بين الكاتب والقارئ
لماذا أصررتُ على أن أكون كاتبًا؟ ما زال هذا السؤال يطاردني إلى الآن. ليس السر وراء احتراف الكتابة شخصيًا بالتأكيد؛ هذه المهنة القديمة التي تتوارثها الأجيال منذ القدم لتحفظ تفاصيل حياتها الخارجية والداخلية معًا موثقة بنكهة شخصية.
"كل نصٍّ ما يحتوي على تاريخ الكتابة" بحسب الكاتب والفيلسوف الفرنسي رولان بارت (1915-1980) في كتابه لذة النص (نُشر للمرة الأولى 1973)، فالمادة الخام للكتابة والبذرة الأولى لها، كخيال وأساليب ورموز، تظل تتناسخ في كل نص حديث، وتربطه بالقديم. هناك إرادة تراث تكشف عنها رغبة الكتابة، فالنص" كائن لغوي يشهد على حضور التراث فيه". أيضًا هناك إرادة حدس بالمستقبل، ومعهما يتشكل هذا العالم الموازي الذي يعيش فيه الكاتب ليسد، بالكتابة، فراغات الحياة وثقوبها.
ربما أكتب حتى لا أكون وحيدًا. لا تستهدف الكتابة صاحبها فقط، بل هناك آخر تبحث عنه، أيًا كان موقعه الزمني، ينتظر مِنَّا رسالة، سواء كان فردًا أو جماعة. تبدو الكتابة بهذا التوصيف أحد الاختراعات الحميمة التي أضافت ممارسة جديدة للفرد لفهم الحياة والآخرين.
بدأتْ الكتابة رحلةً جماعيةً تجاه فهم المجتمعات الأخرى. أغلب الكتابات القديمة اهتمت بالتوثيق للحياة العامة، ولكن عبر هذا النسيج الكثيف للجماعات الإنسانية وأحداثها الكبرى والصغرى، هناك مرثيات شخصية، هموم خاصة، تساؤلات حول الوجود، تتخلل هذا النسيج.
ظهر الكاتب الفرد، المؤلف، أو الشاعر، أو المؤرخ، الذي بدأ ينفصل عن جسد الجماعة ويغنى بمفرده. خلقت الدوافع الفردية للكتابة قدرة إضافية لتوسيع الذاكرة الإنسانية وشحنها بالمشاعر التي تقف وراء الأحداث. أصبح الكاتب حامل المعرفة مثل الشخص الذي يحاول النجاة في البحر، أو الباحث عن صديق، فيضع رسالة استغاثة أو ود، في زجاجة لتحملها المياه بعيدًا بحثًا عن صاحبها المختار، القارئ، فالاثنان كانا يبحثان عن بعضهما البعض.
حرز الكتابة
أي نص لا يكشف عن داخله بسهولة إلَّا لمن يحتاجه ويفك حرزه كما يقول رولان بارت "النص في أصله حرز، وإن هذا الحرز ليرغبني، والنص يختارني. ويوجد الآخر دائمًا، إنه المؤلف، وإنه ليوجد ضائعًا في وسط النص، وليس خلفه".
هناك سر ما يكتنف الكتابة، وكأي خبرة ثمينة، كالنص، هناك حجاب يحميها من الدخلاء. لا يبوح النص بأسراره إلا لمن يخوض تجربة القراءة بكل تحولاتها. كثيرًا ما أعيد قراءة روايات أو كتب فكرية، أو غيرها، سبق لي قراءتها، وقضيت معها أوقاتًا مشحونة بالمتعة، أو السأم. في كل مرة ينكشف جانب جديد من هذا السر، أو تظهر أخطاء القراءات الأولى، بالرغم من أنها لم تكن فادحة، لكنها أخفت أحاسيس أو مواقف أو زوايا لم أنتبه لها في وقتها، ربما لأني كنت مشغولًا أكثر بالوصول للمتعة أو السأم من أقصر طريق.
كل نص يحمل العلامة المائية لجينات النص الأول الذي جاء منه وأي نص هو بداية مفتوحة تنتظر من يكملها
لأن الكتابة مسؤوليةٌ، تضع خبرتها في المكان الصحيح وتختار قارئها المستحق، من يخوض تلك الرحلة العكسية لخطوات تحولها من فكرة إلى نص، وهي صفة العدالة التي تتسم بها، فيبطل مفعولها وتُسد أبوابها أمام القارئ غير المستحق لها.
هذه الخبرة الثمينة لا تُقاس بالمعاني فقط، بل بالدور الذي يلعبه النص، عبر هذه الرموز والأفكار المشتركة بينه وبين النصوص التي سبقته، ومسؤوليته المستترة عن استمرار تاريخ الكتابة. كأن للنص ميلادًا، بوصفه الابن، لآباء غائبين، وأيضا أسبقيته لغيره تمنحه، في الوقت نفسه، صفة الأبوة. هو الابن والأب معًا، وبهاتين الصفتين يدخل في سلسلة من النسب في شجرة عائلة النصوص. كل نص يحمل العلامة المائية لجينات النص الأول الذي جاء منه. وأي نص هو بداية مفتوحة تنتظر من يكملها. "القراءة تجعل من المكتوب بدايات لا تنتهي".
أحيانًا ينكشف السر، تخطو كقارئ، داخل النص، تصعد درجات خشبة المسرح، تقف وجهًا لوجه أمام كاتبه، تشعر به ولا تراه، وربما يكون وجهه خليطًا من وجوه العالم. أحيانًا يتحداك هذا الكاتب، أو يكشف لك لعبته الجمالية، ليشركك، كقارئ، في هذه المسؤولية. أنا قارئ مخدوع قبل أن أكون كاتبًا، قبلت بالخديعة في سبيل الحقيقة، أو للحصول على المتعة التي يولدها الكلام، "فالكتابة علم متعة الكلام".
القارئ العدَّاء والقارئ النموذجي
أيُّ نصٍ فعلُ مشاركة، بين الكاتب والقارئ. أي رأي شفاهي أو مكتوب يصل لي من قارئ متتبع لأعمالي؛ يعيد علاقتي بنفسي في المكان الصحيح، وعندها أعيد قراءة نفسي وتجربتي في الكتابة بحدب كضيف خفيف، كأن هناك اتصالًا كونيًّا تم بيني وبين تجربتي، بسبب هذا القارئ.
حتى ولو كان هذا القارئ غائبًا في الواقع، لكنه حاضر عبر تاريخ الكتابة، بقوة حاجة الكاتب لمن يبدد وحدته، ويصله بالجماعة الإنسانية. يظهر هذا الشبح/القارئ الذي كان يقف بعيدًا، أشعر بوجوده أثناء الكتابة، لكني لا أراه، أرى الورقة التي أكتب عليها، أو شاشة اللابتوب المضيئة، تشف عن يد بجواري تنسخ ما أكتبه، وتعيد الاستمتاع به، وهنا يتسلل إليّ شعور الرضا. لولا هؤلاء الأشباح، لما كان هناك نصوص أصلًا.
لا تنتج الكتابة إلا داخل وحدة، تنسخ كروية الأشياء والكون: النهاية التي تسلم لبداية، وهكذا، والقارئ يقف منتظرًا عند خط نهاية النص ليحمل عصا العداء من الكاتب ويكمل رحلته. كل منهما يحمل جزءًا من الرسالة التي سقطت على الكون باختراع الكتابة والقراءة.
أصبح هذا القارئ المثابر إحدى أدوات حفظ الخبرة الثمينة للنصوص وليس الناقد
ربما من أهم شروط هذا التواصل العميق بين الكاتب والقارئ التواضع، فالاثنان رأيهما نسبي، لا يملكان الحقيقة المطلقة، لذا يقفان على خط لا يريان آخره. التجسيد العملي لهذا التواضع، بالنسبة للقارئ، ربما هو الشك في نية الكاتب، أو اختصار الطرق والاستسلام السريع له، أو تحديه بقوة، ولكن ربما الأهم الوصول للمتعة والاستمتاع عبر الحدس وليس عبر الحقائق المتبادلة. "يقع على عاتقي إذن أن أبحث عن هذا القارئ، وأن أغازله، من غير أن أعرف أين هو، وهذا سيكون فضاء المتعة قد خلق".
ملايين الحوارات الصامتة والإيماءات المُستفسِرة والإعجابات الباسمة تجري تحت مائدة قراءة النص بين الكاتب والقارئ، تتحول في النهاية إلى لغة وطريقة في التحليل يحوزها هذا القارئ الحقيقي والمثابر، ويمكن أن تصبح طريقة في النقد لفحص جودة النص. فدور هذا القارئ، داخل مجتمع الكتابة، إنشاء طريق منظم للقراءة، حتى لا تهدر خبرة النصوص هباءً. أصبح هذا القارئ المثابر إحدى أدوات حفظ الخبرة الثمينة النصوص، وليس الناقد.
يسمي أمبرتو إيكو هذا القارئ الافتراضي بالقارئ النموذجي، وهو بالنسبة له ليس من لحم أو دم، ولكنه جزء من فاعلية وتكوين أي نص، فالنص بالنسبة إليه آلة غير مكتملة تعتمد على مشاركة القارئ لملء الفراغات الموجودة بين السطور، وهذا القارئ النموذجي يحمل مهارات وثقافة موسوعية كبيرة للتفسير والتأويل، مقابل القارئ الواقعي الذي يمسك بالكتاب وقد يمتلك قراءات خاطئة، أو بعيدة عن نية المؤلف.
العلاج بالكتابة
يكتب الفيلسوف الفرنسي جورج باتاي "إنني إذ أكتب فلكي لا أكون مجنونًا".
الكتابة بهذا المعنى علاج ذاتي تمنع الازدواج، تلئم الروح المنشطرة، والكاتب كجراح أجرى جراحته لنفسه، وهنا يظهر الجزء الاستئصالي/التطهري في عملية الكتابة. في أشد لحظات الأسى لم يكن هناك أحد يقف بجوارك. هذا الجنون أو طيف منه، انتقل إليك، عبر الطبيعة، التي ورثت تناقضاتها.
ربما هذبت الكتابة من توحش الحياة وبربريتها وجنونها؛ تلك الابنة التي لم يعمل حسابها، وجاءت ضد رغبتها، وأضافت السمو والنبل عليها، ومن بعدها اكتسبت الحياة نظرة جديدة لنفسها. أعادت الكتابة تنظيم المخايل والرغبات، ودوائر إنتاج الأسئلة والشكوك، وأوجدت دوائر أوسع لإنتاج الحب، والقسوة الرشيدة، وتبديد الوحدة، وإعلان المواساة.
ربما تحيك الكتابة/القراءة حولنا شرنقة، وتعمق من عزلتنا، لكنها عزلة لها باب خلفي للالتقاء بالآخرين الذين يكتبون/يقرأون معنا الكتاب نفسه، نشير لبعضنا البعض عبر هذا الجدار الشفاف الذي يفصل بين العزلتين.
فهذا الذي يسير ويقف بيني وبين النص، وأوجه له كلامي، وهذا الذي ما زال صوته يتردد أمام عيني وفي أذني عبر آلاف السنوات، وعبر آلاف الصفحات، كلاهما نقل لي طريقة من طرق الحب، والفهم، ومواساة الآلم، والتغلب عليه.
ربما اتخذ الكاتب موقف المحارب الأول في الانقضاض على الفريسة/المعنى، ويمكن أيضًا تمثيله في لحظة اكتشاف واستجلاء هذا المعنى كنوع من الجراحة أو الاستئصال الوجودي، كلا الموقفين يحمل صفه المبادرة الأبوية.
بينما القراءة فعل مبادرة، لكن على أرضية أمومية، تتمثل في الاستيعاب والتأمل، وتحويل هذه الخبرات إلى فهم. داخل الكتابة كنت الأب والأم معًا، الكاتب والقارئ. كما كان النص الابن والأب معًا. هل خرجت الكتابة، مثل أي نص مقدس، لتفسير هذه العلاقات الأولى، وما استتبعها من علاقات؟ ربما.
