تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
طوفان الأقصى

طوفان الأقصى وتصدع "المشروع الإسرائيلي"

منشور السبت 3 تشرين الأول/أكتوبر 2026

بعد مرور ثلاث سنوات على "طوفان الأقصى" صار قطاع غزة في دمارٍ شبه تام، لكن معنويات أغلب سكانه لم تنهرْ، بينما يوجد جيش يمارس "الإبادة الجماعية" مستغلًا تفوقه النيراني الكبير، لكنه يعاني من هبوط حاد في الدورة المعنوية، والدليل هو عدد المنتحرين والمتهربين من الجندية في صفوفه، وفي ركاب هذا تصدعت الاستراتيجية أو المشروع الذي عاشت عليه إسرائيل زمنًا طويلًا.

فخلاصة ما جرى هو أن مشروع إسرائيل الكبرى بدا غير قابل للتحقق، بأي طريقة، فلا هو سار في طريق معبد عبر الاقتصاد والثقافة كما كان رأى شيمون بيريز في كتابه الشرق الأوسط الجديد، ولا هو قابل للتحقق بالقوة المسلحة المفرطة، أو بالغشم والقهر، كما يريد بنيامين نتنياهو، وفق ما جاء في كتابه مكان تحت الشمس.

أعراض الطوفان

وهنا سيقول قائل: كيف هذا، والجيش الإسرائيلي قد توغل في أراضٍ في لبنان وسوريا وغزة المدمرة؟ والإجابة: نعم حدث هذا، لكن قدرة هذا الجيش على البقاء في هذه الأراضي مستحيلة، كما تفيد التجارب السابقة، في لبنان وقطاع غزة، ففي الحالتين فكك الجيش الإسرائيلي معداته وهرب.

علاوة على هذا، ثبت، بشكل واضح، أن إسرائيل دون دعم أمريكي غاية في الهشاشة، ومع التحولات إزاء تل أبيب، عالميًا وداخل أمريكا ذاتها، سيتراجع هذا الدعم.

كما تأكدت المعادلة التي تقول إنه لا يمكن لدولة صغيرة الحجم، في الجغرافيا وعدد السكان، ومهما حازت من تكنولوجيا في التجسس والتسلح، أن تبتلع عنوة مساحات جغرافية شاسعة كثيفة البشر، لا سيما بعد التأكد من أن سلاح الجو، الذي تتفوق فيه إسرائيل لا يحسم حروبًا كالعادة، فيما لا يُحسن جيشها القتال على الأرض، بمشاته ومدرعاته ومدافعه، لا سيما أنه جيش يعاني دومًا من نقص القوة البشرية، والدليل هو اضطرار حكومة نتنياهو إلى تجنيد اليهود المتزمتين من "الحريديم".

ومما يؤثر في مستقبل هذا المشروع أن الحرب الأخيرة، والتي قد تشهد فصولًا جديدة، أدت إلى تراجع هجرة اليهود إلى إسرائيل، والتي صنعت قوة دافعة في شرايين اقتصادها، ومشروعها الاستراتيجي الذي هو بحاجة ماسة إلى القوة البشرية. فهناك الآن هجرة عكسية، يقدرها البعض بأنها وصلت إلى نحو نصف مليون شخص.

وقد اضطرت إسرائيل مع "طوفان الأقصى" إلى تغيير قيمة مركزية ظلت راسخة عقودًا من الزمن، وتتمثل في إعلاء قيمة الفرد ومكانته، حيث تصرفت حكومة نتنياهو على أنها مستعدة للتضحية بالأسرى الذين قنصتهم حماس في هجومها المباغت في السابع من أكتوبر 2023، وهي تضحية قامت وفق ما يسمى مبدأ هانيبال.

وكانت هذه القيمة تفسر دومًا في إطار أربعة أسباب، الأول هو ضيق المخزن البشري، والثاني يتمثل في صناعة الدولة الجاذبة الحامية، والثالث يتعلق بإظهار قدرة السلطة السياسية النافذة التي تبلغ من الجدية والدقة والتفاني درجة عدم الاستهانة بحياة فرد واحد، والرابع يرمي إلى الحفاظ على التماسك الاجتماعي.

مراجعات إسرائيلية

ومع "طوفان الأقصى" وجد جيش إسرائيل نفسه، مع عجزه وتعثره، في حاجة إلى مراجعة الكثير من القيم التي تحكم بناءه، وتراتبيته، والعلاقة بين قادته وأفراده، والمهارات التي يكسبها المجندون أثناء خدمتهم العسكرية، وتصحبهم إلى حياتهم المدنية فيما بعد، والتي طالما تباهى بها العسكريون الإسرائيليون باعتبارهم الأساس المتين للدولة كلها.

ويمكن أن نقول إن الحرب الأخيرة أدت إلى صناعة هندسة جديدة للقيم التي تحكم الجيش الإسرائيلي. فمن قبل كانت هذه الهندسة، أو المعادلة، تبنى على إقامة مجتمع عسكري، لتعويض إسرائيل عن نقص القوة البشرية، وتطوير السكان كقوة قومية واجتماعية تستطيع التكفل بنفسها اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا وعسكريًا، واتخاذ الجيش قاطرة التقدم التقني في المجتمع.

لقد جاء "طوفان الأقصى" ليؤثر بشكل عميق على المعادلة القائمة بين الجيش والاقتصاد والمجتمع في إسرائيل. فقد انعكست الحرب سلبًا على الاقتصاد الإسرائيلي من باب المشروعات الصغيرة، الأكثر هشاشة فيه، والتي كان وجودها أحد وجوه التعبير عن القيم الثقافية التي يصنعها التجنيد في المجتمع من حيث المبادرة والقدرة على اتخاذ القرار والابتكار، فيما تعرضت مختلف القطاعات الاقتصادية لأضرار جسيمة.

صورة إسرائيل

وأثرت الحرب على صورة إسرائيل وجيشها من زاوية الرقابة العسكرية والتعتيم الإعلامي، إذ لم تمارس إسرائيل أثناء حروبها هذا بالقدر الذي فعلته عقب اندلاع "طوفان الأقصى"، لتخصم جانبًا آخر من رصيدها الديمقراطي المنقوص.

وقد اضطرت تل أبيب إلى هذا في محاولة منها لإخفاء الخسائر العسكرية، والحرص على إبقاء صورة الجيش الإسرائيلي تحت اللافتة التي رفعت طويلًا على أنه "الجيش الذي لا يُقهر"، وتقليل مستوى الهلع الذي يصيب الجبهة الداخلية، وإخفاء أو التقليل من الجرائم التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين في قطاع غزة ولبنان، وحرمان المقاومة من التقاط معلومات عن توعك الجيش الإسرائيلي أو تخبطه.

وبتوقف الحرب دون اجتثاث المقاومة تمامًا أو إجبارها على تسليم ما تبقى من سلاحها، وإجبار أهل قطاع غزة على الفرار، تكون إسرائيل قد خسرت، إلى جانب الكلفة الاقتصادية المشار إليها سلفًا، شيئين، من الصعب تعويضهما فيما بعد، وهما: اهتزاز معادلة "الجيش الحامي"، لا سيما بعد الهلع الذي أصاب المجتمع الإسرائيلي جراء الضربات الصاروخية الإيرانية، وجرح الصورة الناصعة التي صنعتها إسرائيل لنفسها وسوقتها عالميًا على أنها حمل وديع بين قطعان من الذئاب.

هذه الحرب ساهمت في انكشاف الذرائعية التي اقتاتت عليها إسرائيل زمنًا، وبرعت فيها منذ إنشائها عام 1948 وحتى اللحظة الراهنة، وصارت واحدة من الأدوات الرئيسية لتسويق الحرب والسياسة والصورة، بل وجني مكاسب سريعة، قد تكون مساعدات مالية غربية، أو تزويد بالسلاح والذخيرة أو تعاطف شعبي أو تأييد مؤسسات ثقافية وأكاديمية أو أفراد منها.

ومما انكشف أيضًا هو عدم مصداقية السردية الإسرائيلية عن جيشها بأنه "جيش الدفاع" وليس "جيش الحرب"، فقد سوقت إسرائيل من قبل حروبها على أنها تمسك بآلية الردع، أي الحرب الاستباقية، وأنها مضطرة إلى تطبيق قاعدة "الحرب خارج الأرض" بغية الإبقاء على "حدود إسرائيل آمنة" نظرًا لصغر جغرافيتها، لكن مع الإمعان في تدمير قطاع غزة وإبادة سكانه، ودفع الولايات المتحدة لمشاركة إسرائيل في مهاجمة إيران، ودخول الجيش الإسرائيلي إلى سوريا، رغم أنها لم تشارك في الحرب، ثبت للعالم أن قادة إسرائيل يدركون جيدًا أن دولتهم لا تستطيع العيش بلا حرب، وأن تل أبيب ضالعة في شن حروب هجومية انطلاقًا من الإيمان بفكرة "إسرائيل الكبرى" وأن هناك بعدًا عقديًا أو مقدسًا لمحاربة الآخرين بشكل دائم، ما يعني أن إسرائيل تتعامل مع التفاوض كفخ، ومع السلام كهدنة أو ألعوبة.

وقد بينت الحرب أيضًا أن تل أبيب متمسكة بسياسة الاغتيال باعتبارها عمودًا فقريًا للحرب، رغم مخالفتها للقانون الدولي، كآلية هروب إلى الأمام إثر التوعك أو التعثر أو الكلفة الشديدة للحروب النظامية المباشرة، وسقوط نظرية "صفر مقاومة" التي تبناها بعض ساسة وقادة جيش إسرائيل.

لكن الأهم من هذا هو التحول الكبير الذي طرأ على صورة إسرائيل في العالم، مع إقدامها على "إبادة جماعية" ضد أهل قطاع غزة، وزيادة الجرعة الدينية المتزمتة والعنصرية بل المبررة للقتل في خطاب نتنياهو. وقد رأينا كيف خرجت مظاهرات عارمة في مختلف العواصم الغربية، واحتدت نبرة نقد إسرائيل في الأوساط الثقافية والأكاديمية هناك، وارتفع صوت من يعتبرون إسرائيل عبئًا على الولايات المتحدة، ويدعون إلى فك الارتباط بها، وهو أمر لا أظن أن تداعياته ستتوقف في المستقبل.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.