تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
لا نرى في فيلم فلسطين 36 أي تجسيد للصهيونية وأفكارها ومخططاتها وجرائمها

فلسطين 36.. غابت الصهيونية وحضر الشعب الجميل

منشور الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر 2026

"التاريخ لا يرحم، فمع تزايد أعداد المهاجرين اليهود الهاربين من العداء للسامية في أوروبا.....". عبارةٌ من ملخص فيلم آن ماري جاسر فلسطين 36 (2025)، الوارد في الورقة الدعائية التي يتلقاها المتفرجون الأوروبيون قبل الدخول لقاعات العرض السينمائي، وتتولى إعدادها عادة شركة التوزيع بالتعاون مع جهة الإنتاج. وفي ملخص آخر، على موقع filmaffinity، يُسمى هؤلاء المهاجرون بـ"اللاجئين اليهود".

يثير الانتباه أن ملخصات الفيلم المنشورة يصعب فهمها؛ تنتقل من موضوع لآخر دون رابط بينها. لكن تفسير هذه المسألة حاضر في الفيلم نفسه، فهو عبارة عن "اسكتشات" منفصلة حاولت المخرجة أن تجد لها رابطًا، أو صور مختلفة داعبت خيالها، مثلما أشارت هي ضمنيًا، فصنعت منها فيلمًا.

بالإمكان تجاهل تلك العبارة المخادعة، وغياب الإشارة للحركة الصهيونية في ملخصات الفيلم الرسمية وغير الرسمية، كشيء فرضته جهة الإنتاج الرئيسية البريطانية "بي بي سي فيلمز". لكننا نجد فخاخًا عديدة في الفيلم نفسه، فخاخًا تمحو دور الحركة الصهيونية في تدمير الشعب الفلسطيني، قبل وأثناء وبعد ثورة 1936، ومن قبل تصاعد العداء للسامية في أوروبا، وتكرر إحدى أكاذيبها؛ بأن المستوطنين جاؤوا إلى فلسطين لاجئين، وأن الصراع انحصر بين العرب وقوات الانتداب البريطاني.

ترايلر فيلم "فلسطين 36"، إخراج آن ماري جاسر (2025)

غياب الثقل الصهيوني

فيما تتأمل عفرا وأمها أسوار المستوطنة الصهيونية، التي كان يسميها الفلسطينيون بـ"الكوبانية"، تسأل الابنة عن هؤلاء الناس ولماذا أتوا إلى أرضهم. الأم، أرملة الشهيد، والتي ستصبح لاحقًا ابنة الشهداء، تجيبها بأن "بلادهم مابدهاش إياهم". لا نرى وجوههم عن قرب، لكن هذه العبارة تجعلنا نراهم ضحايا، اضطروا للهجرة/اللجوء لأن بلادهم طردتهم.

المتفرج الجاهل بتاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ودولة الاستيطان، لن ينتبه إلى المشروع الصهيوني ودوره في هذا الصراع الذي يشاهده على شاشة العرض بين القوات البريطانية المتوحشة والفلسطينيين المتمسكين بأرضهم. وبالتالي لن يدرك خصوصية المسألة الفلسطينية. فالصهيونية، كحركة منظمة وأيديولوجيا، ورغم أنها تُنطق ككلمة في لحظات متفرقة من الفيلم، لا تُفسر أبدًا، ولا يتحدث عنها الناس الذين يناضلون متمسكين بقراهم.

لن نجد في "فلسطين 36" أي معلومة ندرك عبرها هذا التعاون التاريخي بين الحركة الصهيونية والاحتلال البريطاني والرأسماليات الأوروبية. فيما عدا إشارة عابرة أن وايزمان زار لجنة بيل للتحقيق ست مرات في مقرها. وأن الكابتن البريطاني السفاحَ سعيدٌ لأنه سيرى لأول مرة منذ ألفي عام جيشًا يهوديًا. فتتوه كارثة الفلسطينيين مع المشروع الصهيوني في دروب القسوة البريطانية، والانقسام في صفوف المحتلين بين أخيار وأشرار، ولجان التحقيق، وانقسام النخبة الفلسطينية بين خونة ووطنيين.

تفجر قبل أيام الخلاف حول فيلم نازا الإسرائيلي/البريطاني بين العرب الذين لم يشاهدوه. البعض سعدوا بالنجاح الذي حققه في مهرجان فينيسيا، والآخرون انزعجوا وارتابوا. هذا الخلاف نفسه يستدعي فيلم آن ماري جاسر ومعه سؤال قديم، تجدد مع الحلقة الحالية من الإبادة. إنه سؤال: لمن تُصنع هذه الأفلام، وماذا ننتظر منها؟

نتصور أحيانًا واهمين أن يوفال أبراهام صنع فيلمه "نازا" من أجلنا، وبالتالي عليه أن يتبنى مواقفنا بالكامل. ونتصور أحيانًا واهمين أن كل المخرجين العرب والفلسطينيين يصنعون أفلامهم من أجلنا، وعليهم أن يتبنوا مواقفنا بالكامل. فننتظر أن تتضمن الأفلام التي تتناول القضية الفلسطينية رفضًا مبدئيًا لوجود دولة إسرائيل، وإشهارًا للعداء الصريح للحركة الصهيونية منذ مشاهدها الأولى، لنتقبلها.

صحيح أننا ننتظر من آن ماري جاسر أكثر لأنها فلسطينية. وصحيح أننا انتظرنا أن يطور يوفال أبراهام مواقفه السياسية أكثر بعد فيلم لا أرض أخرى، وأن ينفصل تمامًا عن مشروع دولته الصهيوني كاشفًا جوهره. لكن السؤال الأكثر حضورًا في حالة المخرجة الفلسطينية هو: هل الحصول على إنتاج شديد الضخامة لعمل فيلم يذكر الجمهور الأوروبي بمسؤوليته التاريخية عن كارثتنا، يبرر بدرجة كافية البرجماتية الخطابية، أو لنقل تخفيف ثقل الحقيقة التاريخية قليلًا، وتجاهل الجوهر الاستعماري الغربي للصهيونية؟

تتقبل قطاعات واسعة من الأوروبيين الحديث حول جرائم الحقبة الاستعمارية القديمة، فقد انتهت. لكن أغلب هذه القطاعات ما زالت ترفض الحديث عن إسرائيل باعتبارها جريمة عصرية، صنعتها دولهم لاستمرار الاستعمار بأشكال أخرى. فهل تفلح الصيغ الدرامية "الخبيثة" أو "المتذاكية"، مثل تصوير المستوطنين الصهاينة وكأنهم لاجئون، في أن نحتل تدريجيًا وجدان الأوروبيين على أمل تغيير مواقفهم السياسية مستقبلًا؟ أم أن الأولوية هي رواية التاريخ كما نراه نحن العرب والفلسطينيين دون تخفيف مضمونه، أيًا كان تأثير هذا المضمون على درجة انتشار الأفلام عالميًا؟

حضور الجمال الفلسطيني الفائق

لأننا لا نرى أي تجسيد للصهيونية وأفكارها ومخططاتها وجرائمها، نضطر للبحث داخل الفيلم عن الجريمة التي ارتكبها اليهود بعد أن "لجأوا" إلى فلسطين، فنجد جريمتين حصرًا: حرق بعض الأراضي في محيط قرية نسمة تمهيدًا لتوسيع المستعمرة/الكوبانية، وإطلاق الرصاص على والد البطل يوسف.

لا يمكن عد أي منهما من الجرائم الكبرى. فالمتفرج الأوروبي اعتاد على أخبار احتراق أجزاء من غابات بلاده كل صيف لصالح مشاريع استثمارية مستقبلية، سيكتشف حجمها وفسادها بعد سنوات. والجريمة الثانية تحتمل التبرير؛ رجال عرب، قد يكونون مسلحين، يقتربون ليلًا من أسوار مستوطنة يقطنها هؤلاء الخائفون الذين هربوا من بلادهم التي لا تريدهم. يحذرهم الحارس من فوق برج المراقبة صارخًا "قف"، ثم يطلق رصاصة واحدة تقتل أحدهم.

المقتولُ فلسطينيٌّ، وضحايا قواتِ الاحتلالِ البريطانيِّ فلسطينيون، فبإمكاننا أن نتصور ونحن نغادر قاعة العرض أن المخرجة اكتفت بأن تقول للأوروبيين "كان هناك شعب في فلسطين قبل أن يحضر اليهود. شعب مقاوم وأنيق ووسيم ومتحضر. كان عنده ثاني إذاعة في المنطقة بعد القاهرة، ولسبب ما قررت القوات البريطانية ممارسة أقصى درجات التوحش ضده". رغم أننا لم نعد بحاجة لإثبات وجود شعبٍ في فلسطين قبل الاستيطان والإبادة والتطهير العرقي الصهيونية، فالعالم كله يعلم ذلك.

لا بد من التوقف عند "صورة الشعب الجميل"، كما يقدمها الفيلم. وكلمة جميل تستخدم هنا بالمعنى الحرفي الشكلي. فكل شخصيات "فلسطين 36" من رجال ونساء يتميزون بالجمال والجاذبية الأقرب للنموذج الأوروبي/المتوسطي. والقرى بكنائسها ذات جمال أخاذ.

وهناك أنماط حياة متقدمة وهانئة، وقصور عربية في القدس يُشرب فيها الويسكي ويتحدث أهلها الإنجليزية بطلاقة. وامرأة مرفهة تناضل ثقافيًا نيابة عن شعبها، متنكرة خلف اسم رجل. وهي الوحيدة التي تنطق تعبير "الصهيونية" دون تفسيره. وتدخل في جدالات صحفية مع الأفكار الصهيونية، وكأنها تستحق الجدال والنقاش من أجل الفلسطينيين الذين سيقرأون وجهتي النظر، ليختاروا من بين الأفكار المختلفة.

تتقاطع عملية تجميل صورة الشعب الفلسطيني بصريًا مع عملية تجميل وترميم مادة الأرشيف المستخدمة في الفيلم، لتصبح أكثر أناقة وجاذبية، لتلائم الشعب. على الرغم من أن ملامح أبناء الشعب تختلف في هذه المادة الأرشيفية عن ملامح الممثلين الذين يجسدونهم.

حضور وغياب التاريخ

من بين الجميع يبرز البطل يوسف. لكن من هو يوسف؟ إنه كل شيء، حيث تلتقي كل الاسكتشات والخيالات البصرية التي أرادت آن ماري جاسر تجسيدها. إنه فلاح، يتحدث الإنجليزية بطلاقة، وسائق، وعضو مؤقت بالجمعية الإسلامية المؤسسة بأموال الصهيونية، وجرسون، ومقاوم، وابن الشهيد وأخو السجين، والأكثر لمعانًا من بين المقاومين وربما أشجعهم.

لا داعي للاستغراق في مناقشة هذه الصيغة الفردانية المناقضة لفكرة الثورة الجماعية من أساسها. لكنها تُفرض علينا، فهي لا تتجسد فقط في يوسف/كريم داود، والصحفية خلود/ياسمين المصري، بل أيضًا في خالد/صالح بكري، رمز المقاومة، اللص اللطيف الذي يسطو على القطار لتمويل الثورة، الوسيم، الشجاع، والمبتسم بتحدٍ في لحظة الاعتقال وربما الموت. لكن المعضلة الفردانية تتكشف من شخصية خالد نفسه، اشترك في الثورة والنضال المسلح بالصدفة وبعد رفض، تغير موقفه لأنهم لم يدفعوا له مقابل ساعات العمل الإضافية كحمال في الميناء.

لنعود للسؤال الأساسي الذي يربط "نازا" بـ"فلسطين 36"، ماذا نريد أو ننتظر من مضامين الأفلام في زمن الإبادة والمعارك المصيرية؟ ستختلف الإجابات. لكن، ربما يتفق الجميع على أن المأساة الفلسطينية بحجمها الهائل تفرض بعض التشدد في قراءة الأفلام والروايات التي تتناولها، أيًا كان مصدرها. تفرض القلق من غياب جذرية الإسرائيلي، ومن الاحتمالية الحاضرة منذ 7 أكتوبر 2023 أن تتطهر دولة التطهير العرقي والإبادة من طبيعتها بتحميل المسؤولية لبعض سياسييها وقادتها العسكريين. وتفرض القلق من ميوعة الخطاب العربي والفلسطيني لتمرير الأفلام وضمان انتشارها، بتخفيف حقائق التاريخ.

لا تلتزم السينما، وبالذات الروائية، بحرفية الحقائق والوقائع التاريخية. إنها مسألة بديهية، لكن البحث في الدولاب التاريخي لمجرد اختيار بعض عناصره لخلق اسكتشات ومشاهد تمس من بعيد جوهر المأساة الفلسطينية، أمر شائك. على سبيل المثال خلقُ المخرجة لشخصية توماس هوبكنز البريطاني الخيِّر بمكتب المندوب السامي البريطاني، الذي لم يوجد أبدًا، ومستوحى من شخصية تنتسب للقرن التاسع عشر، وليس للحظة التاريخية التي يتناولها الفيلم.

انزعج الكثيرون من حالة الاحتفاء الأوروبية بـ"نازا"، رغم أهمية اعتراف المجرم بجريمته، لأن اللحظة التاريخية تفرض علينا الانتباه لخطر حرف الأنظار عن جوهر الدولة الصهيونية. واللحظة نفسها تفرض الانزعاج من نجاح أفلام عربية تخفف من أصل المأساة، وتحرف رد فعل الجمهور الأوروبي الذي نحتاجه حقيقة ونحتاج انحيازه. جمهور ربما يتأسف بعد خروجه من قاعة العرض ومشاهدة "فلسطين 36" على كيف تحول الضحايا اليهود المساكين لجلادين في الحاضر. لكنه سيذكر نفسه سريعًا بأن الضحايا الفلسطينيين تحولوا لجلادين يوم 7 أكتوبر الشهير. فنتساوى.