الطوفان كعملية انتحارية
بمرور ثلاث سنوات على عملية "طوفان الأقصى" يمكن القول إنها كانت أشبه بالدوامة منها بالطوفان، إذ أدخلت المنطقة برمتها في دوائر لا تنتهي من الصراع العسكري والخصومة السياسية يؤدي أحدها إلى الآخر وهلم جرا.
في هذا السياق أسعى لتكوين موقف نقدي من عملية السابع من أكتوبر، وهي مسألة أراها في صميم الالتزام بالقضية الفلسطينية لا حيادًا عنها ولا تنصلًا منها، وبالطبع لا إنكارًا لها، إذ يفيدنا التاريخ الحديث بأن تفكيك تجارب الاستعمار الاستيطاني لم يحدث إلا على خلفية صراعات ممتدة مزجت المقاومة المسلحة بتلك السلمية، وأنها عادةً ما أتت بتكلفة بشرية مؤلمة وبالغة الارتفاع.
مع المقاومة ومع نقدها
من ثم، فإن اتخاذ موقف نقدي هنا لا ينفي الخلاف على المبدأ كإنكار واقع الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال منذ نحو 60 سنة، ولا هو بموقفٍ يُنكر عليهم أيَّ فعل على أساس أنه سيؤدي إلى مفاقمة وضعهم، ما يعني عمليًّا طلب القبول بواقعهم المتدهور ببطء حتى لا يتدهور بسرعة.
الموقف النقدي في تصوري لا يدور أيضًا حول المبدأ، ولا حتى الاستراتيجية لجماعة خاضعة لاحتلال استيطاني وتفرقة عنصرية، أضيف إليها تطهير عرقي وإبادة جماعية، بقدر ما يدور حول القرار وسياق اتخاذه وتنفيذه، ومن ثم تداعياته، ولا يعني تأطير النقد بهذا الشكل تقديم سردية اعتذارية لحركات المقاومة المسلحة في غزة وخارجها، إذ إن مثل هذا يخالف تمامًا الجهد الذهني والالتزام الأخلاقي لاتخاذ موقف نقدي.
ربما أشد ما استوقفني في عملية السابع من أكتوبر بعد أسابيع قليلة من انطلاقها هو غياب أي أفق سياسي لدى متخذي القرار بشن العملية، اللهم إلا إخراج الاتفاقات الإبراهيمية عن مسارها بمنع المملكة العربية السعودية بالأخص من الانضمام إليها، بما كان سيحمله هذا من تطبيع إقليمي عربي وإسلامي لوضعية الاحتلال واستدامته بأقل التكاليف على إسرائيل.
أما غير هذا فقد أثبتت الأيام أن رهانات العملية لم تكن في محلها؛ بدءًا من واقعية هزيمة إسرائيل عسكريًّا، عبر دخول ما يُسمى بمحور المقاومة بثقله إلى جانب حركة حماس منذ البداية، أو الظن بعدم تماهي الولايات المتحدة الكامل مع إسرائيل في عملية عسكرية ممتدة هدفها المعلن هو التطهير العرقي في قطاع غزة وشمال الضفة الغربية ثم جنوب لبنان وجنوب سوريا كذلك.
يُضاف إلى هذا بالطبع سوءُ التقدير الشديد لقدرة الإسرائيليين على الصمود في صراع متعدد الجبهات ممتد زمنيًا، هذا كله غير تجاهل السؤال حول قدرة قطاع غزة على الصمود إنسانيًّا بالنظر لوضعه الجغرافي والديموغرافي والسياسي الذي حرمه من أي عمق حقيقي، سواءً لاستمرار المقاومة المسلحة بفاعلية أو لإعاشة السكان ما عرضهم بالفعل لا فحسب للنزوح الجماعي لمرات عديدة بل ولمجاعة مهندسة من قبل الإسرائيليين استمرت شهورًا.
عواقب المغامرة
بالنظر إلى هذا كله يمكن اعتبار طوفان الأقصى عمليةً انتحاريةً فجّرت فيها حركة حماس نفسها بسكان القطاع في إسرائيل، بغرض نسف مختلف الترتيبات القائمة في المنطقة لا الاتفاقات الإبراهيمية فحسب، وهو بالفعل ما نجح فيه الطوفان نجاحًا باهرًا، وبشكل أتى على حساب الجميع؛ بدءًا بما يُسمى بمحور المقاومة نفسه الذي تعرض لضربات مؤلمة، وربما قاتلة، في لبنان وسوريا وغزة بالطبع.
بل وأوصل الحرب إلى إيران نفسها بعدما تمحورت استراتيجية نظام طهران حول تجنب المواجهة المباشرة، وكل ذلك جاء على حساب الفلسطينيين بالطبع في غزة التي سقط أكثر من 10% من سكانها بين شهيد وجريح، وفقد الفلسطينيون فيها 60% من مساحة القطاع الخاضع للاحتلال الإسرائيلي، بجانب تسارع حركة الاستيطان والتهجير القسري داخل الضفة الغربية إلى مستويات غير مسبوقة في العقود الستة من الاحتلال.
لم تقتصر التكلفة على هؤلاء فحسب، إنما امتدت لتشمل ما يُسمى بالأطراف العربية المعتدلة، سواء في الخليج العربي الذي شهدت بيئته الأمنية والاقتصادية تدهورًا غير مسبوق في التاريخ المعاصر مع انطلاق الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في فبراير/شباط الماضي، مع انكشاف الترتيبات الأمنية السابقة مع الولايات المتحدة، وعلى النحو الذي يضع علامات استفهام حقيقية حول مستقبل هذا الجزء من العالم اقتصاديًّا وربما سياسيًّا.
كما طال نسف الترتيبات الإقليمية مصر والأردن صاحبتي أرسخ اتفاقات سلام مع إسرائيل بوضع مستقبل علاقاتهما بها رهنًا بأي ترتيبات مستقبلية للتطهير العرقي في غزة والضفة، التي إن وقعت لن تكون إلا على حساب أمنهما القومي، وربما وجود كيان سياسي مثل الأردن.
سقوط إسرائيلي
أما عن إسرائيل فقد تعمقت أزمتها الداخلية المتفاقمة أصلًا من قبل السابع من أكتوبر، وتداخلت فيها أسس الاستقطاب الأيديولوجي والإثني الداخلية مع صراعها كدولة قائمة على الاستعمار الاستيطاني النشط تبتغي القضاء على السكان الأصليين أو الحد من وجودهم قدر الإمكان كشرط للاستمرار، وهو ما تجلى في قضية تجنيد الحريديم، والموقف من الأحزاب العربية في ضوء استمرار الانقسام العميق حول مستقبل نتنياهو السياسي بين الناخبين اليهود بالتزامن مع اقتراب الانتخابات العامة.
كما أضعف الصراع الدائم الذي دخلت فيه إسرائيل من شرعيتها الخارجية، فقُضي تمامًا على صورتها السابقة على الطوفان، التي كانت تعد بتطبيع الاحتلال والاستيطان داخل الإقليم وخارجه، وهو ما ظهر في الإجماع العالمي على مبدأ "الدولة الفلسطينية" في مؤتمر حل الدولتين بقيادة فرنسية-سعودية مشتركة، على خلفية توالي الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين منضمة إليها بريطانيا وكندا وأستراليا، مع تعطل مسار التطبيع العربي والإسلامي دون حل للقضية الفلسطينية، باستثناء حالة مثل كازاخستان، التي انضمت إلى الاتفاقات الإبراهيمية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهو بلد غير محوري خارج وسط آسيا.
في هذا السياق بدأ بجلاء انكسار الإجماع السياسي في الداخل الأمريكي على دعم إسرائيل، ودخل الموقف من الإبادة في صلب الاستقطاب الأيديولوجي داخل الولايات المتحدة، مع إرهاصات لتكون إجماع محتمل ضد إسرائيل إذا نظرنا لمستقبل المواقف المناهضة للصهيونية داخل يسار الحزب الديمقراطي وكذلك داخل يمين الحزب الجمهوري.
كما أن الطوفان وما تبعه من حرب إيران نسف ترتيبات الولايات المتحدة في المنطقة نفسها في مسائل غاية في الحساسية تتصل بحرية الملاحة الدولية وأمن الطاقة العالمي وحضورها العسكري ما وراء البحار، وفاقم من أزمة أوروبا مع اعتمادها المفرط على استيراد الطاقة خاصة على خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا التي اندلعت في 2022.
ربما يكون من أسوأ مناهج التحليل التاريخي هو قراءة التاريخ بأثر رجعي، وتقييم الماضي في ضوء ما وقع بعده لا سياق وقوع الأحداث الماضية، لأنه في غالب الظن ليس هناك منطق واحد جامع حاكم وراء ما يُسمى بحركة التاريخ، ولا تهم كثيرًا خطط وتقييمات متخذي القرارات التي تصنع التاريخ، والتي غالبًا ما تكون هي الأخرى خطأ أو تؤدي إلى نتائج لم ترد في أذهان صانعي الأحداث من الأصل.
ربما كانت عملية السابع من أكتوبر نموذجًا لهذه القيود والمحددات في فهم التاريخ. ومع هذا كله إن كان الغرض من ورائها نسف الترتيبات والعلاقات المستقرة، التي خُيل للبعض أنها قابلة للاستمرار مع تطبيع وضع الفلسطينيين تحت الاحتلال المؤبد، فقد تحقق الغرض وبنجاح منقطع النظير.
أما ما الذي سيحل محل تلك الترتيبات، لا فحسب في الإقليم بل فيما يبدو في النظام العالمي المتغير على وقع الصراع في الخليج وفي شرق أوروبا (وربما ينضم إليها قريبًا مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) فيبدو أن الدراما لا تزال تتهيأ لإنتاج أبطالها.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.