"في عز الليل بكتب لك".. لماذا نَحِنُّ للبريد الورقي اليوم؟
لي صديقة تدفعني بمهارة للقيام بما لا أتوقعه. تجذبني ابتسامتها الرقيقة، وحديثها الليّن خفيف الظل، فأجد نفسي أفعل ما تقترحه. من حسن حظي أن كل أفكارها جميلة. وضعتُ الأسبوع الماضي مظروفًا بنيّ اللون في حقيبتي، يحوي رسالة كتبتها بخط يدي، وهدية صغيرة صنعتها بنفسي، ومشيت نصف ساعة في الشوارع الإنجليزية الرمادية، حتى وصلت إلى مكتب البريد. قلت للموظفة إني أريد إرسال المظروف إلى تركيا، حيث تسكن الصديقة. ألصقتْ عليه طابعًا بريديًّا مُكوّدًا، ثم ألقته في شوال بلاستيكي وراءها.
لم أخبر صديقتي أني أرسلتُ الرسالة، أردتها ألا تتوقع متى ستصلها. كانت المراسلة البريدية فكرتها، ولكنها استهوتني للغاية. كتبت لها ما لم أستطع قوله عبر الرسائل النصية، أو تسجيلاتي المعبأة بثرثرتي الفارغة، أو ملصقات الواتساب، تلك التي أُصبتُ بهوس تجميعها لأعبِّر عن كل حالة نفسية قد أعيشها. وجدت نفسي على الورق، والقلم في يدي، أبوح لصديقتي بما هو أكثر، وأعبر لها عما لم تستطع قبلات الواتساب التعبير عنه.
فكرت أين ستكون حين يدق ساعي البريد بابها. هل ستهرول إليه أم سيتسلم أحدهم الرسالة عوضًا عنها لأنها نائمة أو في الخارج؟ تخيلت ورقتي بين يديها، ووجهَهَا وهي تقرأ خطي الذي لم تره من قبل. هل سيعجبها ما كتبت أم ستضحك مني؟ وهل أنا وهي مجنونتان نعانيان الحماقة والفراغ؟ أم أننا نموذج لكثرٍ لم يصبهم التواصل اللحظي المعاصر سوى بالضجيج والقلق والعزلة... وصاروا يحنُّون إلى ما هو أكثر حميمية وصدقًا؟
ابعت لي جواب وطمني
يتجه العالم إلى المزيد من الرقمنة يومًا تلو الآخر. صارت رسائل البريد ذكرى من الزمن القديم، بل أعلنت الدنمارك في نهاية العام 2025 إنهاء توصيل الرسائل التقليدية عبر البريد، وتركيز الخدمة بشكل أكبر على الطرود.
رغم ذلك نجد موجة تزداد رواجًا الآن، تُعرف بالإنجليزية بالـsnail mail/بريد الحلزون (لبطئه). انبثقت الكثير من المشاريع حول العالم تبيع فكرة البريد القديم لمن يرغب في خوض تجربة تواصل أكثر تمهلًا واختلافًا عن التواصل الافتراضي الحديث، فمن ميزات snail mail استقبال العملاء رسائل ملموسة، الأمر الذي لم يعرفه أبدًا جيلا زد وألفا.
تركز بعض هذه المشاريع على فن المراسلة بشكل خالص، مثل نادي مراسلة لندن، الذي يضمك مقابل اشتراك مادي إلى شبكة من هواة المراسلة حول العالم حتى تكتبوا لبعضكم البعض.
أما غالبية مشاريع snail mail فلا تضع المراسلة المشتركة محور نشاطها، إنما تكون المراسلة من طرف واحد. يرسل صاحب المشروع مظروفًا شهريًا للمشتركين يشمل رسالة مكتوبة، ومواد ورقية أخرى تختلف باختلاف الخدمة. بعضها له ثيمته الخاصة كالطبيعة البرية أو القهوة، وبعضها عام ويهتم بحب الكتابة والقرطاسية. كما يستخدمها بعض الفنانين الشباب، خاصة من أبناء جيل زد وسيلة مبتكرة لبيع تصاميمه ورسوماته.
في مصر أيضًا، أنشأت صانعة المحتوى نضال أدهم مشروعًا تجاريًّا لبيع قرطاسية بطابع عربي، وألحقت به نادي بريد حمل اسم المشروع قِرطاس. يصل إلى المشتركين فيه رسالة كتبتها نضال مع متعلقات لها ثمات خاصة كالصداقة أو السفر، تشمل الملصقات، البوك مارك، أو ورقة نشاط.
تصف نضال فكرتها على موقع قرطاس بأنها "ليست محتوى يُستهلك سريعًا، بل تجربة كاملة" مستوحاة من فلسفة التباطؤ للاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة كفتح الظرف الملموس والقراءة وتأمل تصاميم المواد المختلفة.
أما في الكويت، فجمع نادي بريد الزاجل بين الفكرة التجارية وحب المراسلة والفنون. يتعاون النادي مع فنان أو كاتب كل شهر يقدم قطعة بريدية إبداعية للمشتركين في النادي، كما يجتمع الأعضاء أحيانًا لكتابة الرسائل واستقبالها من محبي المراسلات.
كتبنا وما كتبنا
يسري الحنين للمراسلات أيضًا في جوانب أخرى من حياتنا؛ تغني فيروز شاكية "كتبنا وما كتبنا... كتبنا مية مكتوب، ولهَلأ ما جاوبنا" انتظرت جارة القمر المظروف الورقي من حبيبها، حزنت من تأخر رسائله وطالبته "ع القليلة عاتبنا". ربما لم يعش جيلنا هذه التجربة بحذافيرها، ولكن ظل الهم واحد والغرام واحد.
حين نقع في الحب اليوم، ننتظر ظهور إشعار تلك العلامة الحمراء على الشاشات تعلن قدوم رسالة الحبيب الإلكترونية، أو إشعارًا بأنه أُعجب بما شاركناه على الإنترنت. نحزن حين يتأخر التنبيه، ونشرع في طقوس الفراق حين لا يأتي أبدًا، لأننا ندرك أن الحبيب عزف عنا، صار "شبحًا" أو صرنا نحن "شبحًا" بالنسبة له، لم أفهم أبدًا مَن المقصود بالشبح في هذا التعبير الدارج اليوم جوستينج/Ghosting.
ربما بسبب تلك التعقيدات ما زلنا نضع الرسائل الورقية في مستوى أعلى من المصداقية والرومانسية. هي مثلًا رائجة في عالم الكتب، لم تزل رسائل فرانز كافكا إلى ميلينا تترجم وتطبع، ورسائل فلاديمير نابوكوف إلى فيرا، ومراسلات غسان كنفاني وغادة السمان، وأنور المعداوي وفدوى طوقان.
ولا تنحصر هذه المطبوعات في الرسائل ذات الطابع العاطفي وحسب، بل حتى مراسلات الأصدقاء مثل رسائل محمد خان إلى سعيد الشيمي، أو رسائل يحيى حقي إلى ابنته نهى، كذلك مراسلات الشخصيات التاريخية مثل مهاتما غاندي وليو تولستوي. يفتح لنا أدب الرسائل بابًا مختلفًا على حيوات وأفكار هذه الشخصيات المؤثرة، بل نتوق أحيانًا لرؤية نسخها الأصلية، بالورق الباهت وخطوط أصحابها المتعرجة، لنزداد قربًا منهم.
وتتجدد حياة أدب الرسائل في أشكال حديثة، كما مع كتاب القاهرة – نيويورك الصادر عام 2025، الذي جمع رسائل الكاتبين حسن كمال وأسامة علام عبر فيسبوك على مدار سبع سنوات.
أتساءل معكم
ليس عندي تفسير واحد لظاهرة الحنين إلى البريد التقليدي (وإن كان في شكل جديد أو تجاري)، لكني أتساءل معكم.
يسعى البعض إلى الهرب مما أسميه "تخمة التواصل" التي نعانيها جميعًا، فالرسائل والإشعارات لا تتوقف، واحتمالات التواصل اللحظي أبدية، حتى عشاقنا السابقون وجيران الطفولة وألد أعدائنا على بعد كبسة زر.
رغم سهولة وسرعة التواصل فإنها أصابت الكثيرين بالقلق، أحيانًا يتحول الرد على رسالة ما عادية إلى هم كبير نتهرب منه. وتكثر النقاشات حول انحسار التواصل الإنساني، ودوره في ارتفاع الشعور بالوحدة لدى البشر اليوم.
فهل تفتح لنا الرسائل التقليدية بابًا لتواصل أكثر عمقًا صرنا نفتقده؟ أم أنها مجرد تجارة جديدة و"ترند" سيأخذ وقته ويختفي؟ كم واحد منا اليوم يكتب رسالة لآخر كما فعلت أنا وصديقتي، في مقابل عدد الأشخاص الذين يشتركون في خدمات snail mail مثلًا؟
أفكر أن هؤلاء لا يعيشون التجربة كما كانت بالفعل، فالمراسلات ليست خاصة وحميمة وفجائية. أحيانًا يصورون ويشاركون ما يصلهم على السوشيال ميديا، تلك المواد التي قد تصل إلى مائة غيرهم من أعضاء النادي. وهل يستخدم أصحاب هذه المشاريع خدمات البريد التقليدية في بلدانهم أم يلجأون لشركات الشحن الخاصة؟
وأفكر كيف يتساوى كل ذلك والرسالة التي كتبتها جدتي إلى جدي أيام خطوبتهما في الستينيات. نادتنا ذات يوم فالتففنا حولها نسمع كلمات الحب التي لم نتخيل أن تصدر من سيدة البيت التي كان يحسب لها الجميع ألف حساب. كيف يتساوى ذلك وشرائط الكاسيت التي سجلتها أنا لجدتي من الغربة في الطفولة وأرسلها أبي إلى مصر، ثم استقبلت مثلها بعد أشهر؟ لا يتساوى. ربما العودة إلى البريد، سواء عبر مراسلة مشتركة أو خدمة مدفوعة، مجرد علامة أن فجوة ما ظهرت في حياتنا العصرية السريعة، أننا نحتاج إعادة التفكير في شكل التواصل فيما بيننا.
يجلس عبد الحليم حافظ خلف مكتبه في أحد مشاهد فيلم البنات والصيف (1960)، يكتب رسالة، ويناجي حبيبته "وفي عز الشوق يا حبيبي، وفي عز الليل بكتب لك.. لا، قلبي اللي بيكتب لك، هو اللي بيبعت لك.."؛ أحببت هذه الأغنية كثيرًا، غنيتها لنفسي وأنا طالبة أتخيل الهيام والغرام، ولكن جميع قصص حبي كانت مع شخصيات عملية بحتة، لا تفهم كيف يشعل الشوق أوراق المحبين. لم أيأس على أي حال، واخترت الأغنية عنوانًا لهذا المقال الذي كتبته على "الكيبورد"، لأني فقدت القدرة منذ زمن على الكتابة بشكل مطول على الورق.

