسل الإلكتروني إلى اللغة والإحكام، أما إعادة الصياغة فقد تثريه بشيء من الأدبية أو الشروط الفنية.
أما عن الواقعية، فالرسائل الإلكترونية تفيدها، لأن عفويتها تجعلها أقرب إلى وصف الواقع، أو الحال، أكثر من التدبير الذي يصاحب الكتابة التخيلية أو التي تعتمد فقط على خبرة الكاتب وتجاربه. لكن هذا مشروط بكثافة الرسائل في حياة الكاتب، ومدى اعتماده عليها كمادة للكتابة في بعض الأحيان.
كانت الرسائل التقليدية صادقة في تعبيرها عن المشاعر، بينما الرسائل الإلكترونية صادقة في تعبيرها عن المواقف. والحقيقة نحن في حاجة إلى الجمع بين السبيلين.
روح العصر
أعتقد أننا افتقدنا مع الرسائل الإلكترونية نزعة الحنين، والجيشان العاطفي، التي كانت تصاحب كتابة رسالة مطولة على الورق إلى حبيب أو صديق أو أهل، فالرسائل الإلكترونية في الغالب تسري في أوصالها نزعة وظيفية آلية، تؤدي الغرض، وهي تقوم على الفعل ورد الفعل، أو الحوار المتسارع، على العكس من الرسائل التقليدية التي كنا نكتبها تعبيرًا عن اشتياق، أو طمأنة من نرتبط بهم، أو سؤال عن أحوالهم، وهي مسالك مسكونة بالعاطفة الإنسانية.
وأتى هذا عمومًا وسط تغير إحساسنا بالمتلقي في العصر الرقمي. ومن جانبي أدرك أن متلقي العصر الرقمي شخص ملول، يفضل الخبر على المَخبَر، والظاهر على الباطن، والتقريري على السردي بنزعته الأدبية وشروطه الفنية، ويميل إلى الرسائل القصيرة، والتعبيرات المقتصدة، يفضل الومضة على السرد المطول، والقفز إلى المقصود، أو إتيان المعنى من أقرب طريق.
ربما لهذا صارت دور النشر تفضل الروايات القصيرة أو متوسطة الحجم، لكن، لكل قاعدة شواذ، فهناك، حتى من بين أبناء الجيل الجديد الغارق في العالم الإلكتروني، وهو ما نطلق عليه "جيل زد" يقرأ المطولات من روايات، ويفضلها لأنه يشعر معها بالإشباع، أو يقضي معها وقتًا أطول من المتعة والاستفادة.
يمكن إحياء أدب الرسائل عفيًا إن كانت الرسالة واحدة من تقنيات السرد
ربما إحساسي بحاجة هذه الجيل جعلني أزيد من اهتمامي بالقصة القصيرة جدًا، وحين أنشر بعضها على فيسبوك أو إكس تلقى رواجًا إلى حد كبير. وهناك شيء آخر تنبهت له دور النشر ومواقع إشهار الكتب، وهو اقتباس مقاطع متماسكة مكتملة إلى حد ما من النص، وطرحها تباعًا لجذب انتباه القراء، وجعل النص محببًا إليهم.
لكن من أسف هذه الخاصية تسللت إلى رؤوس بعض الأدباء واختمرت بها، لدرجة أنهم يتعمدون أن يبثوا في نصوصهم عبارات تنطوي على حكم أو مواقف أو مقولات دالة في حد ذاتها، وبعضهم لديه مهارة مزج المقولة بمجرى السرد، أو إيرادها على لسان شخصية واعية، فتنداح فيه، وبعضهم لا يمتلك هذه المهارة فتبدو المقولات أشبه بنتوءات تطل من انسياب السرد وتجافيه أحيانًا.
في ظل هذا ولد سؤال: هل النص الرقمي لم يعد يُقرأ بقدر ما يمرر؟ وهذا يعتمد على طول النص أو قصره، وعلى جاذبيته. النص الحكائي أو السردي يقرأ أكثر من التقريري، اللهم إلا إذا كان الأخير يتضمن معلومات جديدة ومهمة.
في النصوص الطويلة والجافة والتي لا تضيف جديدًا، يحدث التمرير أكثر من القراءة، وهناك من تقتصر قراءته على فقرة من النص أو جزء منه، ثم يعلق عليه، ويحبذه أو يقبحه.
لقد توارى أدب الرسائل أو تراجع لكن هل يمكن إحياؤه؟ في الواقع يمكن إحياء أدب الرسائل عفيًا إن كانت الرسالة واحدة من تقنيات السرد، فقد يختار أديب ما أن يجعل من رسالة طويلة قصة قصيرة كاملة، أو فصلًا في رواية، أو حتى رواية كاملة شرط ألا يؤثر هذا سلبًا على مجرى السرد، أو بنائه الفني.
كما يمكن إحياء أدب الرسائل في شكله الأدبي الخاص، دون أن يكون مجرد تقنية فنية لقصة أو رواية، لكن مع تغيير الأداة. أي كتابة رسالة في شكلها القديم، مع إرسالها عبر الوسائط الإلكترونية. وليس هناك ما يمنع أديبين أو كاتبين أو مفكرين أو باحثين من تبادل رسائل مطولة عبر الإيميل أو الفيسبوك، وجمعها في النهاية وتنقيحها لتظهر في كتاب. فما الذي يمنع كاتبًا وكاتبةً بدآ علاقة عاطفية أن يتبادلا رسائل إلكترونية، ثم يخرجاها إلى العلن إن أرادا، لتظهر في كتاب؟ لا شيء يمنع هذا، إن كانت هناك إرادة لذلك.
ويمكن كتابة رسائل معاصرة تحافظ على روح الأدب وتستفيد من الوسيط الرقمي، والدليل على هذا هو رسائل الروائية منى الشيمي والشاعر والمحرر الثقافي بصحيفة الأهرام أسامة الرحيمي التي تبادلاها أولًا على فيسبوك، ثم جمعت وصدرت كتابًا بعنوان "صباح الخير يا منى"، حوى مشاعرهما المتبادلة كزوجين، حين حال بينهما وباء كورونا، إذ هجم، واتُخِذَت إجراءات التباعد الجسدي.

