أدوار الخبز اللانهائية
إذا كان هناك أبطال لطفولتي فالخبز أحدهم. بوصفي الابن الأصغر في العائلة، كانت توكل إليَّ بعض المهام المتعلقة بتدابير البيت اليومية، وأهمها شراء الخبز الطازج من الأفران القريبة في حي بولكلي شرق الإسكندرية: فرن الخبز الإفرنجي لسندوتشات المدرسة والإفطار، وفرن الخبز البلدي للغداء والعشاء.
متعةٌ الانتظارُ وسط هذا الدفء داخل مجال رائحة العجين المتخمر، حتى تصبح أنت نفسك رغيفًا مجازيًا تمور بالفوران الداخلي، منتظرًا لحظة النضج القادمة من المستقبل. أشكال وأصناف من البشر، الأطفال والأمهات من كل الطبقات والأعمار، والجميع ينتظر الرغيف نفسه دون تمايز، أو تفرقة، سواء كان إفرنجيًا أو بلديًا.
يقف الفرَّان عرقانًا أمام بيت النار بفانلة حمالات، حتى في أيام الشتاء، وعصبة بيضاء على رأسه، وسيجارة مستلقية على جانب البنش أمامه يتناوب عليها كلما تذكرها. يصفّ بحرفنة على المطرحة أقراص العجين المبطط والمغطى بالردة، واحدًا وراء الآخر، بعد أن يهدهده بين يديه عدة مرات، ثم يرصها بنظام داخل الفرن. يسحب المطرحة رويدًا، رويدًا، رغيفًا تلو الآخر يغادرها، كراكب ينزل من مركبة بظهره بهدوء حتى لا يتدحرج.
يدُ الخبَّاز
مراقبة بيت النار كانت إحدى هواياتي، خاصة لو فُتح هذا الباب المعدني قبل لحظة التسوية والوصول لما يسمى بقفزة الفرن، عندما تتمدد الغازات داخل العجين، ويقب الرغيف، ينفصل أعلاه عن أسفله، كأن هناك نفس أو روح تُنفخ فيه.
أصبح انفصال شقي الرغيف أحد مجازاتي في الكتابة، حين تنضح النفس، بوصفها الرغيف المجازي، وتمتلئ بهواء الخلق، فتتسع من داخلها، وتنقسم إلى أعلى وأسفل. رغم غرابة فكرة الانقسام، ولكنها كانت صائبة نفسيًا، فالرغيف الذي لا يقب، ولا يقفز قفزته الذاتية، يعتبر رغيفًا فاشلًا، تلتقطه يد الخباز وتنحيه جانبًا بعيدًا عن أيادي الزبائن ليستخدم لاحقًا طعامًا للطيور والماشية.
كان فرن الخبيز البيتي مكانًا له هيبته وأساطيره في القرى والأحياء الشعبية، مشغولًا دائمًا بسلالات من الأرواح، وربما كان لها دور في مخيلة الخبازات في معجزة طهو الخبز.
تفتتح النساء يوم الخبيز بكلمة "دَسْتُور"، يستأذنَّ بها الجن أو الملائكة التي تسكن هذه الأفران، أو يخاطبن إناث الجن "داري عيالك، النار جايالك"، أو" لمُّوا عيالكم، النار الحامية جَيَّالكوا".
هذا الارتباط بين الخبز والعالم الآخر، كان له تمثيل آخر في مصر القديمة، خاصة في الموت، وكل الأماكن التي يودِّع فيها المرء الحياة، على أمل أن ينال الحياة الأبدية، هنا يتدخل الخبز كحرس شرف وسط هذه الباقة الأخروية المصاحبة للميت، حيث يوضع الخبز بجانب التابوت مع بقايا الحبوب.
ضمير الصائم الصغير
بداية من كعب الفينو المقرمش الذي سد جوعك، سهوًا، ذات نهار رمضاني. بالنسيان، تواطأ الخبز مع جوعك، دون أن يُفقدك صيامك. أيقظك طفل عابر مثلك، لم ينم ضميره "يا فاطر رمضان يا خاسر دينك، سكينة الجزار حتقطع مصارينك". تتفل سريعًا ما تبقى في فمك، تلوذ بالبيت سريعًا، تطهر فمك سبع مرات، من آثار هذه الهدية الربانية، التي كانت تتقنع بقناع ذنب الإفطار.
لم يخذلك أبدًا كعب الفينو المقرمش في مذاقه، ولم يتكرر النسيان مرة أخرى، ظلت ذكراه طافية. لو استبدل بالخبز شيء آخر، في ذلك اليوم، لكنت تذكرت صيامك، ولكن لأنه جزء حميم من أجسادنا، مرَّ من بوابة المراقبة، ولم يلحظه ضمير الصائم الصغير.
وصولًا لقطع الخبز الصغيرة التي لم تأكلها على موائد الطفولة المتعددة، وقد تحولت بقدرة قادر إلى مخبرين سريين يقتفون أثرك في الطريق، كما كان يقول الكبار، فاللقمة التي لم تؤكل تتبعك حيث تذهب. ضعيف أنت أمام الرغيف البلدي الساخن، تنتش منه، كالدجاج، قطعة قطعة، كأحد واجبات الطريق. كل ما هو ساخن له مذاق البدايات، الولادة الحديثة، والمفاجأة، لذا متعة الرغيف الساخن ليست فقط في مذاقه المتجدد، بل في تذوق لحظة التكوين على لسانك.
خميرة العالم
مع زوجتي، هناك أيضًا واجب للطريق، فبعد خروجنا من الفرن المجاور للبيت، نقتسم هذا الرغيف الساخن، بل ونقلنا لحظة التكوين، وقفزة الفرن Oven Spring العجائبية، وفعل التخمر، إلى فرن البيت، نستفتح صباحاتنا بخبيز العيش البيتي، وهناك خميرة إنسانية تؤدي عملها طوال الليل، لتشكل هذا الكائن المعجزة الذي سيشاركنا الإفطار.
للشاعر الروسي أوسيب مندلشتام مقال شهير بعنوان قمح الإنسانية، كان يحلم عشية اعتقاله في منتصف الثلاثينيات، في سجون ستالين، "بخميرة العالم العزيزة" التي يمكن أن تساعد العالم على التغيير، أو تسرع عملية النضج والانفتاح والتفاعل من داخله كما تفعل الخميرة في العجين، فالشعر كما يراه هو المادة الحيوية التي تحرك الفكر الإنساني، وتجعله ينمو ويتغير، كما تفعل الخميرة في العجين.
أمي أيضًا كانت شاعرة، كانت "تفتح" الفطير، في الإفطارات المميزة للإجازات المدرسية. تتداول مثلًا قديم تتداوله ساخرة من الفشخرة الكدابة "مش لاقي رغيف ينتشه، وجايب له عبد يلطشه". دائمًا تنصحني "كُل بالعيش عشان تشبع"، فالخبز بالنسبة لها ليس كومبارسًا، بل بطل الوجبة الأساسي. بسبب بديهية وجوده حولنا تعتقد أنه مخلوق وليس مُصنعًا.
يقول الرومان إن الخبز هو أساس الغذاء وأي شيء آخر هو رفيق له على المائدة. هذه البديهية تتجلى أيضًا في شكله، كونه أقرب شكل لطوبة البناء، التي أوحت لأول صانع خبز بشكل الرغيف. البناء وطوبة البناء يشغلان مرتبة واحدة، وكلاهما مصدر للدفء والحماية والحميمية.
وجه الخبز الغاضب
إذا كانت هناك فصول غير شخصية لقصة الخبز في حياتي، فأهمها ما حدث يومي 18 و19 يناير/كانون الثاني 1977، مع رفع سعر المحروقات والخبز. لعب الخبز دورًا شعبيًا، تخلى فيه عن طيبته وقداسته المعهودتين، وأظهر وجهًا غاضبًا، تكلم باسم البسطاء، بعد قرار الحكومة مضاعفة سعره، فاهتزت الأرض تحت أقدام عامة الشعب، فالخبز بالنسبة لهم كائن طبيعي، والحد الأدنى من الحياة غير القابل للمساس به، فحين يرتفع سعره، أو يصعب الحصول عليه، لا يشعر الناس أنهم فقدوا سلعة، بل ركنًا من أركان حياتهم، كالماء والهواء.
المحتسب في العصر الأيوبي كان يفرض على الطحانين كميات معينة من الدقيق، يزوَّدون بها كل يومٍ، ويلزمهم بذلك إن امتنعوا، وكان يحتفظ بدفتر به أسماء الخبازين، ومواقع حوانيتهم لأن الحاجة كانت تدعوه إلى معرفتهم، حتى يتفادى أي صدام مع الشعب.
يومها كنت عائدًا من الثانوية العسكرية سيرًا على الأقدام مع مئات آخرين بعد تعطيل الترام بسبب فك بعض قضبانه، حتى يضطر الشعب للسير، بجانب المحتجين الآخرين، فالقضية تهم الجميع. رأيت بعيني الجمعية التعاونية محترقة ومنهوبة، وكذلك الصيدلية على محطة ترام بولكلي حيث أسكن. غضبُ الناس ضغط على الحكومة فتراجعت عن رفع الأسعار. سُميت الأحداث بانتفاضة الخبز، وسماها الرئيس السادات انتفاضة الحرامية. لم يسمها أحد انتفاضة الغاز، أو غيرها من السلع التي رُفِع سعرها، ولكن تم اختيار الرمز الأقوى للتعبير عنها.
في يناير 2011، أيضًا، كان الخبز أحد الملهمين لهذه الحشود المترجلة، بالرغم من أنه، في حد ذاته، لم يكن سببًا في اندلاع الثورة، ولكن بوصفه أحد أبطال الحياة السياسية، انتخب انتخابًا طبيعيًا كرمز تاريخي، وانضم للحرية والكرامة الإنسانية ليصبح ثالثهما "عيش .. حرية .. كرامة إنسانية".
عبر هذه الجموع، اكتسب الخبز مسحة إنسانية، بمقارنته بأعز ما يملك الإنسان وهي الكرامة، التي تميز إنسانيته، وربما الإنسان أيضًا اكتسب مسحة من رمزية الخبز باقتران كرامته هو والحرية، بهذا الرمز الذي يجمع بين المادي والمتسامي في آنٍ. يعود للخبز دوره ويسترد بريقه وسط التجمعات.
الخبز والضيف المُنتظر
لم يتنازل الخبز عن تساميه وانضمامه لتلك الأشياء الأرض/سماوية، التي تكتسب قيمتها من حضورها في حياة الإنسان، واعتماده عليها في بقائه. يرى جبران خليل جبران أن نصف الرغيف الذي لا يأكله يخص هذا الشخص الآخر الغائب، الضيف أو الزائر المنتظر، كأن هذا الآخر، يشاركك الرغيف، حتى في عدم حضوره، فتناول الرغيف دعوة مفتوحة للزيارة.
ألتقط الحس المسيحي المتسامي في تفسير الخبز عند جبران، هناك آية في إنجيل يوحنا "أنا هو خبز الحياة، من يقبل إليَّ فلا يجوع".
أتذكر شعيرة قديمة من الطفولة، عندما نرى قطعة خبز ملقاة في الشارع ننظفها، ونقبلها ونضعها جانب الرصيف حتى لا يدوسها أحد، كأننا نعيد دفنها عبر شعائر صامتة. أخبرني المخرج الراحل داود عبد السيد في حوار شخصي معه، أثناء إعدادي لكتاب عنه، أن أي قطعة خبز متبقية في البيت، مهما كانت صغيرة لا يلقي بها في القمامة، بل يحفظها، ليتناولها في وقت آخر مع مثيلاتها. ربما حتى لا يُلقى بهذا الرمز في القمامة، وليعد من حيث أتى إلى الجسد، مرة أخرى، حيث يعيش الرب.
ربما لم يقدس الإسلام الخبز في حد ذاته بل اهتم بالناس الذين في حاجة إليه، فقداسته مرتبطة بالناس لا بشعيرة تخصه هو، بعكس المسيحية التي ترمز بالخبز الجسد الإنساني والإلهي معًا. في الحالين هناك إعادة تمثُّل للخبز سواء عبر الفرد عميق الإيمان، أو عبر المجموع، وكلاهما مسكن الخبز ومكان حريته.
ربما تاهت الآن رمزية الخبز، وتاه هو، لم يعد له هذا التأثير وسط التحولات التي ضربت مفهوم التبجيل والترميز، وفضت العلاقة بين الخبز والإنسان، والخبز والحرية، وفقد دوره السياسي، تحول إلى كائن هش متعدد الأوجه والأسعار والتوجهات والطبقات، وبلا دور سوى سد الجوع. كأننا نبدأ دورة خلق جديدة، ولكن هذه المرة، بدون أي اندهاش من حضوره ودوره، بدون قفزات الفرن، وخروج المارد من العجين.