تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
صرت عصفورًا في دورة مواسم تبدأ وتنتهي مع السفر إلى مصر والرحيل عنها. ولكل موسم طقوس تشبعت بها

طقوس للرحيل وأخرى للعودة

منشور الاثنين 14 أيلول/سبتمبر 2026

استقبلَنا موظف الجوازات البريطاني في مطار لندن جاتويك بسؤال "من أين أتيتم؟"، فأجبناه "من مصر"، فاستفسر، هادئًا، مهذبًا، بصوت جاد عميق، "من أين في مصر؟" أخذ ابني الصغير يقفز حولي ويشدُّ طرف قميصي، منهكًا بعد قضاء الليلة مسافرًا، وبعد بكائه حزنًا على فراق جدته. أجاب زوجي "من القاهرة".

بنفس ما يبدو عليه من تهذيب؛ علَّق الموظف بوجهه المربع الذي لا يبتسم، وذقنه الذهبية النابتة وعينيه الزرقاوين وما بينهما من تجاعيد "إذن من البقعة الجيدة". قالها بيقين أدهشني، استخدم الكلمة الإنجليزية proper، التي تستعمل لوصف الأمر حين يكون "ملائمًا" أو "كما يجب"، على العكس مما هو بذيء أو عشوائي.

لم يخطر ببالي حينها أن القاهرة، بالنسبة لعشاقها وكارهيها على حدٍّ سواء، أبعد ما يمكن عن وصف proper. أغضبتني وقاحة التعليق، وغِرتُ على كل ما هو غير قاهري. كدت أبصق الكلمات من فمي وأخبره أن كل بقاع مصر proper. لكني صمتُّ، فأنا أخاف منذ الطفولة من موظفي الجوازات الأجانب. كل ما أردته أن يفتح لنا البوابة لنمر، وأستلم حقائبي التي عبأتها من مصر بالمأكولات التي تمنع بريطانيا -العظمى- إدخالها أراضيها.

ربما شعر الرجل بما خالجني، لأنه مازح ابني الصغير، وحين جاء دوري ليتفحص وجهي، خاطبني بكلمة واحدة وقورة "Madam"، زم شفتيه، ثم فتح الحاجز. تذكرت موظفة الجوازات التي توقفنا عندها في مطار القاهرة في بداية الرحلة. لم ترحب بنا برسمية مفتعلة، أو تنظر إلينا كثيرًا؛ فقد كانت منهمكة في حديثٍ عبر سماعة لاسلكية مخبأة تحت حجابها، عن عريس تقدم لخطبتها. تشرح لصديقتها أن على العريس إدراك أنها لم تزل في بيت أهلها ولا يحق له سؤالها أين راحت ومن أين جاءت، وعليه معرفة أن لها حياة خاصة، وما إلى ذلك.

كانت مخلصة جدًا في حكايتها، لم تقطعها إلا لتلومني حين كدت أعيد ترتيب الجوازات وبطاقات البوردينج على طريقتي. طالبتني ألَّا أخربط تنظيمها، وشرحت المنطق وراءه. ضحكت لي قبل أن أمضي مع أسرتي. وسافرنا في تلك الليلة مع بداية الخريف، عكس اتجاه هجرة الطيور، من بلاد الشمس إلى بلاد الغيم، يتلو قلبي صلاة الرحيل، ويشرع في طقوسه المقدسة حتى رجوع مأمول العام المقبل.

ليس لديَّ أقوال أخرى

مصر ليست proper، ولا إنجلترا. وهذا ليس مقالاً ينتقد أو يمدح أحوال البلاد أو أحوال المهاجرين. أكتب عن حنيني إلى مصر في غربتي، ومعاناتي مع المجتمع البريطاني. هذه تجربتي الشخصية، ليست موقفًا سياسيًا أو أخلاقيًا، لا أحاول أن أفلسف الأمر، ولا أن أستخلص منه الدروس والعبر. هذه مهمة أتركها لآخرين.

أنا واحدة من نحو 12 مليون مصري يعيشون خارج البلاد، دفعتنا الظروف الاقتصادية إلى البحث عن بقعة أخرى نبني فيها بيتًا وأسرة. 

أدرك أني من المجموعة المحظوظة. لديَّ رفاهية الاختيار، أُشيرُ حين أناقش موضوع السفر لأمورٍ مثل سياسات التعليم وجودة الرعاية الصحية وقسوة الحياة الاجتماعية وصعود اليمين المتطرف، بل وسوء أحوال الجو. في بلد مثل مصر، يخاطر فيه عشرات الآلاف بحياتهم في قوارب الهجرة غير النظامية، سافرت أنا قانونيًا، وعشت حياة مستورة. أكتب في دفء بيتي عن الحنين للوطن، وأنتقد موظف الجوازات الذي قام بعمله حريصًا ومنتبهًا. سيقول البعض عني: وقحة!

لن أدافع عن نفسي. لقد أكرمني الله بفرصة زيارة مصر مرات عديدة منذ سافرنا إلى بريطانيا. ومثل الملايين من أبنائها الذين يحجون إلى تراب أرضها كل عام، مقبلين من كل أرجاء الدنيا، طامعين فيما ليس له بديل، صرت عصفورًا في دورة مواسم تبدأ وتنتهي مع السفر إلى مصر والرحيل عنها. ولكل موسم طقوس تشبعت بها، صارت تأريخًا زمنيًا لحياتي، وهوية أخوض العالم من خلالها.

مواسم الهجرة  

لا أخرج من البيت ليومين على الأقل حين أصل إنجلترا. لا أمسح عني رائحة الحضن الأخير، لا أُلوِّث طعم الأكل الذي قُدِّم بحبٍّ وذاب في فمي كما يذوب السمن البلديِّ على الفطير الساخن. تظل حقائبي مفتوحة ونصف مفتوحة؛ على الأرض، على الأسرّة، فوق أسطح المطبخ. أدور فيما تبقى من عوالم الصحبة والدفء، أشاهد الصور التي التقطناها تحت نور الشمس، في الشوارع المتخمة بالبشر والحكايات، والجديد والقديم جنبًا إلى جنب أو فوق بعضه البعض. أتعلق بكل ما تبقى، لأني لا أعرف من أصير حين يدخل الواقع في مارش عسكري يفرض وجوده، يسرقني إلى الضباب والوحدة، وأضطر للتخلي.

أعتبر عامي 11 شهرًا، من سبتمبر/أيلول حين أدخل إنجلترا وحتى خروجي منها في يوليو/تموز التالي. تمضي الأيام من الخريف إلى الصيف كذرات الرمل المتساقطة في الساعة، يحكمها الانتظار، أرتب خططي بالتناسب مع موعد سفري: قبله، بعده، مع اقترابه. أحدد مصروفاتي حسب سعر التذاكر إلى مصر: هل يترك ذلك ما يكفي للسفر؟ هل نحتاج لادخار المزيد؟ أُدَوِّن في دفتر أحمر صغير أسماء من نود تهنئتهم حين نعود: من رُزق طفلًا، من تزوج، من تَخرَّج في الجامعة. أحفظ على موبايلي صور الأماكن التي أريد زيارتها مع أبنائي.

يمتد الشتاء الطويل المظلم كل عام كنفقٍ بلا نهاية. تبقى الدنيا "كُحل" حتى الثامنة صباحًا، ويختفي النور الهزيل سريعًا في الرابعة بعد منتصف النهار. تثقل الأجساد، وترتخي الهمم. نتكئ على المكالمات مع الأهل، تبقينا صفحات فيسبوك على اتصال بآخر الأخبار والنكات والأحزان، ننتظر جديد الأفلام والمسلسلات مسربة على الإنترنت، نأكل آخر قطع مهربة من الطعام، وندفع البرد ليلةً تلو ليلةٍ.

في الربيع يتجدد الأمل، يعلو الزهر الأبيض الناعم أغصان الشجر، فنعيد النظر، نقول ربما الغربة ليست بهذا السوء. تنفجر الدنيا بالألوان، فيدرك الصغار الزمن، ويسألوننا: كم يومًا تبقى حتى السفر؟ يضعون الخطط، ويعبرون عن حماس سابق لأوانه لزيارة البحر والمبيت في بيت الجدة. تصيبنا العدوى، فنشتري الهدايا، ونجلب حقيبةً من أعلى، نملؤها حتى لا نرتبك في الأيام الأخيرة.

أعرف ما عليَّ أن أكتب الآن. أني نسيت عيش حياتي في دوراني حول "حالة الغربة". أدركت ذلك مؤخرًا، حين عدت لأماكن وناس اشتقت إليهم، فوجدت الأماكن تغيرت -أو اختفت- والناس أيضًا. أخذتهم الحياة في طرقات لم أكن جزءًا منها، ولا مكان لي فيها الآن. ضيفة مؤقتة، تزهر الحياة حول وجودها قليلاً ثم ترحل. أعود إلى حبيبتي القاهرة، أتمسَّح في كل ذكرى شكَّلت من أنا، أطمع فيما تركت خلفي لكنَّه اندثر. 

يُشكِّل الغياب مع مرور الزمن دون هوادة حاجزًا يصعب تفكيكه. هو شعور يواجهه كل مهاجر، نحمل الذكرى حيث لا جذور ولا ألفة، لنفاجأ أن ما تشبثنا به لم يلتفت لنا، مضى في طريقه وتبدَّل. لا تستقبلني القاهرة بنفس الوجه القديم، وربما لا تتعرف عليّ. لكن ما باليد حيلة، فالحب في القلب، والانتماء في الدم، وما أنا سوى غريبة في الهجرة.

"الغايب راجع"

في الطريق لمطار القاهرة هذا العام، كان راديو السيارة يُذيع أغنية أم كلثوم "عوّدت عيني". تُذكرني بشخص عزيز مات قبل سنوات، عرَّفني على الأغنية وصرت أحبها. غنَّت الست، وغفا أبنائي على صدري، وكسر الطريق أمامنا ميكروباص على زجاجه الخلفي عبارة "الغايب راجع" بخط أخضر لامع. لو كان هذا فيلمًا سينمائيًا لما اجتمعت فيه هذه الصدف.

حمل صندوق السيارة حقائب الممنوعات المرغوبة: كفتة أرز وصَّت عليها أمُّ سلفتي جزارًا قريبًا منها، وجلبها أخو زوجي إلى بيت حماي، الذي شكّلها هو وحماتي وقلياها وكيَّساها لآخذها إلى بريطانيا. في حقيبة أخرى حبات لم أحصِ عددها من الكبة الشامية، صنعتها أمي بيديها واحدة واحدة، من أجلي ومن أجل ابنتي التي تحبها، ما إن أقليها في بيتي حتى تفوح رائحتها الزكية – رائحة أمي. جلبت أيضًا في الحقيبة الفطير المشلتت والخبز البلدي والجبن الرومي والبسطرمة والرنجة المدخنة وحلاوة المولد ومضادات حيوية. أي أني صرفت ميزانية غير هينة، وسأقضي الشهور التالية أقنن تناول هذه الكنوز لتكفينا حتى الإجازة التالية.    

أضيفت لهذه القائمة أحيانًا على مر السنين: ليف استحمام (لا يوجد مثله هنا)، لب سوبر، علب أم علي، فريك صعيدي، سميد بسبوسة، سحلب، قمح البليلة، أطباق ورق كرنب مجهزة للحشو، ورق عنب بناتي، منتجات القطن المصري المحلي، البن المحوج، وأوراق التيليو. وأعرف أُناسًا يسافرون بثمار طازجة من أهمها الليمون البلدي والمانجا، بل والطيور النيئة كالحمام والبط. ورأيت عند إحداهن أكياس صلصة مُسَبَّكة حضَّرتها لها أمها في صعيد مصر لتخفف عنها أعباء المطبخ في الغربة. شعرت في ذلك دلالًا زائدًا، ولكن من أنا لأحكم؟ في ثلاجتي كمية كفتة أرز وكبة تكفيني وجيراني إذا أرادوا. 

لا تحمل الحقائبُ الأشياءَ، بل روائح البيت الآمن، وعطف من يحبوننا. ربما لا يتقن أولادنا اللغة، ويتعلمون الدين برتم أبطأ من غيرهم، لكن يظل الطعام هو الرابط الأقوى بالمكان الذي ينتمون وآباؤهم له، يشتركون في حبه مع جدودهم الكبار وأولاد عمومتهم الصغار في البلاد البعيدة. قد يخاطب ابني جده بالمؤنث، وتشير ابنتي للغرف قائلة "أوضات"، لكنهما يجلسان حول أطباق الملوخية والمحشي يلتهمونها بحب مثل الجميع. كيف تمنعني بريطانيا عن هذا الامتداد العظيم، سر الوجود ومعنى الحياة؟

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.