أجور الصحفيين بين إهمال التراكم وثقافة الركام
أول نقيب للصحفيين أولى اهتمامًا خاصًا بأجور الصحفيين في الألفية الجديدة كان جلال عارف، متعه الله بالصحة والعافية، الذي شغل مقعد النقيب في الفترة من 2003 إلى 2007، وأجرى إصلاحات مالية جذرية، وفتح ملف أجور الصحفيين للمرة الأولى خلال أعمال المؤتمر العام الرابع للنقابة مطلع عام 2004.
خلال المؤتمر جرت مناقشة ورقتين بشأن آليات ومقترحات تحسين الأجور أعدهما الزميلان محمود المراغي، وأحمد النجار. كانت هذه هي البداية، التي تبعتها تفاصيل كثيرة أدت في النهاية إلى إقناع صفوت الشريف، رئيس مجلس الشورى وقتها، بالاستجابة لمطالب النقيب. في هذا الزمن كان مجلس الشورى، يتولى بحكم القانون، ملكية المؤسسات الصحفية القومية نيابة عن الشعب، وكان المسؤول عن تعيين رؤساء مجالس إداراتها ورؤساء تحريرها، وكانت تشكل ما يقرب من 70% من المشهد الصحفي، ومن أعضاء الجمعية العمومية للنقابة.
لاحقًا دعا الشريف إلى اجتماع حضره النقيب، وعدد من أعضاء المجلس، وأعضاء مجالس إدارات الصحف القومية، بعد تغييرات 2006، واستمرت أعمال اللجنة ودارت مناقشات جادة خلال عدة اجتماعات، وتبلورت تصورات لإنجاز أول لائحة أجور عادلة تشمل جميع المؤسسات الصحفية.
للأسف شارفت مدة النقيب على الانتهاء، وماطل المسؤولون للتهرب من عقد اجتماع ختامي يخرج بقرارات واضحة، ثم جاءت انتخابات 2007 لإعادة تشكيل مجلس إدارة النقابة، ومعها زيادة قيمة بدل التدريب والتكنولوجيا، ورفع النقيب الجديد وقتها شعار "مليش دعوة باللي قبلي". وفعلًا، تغلبت ثقافتنا السائدة، التي ننجح بفعلها في تحويل التراكم والبناء عليه إلى ركام، فنعيد اختراع العجلة في كل مرة نسعى فيها إلى حل مشكلة قائمة منذ عقود.
محاولة جديدة
خلال الفترة من مارس 2015 وحتى 2017، في فترة وجودي نقيبًا أعطيت قضية الأجور أهمية كبيرة، ولم ألتقِ مسؤولًا واحدًا له صلة إلا وناقشت معه الموضوع. وكنت لا أبالغ عندما ألخص له/لهم الوضع بأنه "قنبلة موقوتة". وأذكر أنني حين طرحت الموضوع للمرة الأولى على المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء، رد مبتسمًا "الصحفيين أغنيا".
وحين زرته للمرة الثانية وكان برفقتي الزميل محمد شبانة، أمين الصندوق وقتها، عرضت عليه نماذج من عقود العمل، التي تتسلمها النقابة ضمن ملفات الصحفيين المتقدمين للحصول على عضوية النقابة والقيد بجداولها، وبدا غير مصدق لهزال الأجور التي يتقاضاها الصحفيون، واعتبر الوضع مفاجأة له. وكان الانطباع الذي خرجت به، وأنا أحمل هذا الملف أن كثيرًا من المسؤولين لديهم فكرة غير دقيقة عن واقع الصحفيين.
على الفور أجرى محلب اتصالًا بالدكتور أشرف العربي، نائب رئيس الوزراء ووزير التخطيط، وكان المنسق لكثير من مشروعات القوانين، التي تعدها الحكومة وتعرضها على البرلمان، ثم قال لنا "الدكتور أشرف في انتظاركم، وهو موجود في مكتبه ببنك الاستثمار بباب اللوق".
استخدمت الدولة البدل لتوجيه انتخابات الصحفيين بما يضمن اختيار مرشحها لمقعد النقيب مع وعد بزيادته
توجهنا إلى بنك الاستثمار بالفعل والتقينا وزير التخطيط وتحدثنا معه عن أجور الصحفيين، وعن زيادة موارد النقابة، فقال لنا "آن الأوان أن تستعدوا للاعتماد على أنفسكم لأن الدعم الحكومي لن يستمر للأبد". فشرحت له بعض مواد قانون النقابة، وأوضحت أن كثيرًا منها معطل بفعل فاعل، أو بقصور في النص القانوني، واتفقنا على تشكيل لجنة من خبراء في الأجور والموارد، وممثلين عن المجلس الأعلى للصحافة والنقابة.
في أوائل سبتمبر 2015 استقالت وزارة محلب. وأعدت عرض الملف على المهندس شريف إسماعيل بعد توليه رئاسة الوزارة، وجمعني به أكثر من لقاء. وأشهد له أنه كان عقلية منظمة هادئة، ومستمعًا جيدًا. وعندما بدأت الحديث عن قضية الأجور بادرني بالحديث عن قضية البدل.
وقال بوضوح "هذا الموضوع لا بد أن نجد له حلًا، فالجهاز المركزي للمحاسبات يرسل لنا بشكل متكرر ملاحظات عن السند القانوني لاستمرار صرف البدل؟ وهناك نقابات أخرى بدأت تطالب بالمعاملة بالمثل"، واستطرد "هل من المنطقي أن يؤسس رجال الأعمال صحفًا"، وردد بعض أسمائهم، و"تبقى الدولة مطالبة إنها تمولهم بملايين سنويًا في صورة هذا البدل؟".
قلت له إن أوضاع الصحفيين بلغت حد الخطر، وأن الدولة استبدلت التصدي لقضية الأجور بموضوع البدل واعتبرته البديل، وبات يستخدم لتوجيه انتخابات النقابة لضمان فوز مرشح الدولة بمنصب النقيب من خلال وعد انتخابي بزيادة البدل، وأوضحت أن هذا الأسلوب أثبت فشله ولم يحل المشكلة الأساسية وأن المرض استفحل، وباتت الحكومة أيضًا تشكو.
انتهى اللقاء بالاتفاق على تشكيل لجنة بقرار من رئيس الوزراء رقم (2149) لسنة 2016 تَضُمُّني في تشكيلها مع الدكتور حسن عماد مكاوي وكيل المجلس الأعلى للصحافة، وصلاح عيسى الأمين العام للمجلس، ومحمد شبانة أمين الصندوق، وخالد نوفل مساعد وزير المالية للتطوير الإداري والفني، وفايز كمال سمعان، مدير عام الإدارة المركزية للتشريع المالي بالوزارة، وعمرو محمد متولي، مراقب عام الإدارة المركزية لموازنة الخزانة بقطاع الموازنة العامة للدولة، مع توصية بأن تستعين اللجنة بخدمات من تراه مناسبًا في سبيل إنجاز مهمتها.
من جهتنا أكدنا استحقاق جميع الزملاء بجدولي المشتغلين، وتحت التمرين العاملين داخل مصر لبدل التدريب والتكنولوجيا، استنادًا إلى أحكام القضاء الإداري. كما طالبنا بنسبة زيادة سنوية للبدل بما يتماشى مع معدلات التضخم والأوضاع الاقتصادية. وقلنا إن بحث مستقبل صرف البدل يرتبط بشكل مباشر بمواجهة قضية الأجور، وأنه يجب إيجاد حل جذري لتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين، وبحث آليات تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة لصالح الصحفيين من مجلس الدولة في مواجهة المجلس القومي للأجور، وتحديد حد أدنى لأجور يناسب الأوضاع الاقتصادية والتضخم.
معارك جانبية
وافقت وزارة المالية، على وجوب تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بأحقية المدعين في صرف قيمة البدل بسبب تضامن نقابة الصحفيين مع المدعين قضائيًا، وصدور هذه الأحكام رغم أن المجلس الأعلى نظّم قواعد صرف هذا البدل بإصدار قرار رقم (65) لسنة 2010، الذي نص على أن يكون صرف البدل الصحفي لعضو نقابة الصحفيين المعين بصفة دائمة، والقائم بالعمل فعلًا في صحيفة تحمل ترخيصًا.
ترتب على هذا القرار لجوء العديد من الصحفيين إلى رفع دعاوى قضائية، رغم عملهم بصحف دون ترخيص.
وأضافت وزارة المالية أنه طبقًا لقانون النقابة، فهي التي تكفل حقوق الصحفيين، وبما أن البدل أصبح جزءًا من الأجر المقرر للصحفي، فإن عبء الالتزام بأدائه يقع على الصحف التي يعمل بها. وأنه يجوز للنقابة وللمجلس الأعلى للصحافة الرجوع بدعاوى قضائية على تلك الصحف بقيمة ما تضمنته الأحكام القضائية الصادرة في هذا الشأن.
وأنه يجب أن يشترط لقبول الأعضاء الجدد وقبل عرضهم على لجنة القيد أن تتضمن مستنداتهم إقرارًا من الصحيفة بالتزامها بتحمل قيمة بدل التدريب والتكنولوجيا طبقًا لما يقرره المجلس الأعلى للصحافة، وأن يكون أصل عقد الاستخدام المنصوص عليه بالمادة (104) من قانون نقابة الصحفيين متضمنًا التزام الصحيفة بكل قيمة البدلات، التي يقررها المجلس الأعلى، وأن يتم نقل العبء المالي بقيمة هذا البدل تدريجيًا من على كاهل المجلس الأعلى للصحافة لتتحمله الصحف، وذلك خلال خمس سنوات، بحيث تلتزم الصحف بنسبة 20% من قيمته سنويًا مقابل إعفاء المجلس الأعلى للصحافة من أداء هذه النسبة.
كما أوصت اللجنة بالأخذ بمقترح النقابة في إعادة النظر في أجور الصحفيين بحيث يجري إدماج هذا البدل في أجر الصحفي، مما سيستلزم عرض الموضوع على المجلس الأعلى للأجور المنشأ طبقًا لأحكام المادة (34) من قانون العمل الصادر بالقانون رقم (12) لسنة 2003.
وللأسف لحقت نتائج أعمال هذه اللجنة، والتقرير الذي رُفع لرئيس الوزراء عام 2016، بنتائج ما سبقها في لجنة الأجور، التي شكّلها مجلس الشورى عام 2006. وفرضت "ثقافة الركام" نفسها، وتجاهلنا "التراكم" بالبناء على ما تم.
يظل يقيني الراسخ بعد هذا المشوار، الذي امتد لعقود أن أي حلول تتحدث عن تطوير المهنة، وعن تشخيص حال الصحافة الذي لا يخفى على أحد، وكيفية الخروج من هذه الأزمة المستحكمة، لا يمكن أن يتم بمعزل عن مجمل الأوضاع، التي باتت تتراكم وتتداخل وتزداد تعقيدًا، بل أصبحت تطال صميم الكيان النقابي بفعل تشوه سوق العمل وانعكاسه على القيد بجداول النقابة، خاصة بعد أن حول "البدل" النقابة إلى جهة عمل، في ظل وضع اقتصادي صعب وأزمة أجور تزداد حدة.
تدني الأجور ليس افتراضًا من وحي خيالي لكنه أمر مؤكد وفق الاستبيان المهم، الذي أعلنت نتائجه خلال أعمال المؤتمر العام السادس للصحفيين نهاية العام 2024، مما دعا الزميل العزيز النقيب خالد البلشي مؤخرًا للإعلان عن مؤتمر يُخصص لقضية الأجور وموارد النقابة.
الحوار الجاد والحقيقي لأعضاء الجمعية العمومية والمجرد لوجه الله، والكيان النقابي هو فقط المدخل الصحيح وطوق النجاة لنا جميعًا، وغير ذلك مجرد سراب لا نرى بعده مرعىً ولا ماءً.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

