حظر التطبيع.. وثيقة قديمة وموقف متجدد
فاجأني الأخ العزيز والقانوني البارز عصام الإسلامبولي بأوراق لم تكن في حوزتي، قائلًا "وجدتها في مكتبي وأرسلها لك لإنعاش الذاكرة"؛ وثيقةٌ تشير إلى واقعة من معارك الدفاع عن قرارات الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين المصريين بحظر التطبيع المهني والشخصي والنقابي مع الكيان الصهيوني، عبارة عن مقالٍ كتبته ردًا على حوار نشرته جريدة المصور.
تعود الواقعة إلى أواخر أبريل/نيسان 1999 حين قرر مجلس النقابة برئاسة وكيله جلال عيسى، نائبًا عن النقيب مكرم محمد أحمد لسفره وقتها خارج مصر، اتخاذ الإجراءات التأديبية ضد الزميلين: لطفي الخولي وعبد المنعم سعيد، بسبب انخراطهما في تحالف كوبنهاجن الذي تشكل في 1997 من عربٍ مطبعين وإسرائيليين.
حاول النقيب في أول اجتماع عقب عودته دفع المجلس إلى التراجع عن القرار، ولما رفض المجلس، نشرت جريدة "المصور" التي كان يرأس تحريرها حوارًا مع الدكتور عبد المنعم سعيد شنّ فيه هجومًا فَجًّا على النقابة، واتهم مجلسها باتخاذ القرار بدوافع شخصية وسياسية.
أرسلتُ ردًا إلى "المصور"، فرفض نشره، فأبلغته أنني سأرسله بإنذار رسمي. وفعلًا تطوع الأستاذ عصام الإسلامبولي بكتابة الإنذار، وأرفق به الرد بتاريخ 8 مايو/أيار 1999، إعمالاً لحق الرد بموجب المادة 24 من قانون الصحافة رقم 96 لسنة 1996.
وقتها رجوت "النقيب/رئيس التحرير" أن يتسع صدره وصفحات المجلة لنشر الرد، لكنه لم يفعل.
العدو في النقابة
الأسبوع الماضي بعد حصولي على الأوراق قررت نشر الرد على موقع المنصة، غير أنه تأجل بناءً على اقتراح رئيسة التحرير الزميلة العزيزة نورا يونس، لحين وقوع حدثٍ يجدد الحديث عن قضية التطبيع داخل النقابة أو يتطلب التأكيد على موقفها، وهو ما لم يستغرق سوى بضعة أيام، عندما نظم زميل بلجنة المعاشات في النقابة ندوة استضاف فيها رجل سياحة دائم التغني بالعلاقات مع إسرائيل، وهنا كأنه قد مسَّ عصبًا مكشوفًا، فاحتج عدد من الزملاء في مذكرة لمجلس النقابة، الذي أحسن فعلًا بإحالة الأمر فورًا إلى لجنة التحقيق، ووقف نشاط هذه اللجنة لحين انتهاء الإجراءات.
فقط أودُّ الإشارة إلى أن ردي على حوار الدكتور عبد المنعم سعيد، الذي كتبته عام 1999، كان يعكس أهمية قضية فلسطين التي أخذت من اهتمام النقابة وجمعياتها العمومية منذ عام 1980 وحتى الآن أكثر من نصف عمرها، وانصهر وجدان أجيالها المختلفة بها، فلم نكن فقط أول نقابة مهنية تتخذ هذا القرار، بل بين جنباتها استقبلنا ياسر عرفات بزي المقاومة خطيبًا.
وفي قاعات مبناها القديم سهرنا حتى الصباح في حضرة محمود درويش، وصفقنا إعجابًا لسميح القاسم، وهتفنا في حضرة البابا شنودة عندما أعلن من على منبرها "لن نطبع ولن ندخل القدس إلا مع إخوتنا المسلمين".
لذلك كلما تجدد الجدل حول قضية حظر التطبيع، تجدد رد الفعل المتشدد برفضه كل أشكاله، لأن هذا القرار يقع في حضرة الوجدان الذي لا يعرف التلاعب ولا المواءمات ولا تغليب المصالح الشخصية.
التفكير الفاسد
كان منطق الدكتور عبد المنعم سعيد، في حواره للمصور عن التطبيع وزيارة إسرائيل، وتحالف كوبنهاجن، أن قرار النقابة "موضوع لم يتعرض لمناقشة جدية داخل النقابة"، وأنه "صدر بناءً على بعض الشعارات والهتافات والصياح من البعض"، مضيفًا أنه "لا ينبغي أن يصدر قرار بمثل هذه الخطورة، يتناقض مع قرارات سيادة الدولة، بمثل هذه السهولة".
وأنه لديه إحساس بأن نقابتنا "واقعة تحت تأثير سياسي معين، يستهدف اصطياد بعض الشخصيات، ومحاولة الاستفراد بمجموعة معينة، وهذا عمل سياسي وليس عملًا نقابيًا". كما أدلى في الحوار بكثير من الآراء السياسية التي تثير قدرًا كبيرًا من الخلاف، والتي أكدت أنه هو، وليس أعضاء مجلس النقابة، الذي كان يحاول تطويع الموقف النقابي لخدمة هدفه السياسي!
لم يصدر قرار حظر التطبيع بناءً على شعارات وهتافات بل بإجماع أعضاء الجمعية العمومية
كان أشد ما أدهشني أن يتناول الدكتور، وهو باحث وأكاديمي مرموق، قضيةً يدلي فيها بآراء ويصل فيها إلى نتائج، دون معلومات حقيقية أو مدققة! ولأنني أثق بأن خلاف المجلس معه كان خلافًا نقابيًا بالدرجة الأولى، فقد اقتصر ردي على إيضاح بعض الحقائق، يمكن توضيحها فيما يلي:
قرار حظر التطبيع لم يصدر بناءً على شعارات وهتافات وصياح بعض أعضاء الجمعية العمومية، فقد صدر لأول مرة عن مجلس النقابة في فبراير/شباط 1980، الذي كان يضم في عضويته ممثلين لكل المؤسسات الصحفية والتيارات السياسية، بما فيها الحزب الوطني.
وفي مارس/آذار 1980 حصل قرار المجلس على إجماع الجمعية العمومية، ونص على "مقاطعة كافة أشكال التطبيع النقابي مع الكيان الإسرائيلي، حتى يتم استرجاع جميع الأراضي العربية المحتلة".
ظلت الجمعيات العمومية المتتالية تؤكد على هذا، وتضيف إليه، وتتشدد في صياغته، لينص آخر قرار صادر عن الجمعية العمومية في مارس 1995 على "حظر كافة أشكال التطبيع المهني والشخصي والنقابي، ومنع إقامة أي علاقات مع المؤسسات الإعلامية والجهات والأشخاص الإسرائيليين، حتى يتم تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة، وتطلب الجمعية العمومية من أعضائها جميعًا الالتزام الدقيق بقرارات عدم التطبيع، وتكليف المجلس بوضع أسس المحاسبة والتأديب لمن يخالف القرار".
المسافة بين الدولة وتنظيماتها
كما أن اتحاد الصحفيين العرب، الذي يضم نقباء الصحفيين، أكد في كل وثائقه واجتماعاته على قرار حظر التطبيع. وأرسلت الأمانة خطابات إلى كل النقابات العربية، "منها النقابة المصرية بالطبع، وهي أكبر نقابة عربية"، أكدت فيها على القرار، وشددت على متابعة تنفيذه. ولا أعتقد أن صياغة هذا القرار في هذا المستوى من العمل النقابي العربي كان وراءها "صراخ وصيحات البعض"!
إنني لا أعرف ما المقصود "باصطياد المجلس لبعض الشخصيات، أو الاستفراد بمجموعة معينة لأسباب سياسية"، لكنني أعرف تمامًا -كعضو جمعية عمومية- أن المجلس سبق له في مرات كثيرة "لفت نظر" عدد من الزملاء الذين خرقوا قرار حظر التطبيع. وفي كثير من الأحيان، كان المجلس لا يتحرك إلا بناءً على شكوى مكتوبة من زملاء بالجمعية العمومية نتيجة "اختراقات وانتهاكات فجة واستفزازية لهذا القرار من قبل بعض الزملاء"، مثلما حدث عقب ما سمي بتحالف كوبنهاجن. الذي يصر "الدكتور" على أنه ليس تطبيعًا.
لا بد من إدراك أن الفارق الكبير بين "قوانين الدولة" و"سياسات الدولة"، وأن هناك "مسافة ما" في العلاقة بين النظام والتنظيمات. والدولة في مصر لم تلزم المؤسسات المدنية بضرورة التطبيع، بل إن حسني مبارك رئيس الدولة أكد في أكثر من مناسبة أنه لا يستطيع أن يجبر أحدًا على السفر إلى إسرائيل، وهذا نفسه شأن العديد من الوزراء والوزارات، والأمثلة كثيرة ولا يتسع لها المجال. بل إن قوانين البلاد هي التي تحدد للنقابات سلطة محاسبة أعضائها، وتنفيذ قرارات جمعياتها العمومية.
إن نقابة الصحفيين لا تنفرد بقرار حظر التطبيع، لكنها، شأنها في ذلك شأن كل النقابات المهنية والاتحادات والروابط الشعبية، اتخذته ليس في مواجهة السلام "وإعلان الحرب يا دكتور"، بل طلبًا لسلام حقيقي، تعود فيه الحقوق المسلوبة، وهو ما تعتقد هذه التجمعات -حتى الآن- أنه لا يشكل أية قناعة لدى قيادات إسرائيل.
إنني أسأل بصراحة وإخلاص: هل مقتضيات المهنة فعلًا هي الدافع لخرق هذا القرار؟ وما تفسير أن أغلب الحالات التي وقف أمامها أعضاء الجمعية العمومية والمجلس كانت حالات تلبس سياسي وليس فعلًا مهنيًا يستهدف المعرفة وجلب الأخبار؟ فنحن نعرف - في ظل ثورة الاتصالات الحالية - كيف يحدث ذلك.
ثم إن مؤسساتنا لم تستكمل تغطية كل ما يستحق مهنيًا على الساحة العربية والدولية، ليتبقى لها فقط إسرائيل. لقد اقترحت قيادة نقابية وصحفية فلسطينية بارزة أن يستعينوا بالصحفيين الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة.. خاصة وهم معطلون، وصحفهم مغلقة. وقُدّم الاقتراح بالفعل إلى اتحاد الصحفيين العرب.
إن نقابة الرأي لا يمكن أن تحاسب أحدَ أعضائها على رأيه، وإلا كان ذلك إلغاءً للمهنة. وهذا أمر مضحك وغير منطقي. والأمر متعلق بسلوك نقابي تمثل في خرق قرار للجمعية العمومية. بدليل أن الدكتور عبد المنعم يقول إنه مؤيد لكامب ديفيد منذ تمت. وأنه في هذا التيار منذ 1982 عقب عودته من أمريكا، وأن كتاباته في هذا موجودة وشاهدة.
إذن أين المشكلة؟! المشكلة هي الخلاف على احترام قانون النقابة، وجمعيتها العمومية، وقواعد الأداء النقابي الديمقراطي. فالحوار واجب، ومشاركتنا في صياغة قرارات جمعياتنا العمومية بالطريقة والأسلوب الذي نتفق عليه فرض عين، وإلا أصبح ما نقوله مجرد شعارات في غير مكانها، ودعوة إلى الفوضى أبرأ بنفسي وبالدكتور عبد المنعم قبلي أن يكون من دعاتها.
شكوى الصحفيين مؤخرًا إلى مجلس نقابتهم ضد خرق هذا القرار من زميل، وموقف المجلس السريع بالإحالة إلى التحقيق، لم يكن الأول ولن يكون الأخير، بل هو تأكيد على موقف ثابت، حيث تمضي الأيام وتتوالى الأجيال، وتظل فلسطين في الوجدان، ويظل الكيان الصهيوني هو العدو الأول في عقيدة المصريين
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

