تصميم أحمد بلال، المنصة
الرئيس عبد الفتاح السيسي

نظرة على خصائص جمهورية المحو وإعادة التعريف

منشور الاثنين 28 أيلول/سبتمبر 2026

خلال السنوات الماضية، ظهر شعار "الجمهورية الجديدة". كلمتان سرعان ما احتلَّتا أركان القنوات التليفزيونية الرسمية وأصبحتا جزءًا ثابتًا منها. لا يتوارى الشعار بعرض مسلسل أو فيلم، ولا يتنحَّى في رحاب نشرة أخبار أو حتى برنامج ضاحك. يبقى على الشاشة فرضًا واجبًا، يشبه شارة الحداد التي تنطبع في المناسبات لكنَّه بعكسها مؤبدٌّ؛ فلا المناسبة تنتهي ولا الشعار يتبدل أو يزول. وقد أخذت وسائل الإعلام تتداوله بغزارة وتعيد إنتاجه، ليمسي واقعًا مستقرًا لا يقبل النقاش.

وإن يكن، فلا بأس من النظر في المكونات التي تندرج تحت هذا الشعار ولو من باب الفضول.

للوهلة الأولى، يبدو تعبير "الجمهورية الجديدة" جاذبًا وإيجابيًا إلى حد بعيد؛ فكلُّ جديد مُحبَّب وباعث في العادة على التفاؤل، وإذا كانت الجمهورية "القديمة" وُصِمت بكثير المثالب والنواقص التي أدت في لحظة حاسمة إلى الثورة عليها، فإن استحداث جمهورية تتمتع بمزايا وصفات حسنة عملٌ ينبغي أن تطرب له النفوس.

التأريخ لقيام الجمهورية في مصر برحيل الملك فاروق واستيلاء الجيش على الحكم أمر يسهل الاتفاق عليه. لكنَّ الجمهورية الموصوفة بالجديدة، فيجدر النظر في عوامل تكوينها بشيء من الحرص والتدقيق والتساؤل عن دواعي التوصيف، خاصة وأن المؤسَّسة التي حكمت منذ ما يزيد على نصف قرن لا تزال قابضة على السُّلطة، متحكمة في مُقدَّرات الأمور، تتخذ ممارساتُها ومصالحها صبغةَ المدنية، لكنها في الوقت ذاته تتمتع بالسَّيطرة والسلطوية العسكرية، فتتبنَّى وتُبيح وتدعم، أو تتخلَّى وتمنع وتُنكل، وهي تتوغَّل على أي حال في أدق تفصيلات معيشة المواطنين وتؤكد حضورَها الدائم كأخ أكبر؛ لكنها أظهرت في الوقت ذاته من الخصائص والسمات ما يميزها عن غيرها.

المَحو والتفريغ

بادرت الجمهورية الجديدة منذ ابتداع الشعار وربما في أعوام تسبقه أيضًا بالقضاء على كل ما له قيمة فعلية؛ ففي مجال التعليم والثقافة حُذِفَت مواد ومناهج شكلت ذات يوم اللبنات الأساسية في بناء إنسان واعٍ على قدر من النضج والعمق والاستبصار. وفي مجال الفن جُرِّدَ الفنانون من أهم أدواتهم، على رأسها ما يتعلق بحرية التفكير والتعبير؛ بل وصار وجودهم رهنًا بإثبات الولاء. وأُخليت ساحة الفكر من الأصوات الناقدة والمعارضة أو حتى المحايدة وباتت حكرًا على نغمة موحدة.

التراث لم ينجُ بدوره من عملية المحو والتفريغ، ويشار على سبيل المثال إلى ظاهرة تشويه الأناشيد والأغنيات القديمة؛ تلك التي خاطبت خلال أزمنة مضت الحميَّة الوطنية والحماسة في صدور الناس، إذ أعيد إنتاجها بما أفقدها هذه الصفات، وأكسبها قدرًا من الميوعة والليونة والخواء، لتصبح باعثًا على التراخي والخنوع بدلًا من بثّ روح الشجاعة والإقدام والفداء.

أغنية عاش اللي قال، توزيع كريم عبد الوهاب، إنتاج الشؤون المعنوية (2016)


على صعيد موازٍ، دُكَّ الأثرُ الذي حفظه التاريخُ على مرّ السنين، وسُويَت المقابر العتيقة بالأرض كي يحلَّ محلها جسر ومحور؛ لا يقاربها أيّهما ولو من بعيد في المكانة. وعلى غرارها أُفرِغَت عديد الفضاءات العامة من كلّ حجر أو نبت ذي أصلٍ وحكاية، وصِيغت فضاءات جديدة قبيحة؛ مُجرَّدة من الجذور، خالية من الروابط الجمالية، وسهلة التفكيك.

الحَطُّ من شأن الكلمة

الثرثرة

في الحِكمةِ العربية السَديدة "خيرُ الكلام ما قلَّ ودلّ". وفي مقابلها يأتي المأثور الشعبيّ الطريف متسائلًا في استنكار: هو الكلام بفلوس؟!

المعنى أن الثرثرة تبقى عملًا مُحببًّا غير مُدان؛ طالما لم يترتب عليها فعلٌ مؤذ أو غرامة. بنظرة شاملة وعابرة يمكن القول إن الأعوام القليلة الماضية شهدت ميلًا واضحًا نحو تطبيق المأثور الأخير، فقد راح المسؤولون ينتجون من الكلام ما يفيض عن الحاجة ويتجاوز المطلوب، ويمكن القولُ إن كمَّ التصريحات والبيانات التي تعاقبت دون ضابط لمِن الوفرة التي تعوق إخضاعَه للدراسة المُدققة والتحليل، مع هذا لم تتجسَّد الكلماتُ أغلبَ الأحوال على الأرض، ولا تحوَّلت إلى واقع.

اجتماع الوفرة وانعدام الأثر يؤسسان أعراض التُخمة؛ وهي داء يصيب الإنسان جراء كثرة الأكل أو ثقل الطعام، وفيه يتعسَّر الهضم ويتولد إحساسٌ بالغثيان وميلٌ للقيء. الكلام الفائض، الفضفاض بلا طائل، الذي لا ينعكس أغلبه في فعل حقيقيّ ملموس؛ خاصية تميز خطاب الجمهورية الجديدة عن جدارة وامتياز.

وكم من مرة أُطلِقَت فيها الوعود بتحسين أحوال المعيشة، وتحقيق التقدم على مستوى خفض الديون والقروض، وانتشال الاقتصاد من عثرته والناس من بؤسها؛ إنما بغير أن تظهر أي إثباتات أو بشائر لتدلل على القادم المأمول. الأدهى أن يقع بين القولِ المُرسَل والعَمل المَنظور تناقضٌ فاضح صَريح، وفي اجتثاث الأشجار وتصحير المُدن والقضاء على المَساحات العشبية، بالتوازي مع دعوات التشجير والتخضير مثال؛ وعلى هيئته الكثير.

الحَشو

لم يسلم الوعيُ الجمعيُّ من عمليات الإلحاح الإعلامي الدؤوب التي تُقحِم عليه كلَّ تافه، وتحشو الذاكرةَ بالغثّ والسمين. الامتلاء يؤدي بمرور الوقت إلى فيضان يكسح ما في طريقه دون انتقاء؛ ليتساوى الجيد بالرديء، والعميقُ بالسطحيّ، والجوهر بالقشرة. تختلط المعايير إذًا وتصبح التفرقةُ بين ما يتوجَّب الاهتمامُ به، وما ينبغي الالتفاتُ عنه وتجاهله، أمرًا شديد الصُعوبة والتعقيد.

على هذه الخلفية، ينجرف أغلبُ الناس إلى حوارات غير مُجدية، ويتمركزون حول قضايا مُصطنَعة، وينخرطون في أزمات مُفتعلة ساذجة بلا هدف ولا مردود، لتكون النتيجة النهائية انصرافهم عن المُحددات الجادة التي تتطلب الانتباه، إذ ترسم واقعهم وتشكل مصائرَهم.

الحشو مفردة سيئة السُّمعة تشير في كثير الأحوال إلى مكونات هامشية، تُستخدَم لملء الفراغ وحسب دون إيلاء أهمية كبيرة للمضمون، وعلى هذا فإن المساحات الفكرية التي يجب أن تشغل العقل بما يحقق الفائدة لصاحبه تكتظ بما لا يفيد، وتتحوَّل في معية الجمهورية المقصودة إلى وعاء مُهمَلات يتعذر التعامل مع محتوياته دون إشاعة الفوضى في المكان، ونشر الروائح الكريهة.

نسبة كبرى من البرامج التليفزيونية والصحف الرسمية وشبه الرسمية وعديد الأعمال الدرامية الموجهة تُعَدُّ نماذجَ كاشفةً، لا يحتاج المُدقق جهدًا كبيرًا لتصنيفها كحشو منعدم الفاعلية، مُحمَّل بأطنان من القيم السلبية، وتُذكر في هذا الإطار البرامج اليومية التي تشيح بوجهها عما تعاني أغلب طبقات المجتمع من مشكلات، وتسلط الضوء على قضايا من قبيل رداء فلانة أو طلاق علان، وتلك التي تحمل على الدوام لواء الدفاع عما انحدرت إليه الأوضاع، التي لا تنفك تتهم الناسَ بالجحود والنكران؛ حتى تدفعهم إلى تصديق الاتهام.

إعادة تعريف المُعرَّف

خاصية إضافية تستلزم بحثًا لغويًّا مستقلًا إنما يمكن الإشارة إليها على عجل وفي اختصار، وهي إعادة تعريف المصطلحات القديمة وفقًا لأهداف السُّلطة الحاكمة، وإقحام مفاهيم وقيم جديدة داعمة لها.

لقد تشكلت على مدار السنوات الماضية معانٍ موازية لكلمات مطروقة ومستخدمة لم تكن حاضرة من قبل، كما اكتسبت بعضُ المفاهيم تعريفات جديدة، مغايرة لما جاءت به المعاجم والقواميس، وسأتطرق لمثال واحد تتضح فيه المفارقة على أفضل ما يكون وهو مفهوم "التطوير".

خلال الأعوام الماضية وإلى يومنا هذا، تداولت وسائل الإعلام كلمة "تطوير" ومشتقاتها التي تشتمل على الفعل "طور" بصياغاته الماضية والمضارعة؛ لوصف التغييرات التي اكتسحت مناطق سكنية وحدائق ومنشآت فبدلت حالها.

أغلب هذه التغييرات انتهى إلى نتيجة غير مُرضِيَة، لا سيما واللافتات قد غُرِسَت في قلب عديد الحدائق لتعلن خضوعها لعملية تطوير، فما إن انتهي العمل بها حتى فوجئ السُّكان والزوار بأن البراح الأخضر تحول إلى بلاطات باردة، وأن كتلًا من الأسمنت أو غيره تقوم مقام الأشجار، فتحتلُّ الحديقة بغير استحياء ويتم تأجيرها كمحال مُرخَّصة لأصحاب المقاهي والمطاعم. هذا "التطوير" مثل لأكثرية الناس تدميرًا وتخريبًا ومن قبلهما استهانة بحقوقهم الأصيلة، والحقيقة أن مفهوم التطوير يشير مُعجميًّا إلى تحسين وتنمية الموجود وجعله أفضل؛ لا إلى إزالته وإحلال شيء آخر مناقض مكانه.

على هذا، يمكن القول بأن إعادة تعريف المصطلحات والمفاهيم بما يلغي المعاني المتوافق عليها ويؤسس معاني مُستحدَثة ونقيضة، إنما هو عمل مُربِك والحقيقة أن له في الجوار شبيهًا، فالرئيس الأمريكي يعمد مع كل خطاب وتصريح وتويتة إلى صياغة تعريفات خاصة به، تناسب رغباته وأهواءه؛ سياسية واقتصادية وعسكرية، لكنه على أي حال يبقى في دور المُهرج الذي يُشبِعه المتابعون سُخرية واستهزاء.

ختامًا، يمكن القول إنه في إطار الحَشو والمَحو والتفريغ، وإعادة تعريف المفردات بما ينافي ماهيتها؛ تتشكل بعضُ خصائص الجمهورية الجديدة التي تضع على قائمة أولوياتها عملية بناء الإنسان، والتي تسعى فيما يبدو لصناعة جماهير جديدة؛ تتناسب بدورها مع الواقع العبثيّ، وتضفي على المشهد شيئًا من الخِفَّة والطرافة؛ وإن ساءت العواقب وتلبدت الأجواء.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.