تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
عنف التعفيش

عنف التعفيش.. من تفحيم الشجر إلى تقليم الجسد البشري

منشور الثلاثاء 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026

انطلقتُ بصحبة صديقين في رحلة إلى ساحل مصر المنسي، غير المُصنَّف طيبًا أو شريرًا، بحر الدلتا في كفر الشيخ والبحيرة، تاركًا ورائي القاهرة غارقة في معضلة أشجار الشوارع، ودوافع اجتثاثها وتفحيمها وتصدير فحمها، الذي يستقبل الكيان الصهيوني النسبة الأكبر منه. 

تصدير الفحم يستعصي على فهم الشيطان وهو أذكى منا بمراحل، فالحصيلة القصوى بلغت 13.5 مليون دولار عام 2015، ليست أكثر من ثمن فنجان قهوة بالنسبة لدولة تقترض المليارات من حيث المبدأ وتقيم المشروعات قبل أن تفكر فيها.

المستلف باسم مصر يرى مشروعات توسعة الطرق والكباري ضرورية ومن أعراضها إزالة الشجر، من دون نقاش، بينما يمكن للنقاش إثبات أن التوسعة غير ضرورية، بل إساءة إلى البيئة والبنية العمرانية للمدن. 

المسألة بسيطة وعلمية أثبتتها تجارب الأمم وتثبتها فوضى شوارعنا التي تعرضت للتوسيع عنوة، فإن لم يكن المدعي بضرورة التوسعة قد سافر أو قرأ؛ فليرَ شوارع مدينة نصر. كلما توسع شارع أو محور مروري فتح الشهية للاستخدام المقموع، فيزداد الزحام خصوصًا في ظل تركيز الاستثمار على الطرق البرية.

 شوارع أي مدينة مثل شرايين الجسم، إذا لم تكن متناسقة تصبح مميتة. الشريان الواسع بمبالغة مميت في المكان الموسع ويخلق اختناقًا في أول ضيق بعده. وطالما ليس بوسعنا أن نجعل كل الشرايين على اتساعه فيجب الكف عن التوسيع، وبالقدر نفسه يجب الكف عن احتقار التقسيم العلمي والحضاري للشارع ما بين المشاة والمركبات والشجر. ألغيت أرصفة المشاة احتقارًا لهم أو خوفًا من التقائهم، لكنهم موجودون، استردوا حقهم عبر مخاطرة السير وسط السيارات ووسائل النقل العام التي لا يعرف إلا الشيطان لماذا لم تعد لها محطات معروفة. 

غض المعفشون الطرف عن وضع نظام للشارع بعد حسنة التوسيع فكانت الفوضى.

التخضير.. لغز اللغة

صدرت دعوة رئاسية لـ "تخضير  القاهرة". ولم تتوقف جهود التصحير، بل دخلت مرحلة اللامعقول. بادر الوزراء والمحافظون إلى إبداء جهلهم بوجود الظاهرة تجري في العلن وتجري معارضتها في العلن أيضًا على مدار سنوات، لكن هكذا الوزراء يدَّعون، وفي تصريحات للتهدئة وعدوا بحملة تشجير القاهرة، التي لن تعوض القيمة التاريخية للشجر القديم، ولا يمكن لحصيلة بيع الفحم أن تغطي تكلفتها.

الغريب أن قطع الأشجار مستمر، ومن الواضح أن الجميع: الإدارة والناس عادوا لتحليل اللغة؛ فاكتشفوا أن "دعوة التخضير" تختلف تمامًا عن "قرار بوقف قطع الأشجار تحت أية ذريعة". 

التخضير فعل تعويض، يبدأ من النجيل الموكيت، إلى النجيل الحي وصولًا إلى شتلات أشجار ستحتاج إلى عقود من الرعاية والإنفاق لكي تنتقل من عصًا إلى شجرة.

كفاح الخروج

الظاهرة في غموضها وتعدد أطراف المستفيدين منها لا تستدعي سوى مصطلح "التعفيش" وهو مصطلح ولد في سوريا إبان فوضى الحرب بين نظام الأسد والميليشيات المسلحة، حيث صار الجنود وأفراد الميلشيات يقتحمون البيوت التي نزح عنها سكانها ويحملون العفش من أثاث وأجهزة منزلية ويبيعونه في سوق المستعمل، وكان بوسع السوري الذي لم يغادر البلاد أن يفتدي عفشه ويشتريه مرة أخرى، لكننا لا يمكن أن نعيد الفحم شجرًا أو نفتديه بأموالنا. بعض المصريين ممن أزيلت بيوتهم نزحوا بسبب حرب التطوير، لكن الأغلبية المتبقية نزحت داخل أنفسها والتزمت الصمت حيال تعفيش شجر، ربما ساهموا في ريه وإنمائه. 

أليس الهروب من كل هذا لبضعة أيام تصرفًا رشيدًا؟

بدأت رحلتنا عند الواحدة ظهر الأحد، وكنت مستبشرًا بانسياب مروري في يوم شبه عطلة، فيه نسبة لا بأس بها من الحرف والمحال في عطلة، لكن المحور كان كيوم الحشر من السلام حتى الخروج من عنق مسطرد. 

فوجئت بأن الطريق الذي أعرفه توسع حديثًا، ومقص التطوير واضح في البقايا المهتوكة في عمارات الجانبين ببقايا الحياة في غرفها. ومع هذا الزحام بدا أن الانسداد لن ينفرج أبدًا. لكن كل شيء له نهاية، حتى الظلم، حتى الزحام.

لاحت نهاية للدائري بعد ساعة ونصف. كنت خلالها أحاول إبعاد هاجس غريب لا أعرف إن كان هناك من يشترك معي فيه، وهو اعتبار أن هذا الزحام إهانة شخصية مقصودة، وأن غياب الأمان عند عبور الشوارع التي تعرضت للتوسيع عنوة ترويع وإهدار مقصود لكرامة العابرين. ربما كان ما أشعر به مبالغًا فيه فأنا روائي وأفكاري كثيرًا ما يخالطها الخيال. لكن الخيال ليس سيئًا أبدًا والإدارة بلا خيال هي الدمار.

قيل إن لتقديم الطرق على التعليم أهدافًا نبيلة، منها طريقة للإمساك بالبلد أمنيًّا "كده" وأُطبقت القبضة للتوضيح، وقيل إن هذه الطرق ستجلب التنمية، وقيل إن الصحيح هو توسيع الطرق والشوارع، وتعليق محاور المرور في المسار الكامل أو الاكتفاء بتعليقها في التقاطعات. وكل هذا في عرف التخطيط باطل.

مقطع من كلمة عبد الفتاح السيسي في حوار خلال انتخابات الرئاسة 2014


لا مفر من الاعتراف بالخطأ والكف عن عنف التوسيع، والاهتمام بمترو الأنفاق. تحتاج القاهرة خمسة عشر خطًا على الأقل، مع شبكة ترام تكمل المسافات التي قد لا تغطيها الشبكة التحت أرضية، وللمدن الأخرى وسائل تناسب حجمها. والترام وسيلة حضارية بشكل لا مثيل له ويناسب الكثير من المدن المصرية، ويمكنه أن يخفض غبارها وتلوثها.

خارج وداخل المدن النقل السككي هو البديل الآمن والأوفر والأكثر استدامة.

هذا ما جاد به ذهني في الوقت الميت على المحور المخنوق، وقد يكون تفكيري هذا شططًا من النوع الذي ينتاب السجين والمريض على سرير مستشفى، فعندما يكون المرء سجين سيارة في يوم حار يستقبل روائح العادم الكثيف، فإنه يكون ضربًا من مريض معاقب.

استراحة من البداية

إنهاك الخروج من القاهرة جعل الصديقين يقترحان توقفًا في أول استراحة على محور بنها الحر. 

إن كان الطريق أفعى فالاستراحة المعلقة بالغة الاتساع، بدت لي كأنها بطنها الذي يخفي فيلًا. سوق متكاملة بعشرات المطاعم والمقاهي ومحطة وقود، ومحال هدايا، مكان أرض خضراء، وهو ما ينسجم مع توجه اقتصاد الدكاكين.

لم يُنشأ هذا المحور في الجمهورية القديمة لأنه كان بحاجة إلى الصرامة والقوة المفرطة للسلطة في مقابل الضعف المفرط للمجتمع. أخشى الإفراط من العاطفة نحو الزرع، لأن ذلك قد يتسبب في رفض الفكرة الاقتصادية التي أطرحها. وفكرتي ببساطة أن ضخامة الطريق بتكلفته وما تسبب عنه من خسارة زراعية مستدامة، لا تناسب وظيفته، إذا ما قسناه على الخط الحديدي الذي بناه الإنجليز ولم يزل الوسيلة الأهم التي تجمع أطراف الدولة، من أسوان إلى مطروح، دون أن يستهلك هذه المساحات من الأرض، ولم يزل نحيفًا كخيط وسط الزراعات، لم يتمدد عليها منذ منتصف القرن التاسع عشر، رفضنا إصلاحه بعشرة مليارات جنيه، أقل من ثمن فنجان قهوة لدولة جددت الطريق الدائري الإقليمي بخمسين مليارًا بعد افتتاحه بسبع سنوات (افتتح الطريق 2018 وظهرت العيوب 2020 وأصبح نقض وصلات منه ضروريًا وبدأ التجديد 2025). 

حسب نُظم المحاسبة في الدول التي لا تعتمد التعفيش أسلوبًا للإدارة، كان لا بد من محاكمة أحد أو بعض الناس. والسؤال الأهم: لماذا نناصب وسائل النقل النظيفة العداء؟ هل هو السهو؟ احتقار العلم؟ ألا يحقق النقل السككي فرصًا للتعفيش كالتي تتيحها الطرق البرية؟

لمن المحاور؟

لا بد لمن يستخدم المحاور أن يترك علياءها وينزل إلى الأرض، فيلمس هول حال الطرق التي تبدأ فور نزول المنحدر. اخترقنا محافظات ومدنًا، ورأيت ما أراه وأعرفه في رحلتي إلى قريتي ميت سهيل عبر الطريق الدائري الإقليمي. بمجرد النزول إلى الطريق الزراعي في قرية السعديين يصبح الإنسان في عالم آخر من الحفر والمطبات. هذا يعني ببساطة أن سكان القرى التي قلَّصت المحاور أرضها ليسوا في الحسبان، ولم يستفيدوا من الكباري سوى هجوم التريلات على مركباتهم الضعيفة، فكان ما نراه من حوادث بشعة. في غياب الكباري الصغيرة لتأمين حياة الناس بالقرى، وفي تحقيق الزميل يوسف عقيل، رأينا أن ذهاب مسؤولين لعزاء عمال حادث الإسماعيلية في أغسطس/آب الماضي، تطلب إقامة كوبري خشبي لقرية أبو عزباوي وإحضار بلدوزر لتمهيد الطريق.

كوبري واحد من الكباري غير الضرورية بمدينة نصر كان يكفي كل القرى لتكون لديها معابر آمنة بدلًا من جذوع النخل. وأما سوء الطرق في المحافظات فيبدو حتى الآن قدرًا، لأن الرصف يتبع مبدأ التعفيش منذ جلاء الإنجليز عن مصر. الطرق إما منسية أو تُسفلت على الورق أو تُسفلت في الحقيقة وتتدهور في شهرين، وبالنتيجة تصبح أكثر إعاقة للحركة وأكثر كلفة على المستخدم والبيئة من الطرق الترابية. لماذا لا تعاد الطرق الإقليمية ترابية؟

لا يمكن أن يتوصل إلى اقتراحي هذا سوى سجين يعاني وسواس الشك أو مريض يعاني اختلاط العقل، ففي الحالتين يكون الإنسان قريبًا من ربه، يلهمه الأفكار النافعة التي تغلق بابًا من أبواب التعفيش.

في بلطيم وعزبة البرج

مع امتداد الطريق يبدأ البراح في كفر الشيخ واعدًا بإمكانات تنمية لم تزل في حدها الأدنى، وستظل كذلك إلى أن تتغير عقيدة الدكاكين الاقتصادية. أجمل ما في الأطراف أن الكناتين والدكاكين لا تحقق الجدوى المطلوبة التي جعلتها تنشر العشوائية في القاهرة، والبحر في بلطيم وعزبة برج البرلس غضبان لا يضحك كما في الساحل الشمالي.

الأجمل من قلة جدوى الاقتصاد السيادي هناك هي المعجزة التي يجترحها الناس للعيش ككل الريف. الأراضي السبخة على امتداد الطريق مستغلة كمزارع سمك، وقد ساعد الله الأهالي بالتكنولوجيا الحديثة، فالكهرباء فوق عشش حراسة وإدارة هذه المزارع من خلايا شمسية، تناسب الوضع المؤقت لهذا الاستغلال لأراض تعتبر في حوزة الدولة ويمكن أن تطلبها في أي وقت. 

وهل هذه كل إمكانيات الاستثمار في شمال الدلتا؟ 

 تضم محافظات دمياط وكفر الشيخ والبحيرة ما يتجاوز المليوني نخلة، ويمكن أن تقوم عليه صناعات دبس التمر والحلوى والعلف والخشب الصناعي. هناك تنمية، يخلقها بأظافرهم الصيادون ومربو الأسماك والزراع في كفر الشيخ والبحيرة، بفضل علاقتهم بالله وطبيعة وجدوها في متناول أيديهم بحلوها ومرها، لكن لمسات السيادة تظهر أمامك، حيث تجد بيتًا مهدومًا بجوار بيت عامر ومزدهر. في هذا التناقض يبدو  العنف الذي يمارس باسم الدولة واللاعدالة. هذه الوثائق الخرسانية ليست خافية على أحد؛ فالهدد باق في مكانه كجذور الشجر المسروق. 

لماذا يُهدم بيت بُني في البراري الواسعة أو في مزرعة بالصحراء؟ لماذا لا يوجد تمييز وتصنيف واضح للأرض وأهميتها الزراعية يكف أيدي الفاسدين عن الناس؟ ولماذا يُهدم بيت باسم الحفاظ على الأرض ويُقام محور؟ المحور نفع عام؟ للأسف الذي يدعي نفعه هو طرف واحد وصوت واحد كصوت الله، لا معقب عليه.

في رشيد بعد طول انتظار

عاد صديقاي من كفر الشيخ كما خططا من قبل، بينما كانت خطتي الاستمرار إلى رشيد، لأتخلص من خجل يلازمني لأنني لم أزرها أبدًا. هذه المدينة التي كانت مدخلًا للغزو وثغرًا دفاعيًّا طوال التاريخ تستحق أن تُزار. 

العثور على "حجر رشيد" في جدار قلعة قايتباي كان السبب في كشف أسرار الحضارة المصرية. وهذا كاف ليجعل من رشيد وجهة سياحية أساسية. رأيت موضع الحجر في جدار القلعة وقد وضعت في مكانه نسخة مقلدة للحجر الذي سلبه الإنجليز، ودست أعتابًا ودرجات سلم عليها نقوش فرعونية كما نراها في مجموعة قلاوون ومساجد باب الوزير، وغيرها، رأيتها في مساجد رشيد العثمانية، وهذا يُثبت أن كل النهضة التالية للفراعنة كانت تعفيشًا من المعابد المصرية. 

كنيسة مار مرقس الرسول برشيد التي تعود إلى القرن الخامس الميلادي تُرمم اليوم بجهود ذاتية. خسرت رشيد كنيسة أحدث هي كنيسة السيدة العذراء للروم الأرثوذكس، كما خسرت سكانها المسيحيين، الحراسة الشرطية في الخارج، وحارس الكنيسة الذي مانع دخولي في البداية، عاد وسمح لي على مسؤوليته لما رآه مني من اهتمام، سألته: كم تقريبًا عدد المسيحيين في رشيد، قال: لم يتبق سوى 26 أسرة.

ويرمم اليوم بالجهود الذاتية أيضًا مسجد الجندي الضخم وسط السوق ومسجد أبو مندور الذي يحتضنه النيل، ولم يتلق ترميمًا منذ عهد الخديو عباس حلمي.

لعنة الحضارة الإجبارية

كانت دمياط متميزة بصناعة الأثاث التي تحتضر الآن. هل كان إرهاق هذه الصناعة سببه بناء مدينة الأثاث الحضارية وإلزام الصناع بالشراء فيها؟ السؤال مشروع لأن هذه الصناعة عاشت عمرها مزدهرة بفضل طريقة الاستثمار غير الحضارية في مداخل البيوت.

رشيد، مدينة المصب الثاني الأوسع والأجمل تخصصت في صناعة سفن الصيد واليخوت الفاخرة على شاطئي فرع النيل. صناعة اليخوت مزدهرة ولها زبون. والصيد نشاط تتوارثه الأجيال، يخرج صيادو رشيد إلى المياه العميقة وفي طريق عودتهم يتوقفون للبيع في مزادات السمك على الشاطئ في "المبايع" غير الحضارية، يبيعون في الإسكندرية قبل أن يصلوا إلى مزاد رشيد قرية برج رشيد. لكن الدولة بنت ميناء على طرف المدينة ومشارف القرية، الميناء حضاري، فخم، ويتمتع سوره بهيبة سيادية. لكنه صغير. يضحك الصيَّاد (ولنسمه أمين) ويقول: عندنا أكثر من ستمئة مركب صيد، وهذا الميناء إن دخلته ستون مركبًا فستغلق النيل.

هل الأسواق الجديدة التي تستهدف جمع الباعة في مكان تنشئه الدولة ضرورية فعلًا؟ لم تنتظر هذه المنشآت تسمية رضائية من الجمهور، فحملت لافتتها عنوة "سوق حضاري". كنت أرتاد السوق غير الحضاري في المنطقة التاسعة بمدينة نصر، وارتدت السوق الحضاري الذي أقيم ليجمع الباعة غير الحضاريين ويلزمهم بإيجار ورسوم لاستخدام دورة المياه، ويحتفظ بروائح الدواجن والأسماك والخضار. 

الغريب أن أعظم دول العالم تسمح بأسواق الشارع، كل الدول التي لا تمتهن التعفيش شرقًا وغربًا تجهز أماكن في الشارع للمزارعين. كل يوم يُعقد السوق في أحد أحياء المدينة، وتتولى البلدية تنظيفه آخر اليوم.

رشيد، مثلها مثل دسوق ومنيا القمح والزقازيق، الخ إلخ، لم تمتد إليها يد التخطيط العمراني، لتستبق البناء التلقائي بميدان أو فسحة لشجرة (لا أحب كلمة العشوائي الازدرائية).

وهكذا فهي كغيرها من المدن، مخنوقة وسط براح من الأرض، ولولا الناس والنيل ما تركت في نفسي هذا الانطباع الجميل. أحببتها ولا أنصح بتعفيش النيل بأكثر من الميناء؛ فالرشايدة ككل سكان الأقاليم ليسوا بزبائن محتملين.

التعفيش من الترعة للترام

ذهبت إلى الموقف الجديد لأغادر في الصباح، عرفت أن وسائل النقل للقاهرة لن تتوفر قبل الليل، البديل العودة عبر الإسكندرية. الطريق من أفضل ما يمكن أن يمر به المسافر. شطارة البستان المزدوج، وأقصد به تحميل النخيل مع المانجو على أرض واحدة. لا مصنع عصائر هنا؟ شاركت فيديو قصيرًا لهذه الجنات على صفحتي الشخصية على فيسبوك والغريب أن التعليقات كلها اتهمتني بالتبليغ عن المكان، ولم أكن لأنشر الفيديو لولا أن سوق النخيل لا تصلح فحمًا، وجذوع المانجو محدودة الكثافة والسمك.

وسط هذه الجنة رأيت ترعة مبطنة. هل يمكن لبشر أن يتصور تبطين ترعة لمنع تسريب المياه إلى تربة مترعة بالماء وينبغي أن تظل كذلك حتى لا يُملحها البحر؟

تعفيشة تبطين القرى، التي خصصت لها مقالًا من قبل، تكلفتها ستون مليار جنيه ولم يحاسب عنها أحد. 

وصلت إلى الإسكندرية، بفوضاها الجديدة جدًا بسبب توقف الترام للتطوير. صفحات سكان المدينة كلها زعقت برفض المشروع، وأخذ المحامي محمد فتوح مبادرته الإيجابية وتقدم بالبلاغات ورفع الدعاوى القضائية، التي عدد فيها مساوئ المشروع الحضارية والبيئية، أشار إلى شبهة إهدار مال عام. مشروع تكتنفه شبهة التعفيش قضى على تاريخ عريق، عفَّشت فيه هيئة عامة ممتلكات هيئة عامة أخرى. والمسار المعلق الجديد غير مستدام بخلاف المسار الأرضي، ويتنافى مع "دعوة التخضير" المسار كان أخضر والمرفق كان يؤدي غرضه. وجَّه فتوح نداءات للمحامين وأساتذة الهندسة لينضموا إليه، لكن الخوف جعل دعوته تذهب أدراج الرياح.

تعفيش الأعضاء..صدمة العودة

في السفر تقل متابعة المنشور لصالح المعاش. لكنني عدت إلى القاهرة بعد أسبوع، ولم تكن المدينة قد توصلت إلى من يقطع الشجر ولا الفرق بين التشجير والتخضير، وإذا بدعوة الدكتور حسام موافي بشأن إمكانية الاستفادة من أعضاء المحكوم عليهم بالإعدام، تزيح الفحم جانبًا.

عبر برنامج اسمه هكذا: رب زدني علمًا تحدث الرجل المثقف. ولا بد أن مستوى التعليم في جيله كان يتيح للناجح في الإعدادية معرفة الفرق بين أن تقضي الدولة بإعدام متهم وأن تمتلك جسده. وكان الأولى لمن تلقى هذا التعليم أن يطالب بإلغاء عقوبة الإعدام، لا اتخاذها موردًا للتعفيش.

أحوال العدالة ليست على ما يرام. وهذا ليس طعنًا في القاضي على منصته، لأن العدالة تبدأ من سلامة الإجراءات الجنائية واستقرار السلم الاجتماعي واستقرار الديمقراطية التي تضمن سلامة الإجراءات. وهذه المطالبة بإلغاء عقوبة لن نستطيع إحياء المحكوم عليه بها إذا ثبتت براءته. هل في هذا مساس بالشرع كمصدر تشريع؟ فلتعلق هذه العقوبة، لأن الشرع نفسه يبيح تعليق الحدود وقت الضرورة.

رفضت نقابة الأطباء الدعوة، لكنها ستبقى ذروة مبدأ "التعفيش" لأن الجسد هو أخص الملكية الخاصة التي يدعو الطبيب الكبير إلى سلبها، ومجرد أن يفكر هذا الرجل الدمث بهذا المنطق، يجعلنا نتأكد أن العنف الذي يبدأ سياديًّا لا يظل كذلك، ويتسرب إلى نفوس الأفضل منا.