بين الانقطاع عن القراءة والعودة إليها.. ماذا يحدث لدماغك؟
انقطعت فترةً عن القراءة. أقصد القراءة المتعمقة بشكل منتظم لرواية أو كتاب أو حتى مقال طويل، لكن لم أتوقف عن القراءة "الضَّحْلة" التي تفرضها الحياة اليومية علينا، وهو نمط قراءة سطحية يمكن أن أدرج تحته بوستات فيسبوك والمقالات العابرة والأخبار وحتى القراءة خلال حوار مع نموذج ذكاء اصطناعي. لذلك وجب التنبيه إلى أن كلمة "القراءة" مجردةً من أي وصف إضافي في هذا المقال المقصود منها الممارسة المتعمقة المنتظمة بالمفهوم التقليدي.
لم تتضح كارثة الانقطاع عن القراءة إلا عند العودة إليها. شعرتُ أن إدراكي للجمل واستيعابي الطبيعي للربط الذي يصوغه الكاتب بين اللفظة والتي تليها وفقرةٍ وأخرى باتا يستغرقان وقتًا أطول حتى يتشكل المعنى وتتجسد الفكرة في عقلي. سألت هل ثمة تفسير علمي لذلك؟
دماغ القارئ
عصبيًا، تُحدث القراءة تغييرًا فعليًّا في بنية الدماغ؛ إذ تعزز الدوائر العصبية المسؤولة عن اللغة والخيال والذاكرة، كذلك يخلق الحفاظ على عادات القراءة المنتظمة طوال الحياة رصيدًا معرفيًّا وقائيًّا يؤخر التدهور الذهني عند الشيخوخة مقارنةً بالذين لا يقرؤون، بحسب موقع NeuroLaunch المتخصص في موضوعات الصحة العقلية والتنوع العصبي.
وفي تجربة مثيرة أجرتها جامعة إيموري الأمريكية، أظهر المشاركون الذين قرأوا روايةً في بضعة أيام زيادةً في الترابط العصبي بالقشرة الصدغية اليسرى؛ مركز اللغة في الدماغ، وأيضًا في المنطقة التي تتحكم في الحركات الإرادية والمسؤولة عن معالجة الإحساس باللمس والحرارة. العجيب أن تلك الزيادة في الاتصال العصبي استمرت لمدة خمسة أيام على الأقل بعد أن أنهى المشاركون قراءة الرواية، ما يشير إلى أن القصص تترك أثرًا ماديًّا في الدماغ لفترة طويلة حتى بعد إغلاق الكتاب.
قرأتُ قصةً قصيرةً لصديقي الكاتب محمد سعيد جمعة بعنوان "في البدء كان الحرف" ضمن مجموعة قصصية تحت الطبع عن مُعلم يفقد النطق، لكن ذلك لا يحدث فجأة، إنما يفقد حروف اللغة حرفًا تلو الآخر على فترات منتظمة حتى يصبح غير قادر على الكلام. هذا مثال جيد لما يحدث في الدماغ نتيجة استبدال القراءة الضحلة بالقراءة الحقيقية المتعمقة، غير أنك هنا لا تفقد قدرتك على عملية القراءة البصرية البحتة للكلمات، لكنَّ قدرة عقلك على الربط بين الألفاظ والتراكيب للوصول إلى صورة إدراكية شاملة تضعف بمرور الوقت.
في كتابها "أيها القارئ، عُد إلى وطنك"، تؤكد الباحثة ماريان وولف أن اكتساب مهارتَي الكتابة والقراءة لدى الإنسان العاقل أهم إنجازات الوراثة اللاجينية، إذ تنمو في الدماغ منطقةٌ تُسمى "شكل الكلمة المرئية" وهي رقعة من القشرة القذالية الصدغية اليسرى لا تكون موجودة عند الولادة، إلا أنه مع تعلم الطفل القراءة والكتابة تصبح شديدة الحساسية للكلمات المكتوبة وتتطور مع العرض والتكرار.
بالتوقف عن القراءة المنتظمة، تضعف حدة هذه المنطقة من الدماغ، ويصبح التعرف السريع والتلقائي على الكلمات، الذي يعتبره القراء المتمكنون أمرًا مفروغًا منه، أبطأ وأكثر صعوبة، حيث تعمل المسارات العصبية وفق مبدأ "استخدمها أو تفقدها"، وشبكات القراءة المتخصصة ليست استثناءً من ذلك.
قراءة ضحلة
الجيد أن المشكلات التي تنتج عن الانقطاع عن القراءة، تتبدد بالعودة إليها مرة أخرى، وتقترح ماريان وولف المواظبة على القراءة العميقة 20 دقيقة يوميًا لإعادة الوظائف العقلية التي يفقدها الدماغ المنقطع. لكن كيف وماذا نقرأ؟
تشير أبحاث إلى أن القراءة الرقمية والتعرض المفرط للتصفح المجزأ والمدفوع بالروابط التشعبية يُعيد تشكيل شبكات الانتباه بطرق تجعل القراءة الخطية المتواصلة أكثر صعوبةً، وما يحدث في الدماغ نتيجة الاعتماد على القراءة السريعة والعادات الرقمية ليس عيبًا بقدر ما هو إعادة تكيف للشبكات العصبية، حيث تبدأ الذاكرة بالاعتماد بشكل أكبر على الذاكرة الخارجية، والهاتف، وسجل البحث، والمساحة السحابية، بدلًا من الذاكرة الذاتية.
وهناك ما يُعرف بتأثير جوجل؛ إذ يميل الإنسان لنسيان المعلومات التي يمكن إيجادها بسهولة عبر محركات البحث على الإنترنت، ويتذكر الناس بشكل متزايد مكان العثور على المعلومة بدلًا من المعلومة نفسها.
وباعتباره عضوًا متكيفًا، يتحسن الدماغ في هذا الجانب تحديدًا. وفي المقابل يتدهور حاله مع المهارات التي تتطلب عمقًا مستمرًا، مثل القراءة المطولة أو حل المشكلات المعقدة، وتُمارس بشكل أقل، لتصبح أكثر صعوبة مما كانت عليه في السابق. إذًا لا مفر من القراءة المطولة والعميقة دون مشتتات للحفاظ على عقل ينتج أفكارًا بجودة عالية ويملك حسًا نقديًا متطورًا.
نقطة على جدار
إذا كانت القراءة الضحلة تخدع القارئ بالتشتت ولا تقدم له تجربة جيدة وعميقة مقارنة بالقراءة المطولة، كذلك تفعل النصوص الرديئة وكتابها؛ يخونان ثقة القارئ.
كممارس لفعل القراءة لا تتوقف مهمتي عند الاستقبال الآلي للمعلومات؛ إنما أتوحد مع النص وأربط الجمل بعضها ببعض وأراقب الاتساق والمنطق الداخلي لما أقرأه، وأبني بذلك تمثلات ذهنية مستدعيًا ثقافاتي ومعرفتي السابقة، وعدم وعي الكاتب بتلك العملية يوقعه في فخ الرداءة.
حين يشتري القارئ كتابًا، ويغلق عليه غرفته ويهيئ الأجواء لجلسة لها قدسيتها وخصوصيتها لممارسة هذه العملية الروحية/القراءة، ويستدعي روحه وعقله وكيانه وينخرط في تلك العملية، فإنه يتوقع أن يبادله الكاتب ذلك بنص متعدد الأبعاد؛ من اللغة إلى الأسلوب وصولًا إلى الطبقات البلاغية وحتى الرمزية والتأويلية.
صحيح أن الكُتاب يتفاوتون في الجودة وتختلف أساليبهم، ومفهومٌ بالطبع أن فكرة الجودة نسبية؛ لا تخضع لقياس صارم وواضح يحدد قيمتها بين كاتب وآخر، لكنني هنا أتحدث عن احتشاد النص بالأبعاد المتعددة؛ فكرةً ولغةً، بحيث لا تكون النصوص أشبه بنقطة على جدار؛ ليس لها طول أو عرض أو عمق. بين هذا وذاك لا يملك القارئ الجاد إلا المثابرة والنهم والتخيُّر بين الجد والهزل.