تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
توفيق الحكيم

تأملات في "سجن" توفيق الحكيم

منشور السبت 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

"سأموت وأتساءل لماذا لم أكن أفضل مما كنت، وما هو هذا السجن الذي يحبسني فيما أكون"، إحدى الجمل المهمة في كتاب سجن العمر، التي تمثل سيرة الطفولة لتوفيق الحكيم، الذي حلت الشهر الماضي ذكرى ميلاده.

لا تنحاز الجملة لرغبة كاتبها في تطوير نفسه، بل هناك نظرة عتاب لها، ولمجتمع الطفولة، بل وتتجاوزه إلى ما يقف وراءه من سجون رمزية وعوالم غيبية ونُطَف تحمل جينات وراثية.

جاء هذا التساؤل الحائر والحار من كاتب ناجح يشغل وضعًا طبقيًا متميزًا. يبدو أن هذا النوع من الإحساس بالدونية الوجودية عادل، لا يفرق بين الطبقات، ولا يقف في طريقه أو يعطله أي تمايز مهما كان، كونه متأصلًا في الوجود، وربما في قرار أي كينونة إنسانية، سواء ظهر أو لم يظهر.

ربما جوع هذا الكاتب للأفضل كان يقتات على مكان آخر مثالي، وليس لإشباع حاجة استهلاكية عابرة، أو إحساس مادي هش بالتفوق؛ بل جوع لمكان بلا قيود تتمدد فيه أحلام الإنسان عن نفسه، للوصول لحالة من الكمال النوعي.

شعرت للمرة الأولى بمتعة القراءة مع "سجن العمر"، ورواية عودة الروح ولم أتجاوز الثالثة عشرة. رأيت فيهما انعكاس حياتنا اليومية قائمًا داخل عمل أدبي، كأنني أسير وسط حياتنا اليومية ولكن داخل رواية. ربما كنا في هذه السن نبحث عن الشبيه، من يتسلل بيننا وبين حياتنا اليومية وأبطالها، ويملأ فراغات الأسئلة التي بلا إجابات، ويمنح معنىً لشذرات الصور المبتورة، ويهدئ نوبات الحزن التي كانت تتخللها.

سجن الطبع

لم يصرح الحكيم بهذا الخطأ الوجودي، في نظره، ولم يكتب عنه، بأنه لم يكن أفضل مما كان عليه؛ إلا عند كتابته لسيرته، فقد منحته الكتابة مزية الانفصال عن نفسه ليرى عيوبها ونقائصها بوضوح، تلك القيود التي تلجم الشخصية، والتي سماها "الطبع"، أو "سجن الطبع".

في كتابه يكشف عن المُحَرِّك، أو الجهاز الآدمي، الذي يمثل الطبع في حياته، ويسعى إلى تفكيك جزئياته. فهذا المُحَرك الذي يحركه، لا يمكن الكشف عنه إلا بالرجوع إلى لحظة الميلاد، التي يقتسمها الأب والأم معًا.

يبدأ إمساك الخيط ببرقية تلقاها إسماعيل الحكيم، والد توفيق، من عديله (زوج خالة توفيق) المقيم في الإسكندرية؛ حيث وضعت والدة توفيق مولودها هناك في بيت أختها، بينما منعت ظروف العمل كوكيل نيابة في مركز السنطة بمحافظة الغربية الأب من حضور لحظة الميلاد.

في البرقية يهنئ العديلُ عديلَه ويخبره بأن المولود "يشبه أباه تمامًا، ولكن بدون شوارب!". عثر الحكيم على هذه البرقية مدونة في دفتر كان يحتفظ به والده لتدوين الأحداث المهمة والعادية، ويعتبر أرشيف حياته التي لم يعشها، وتحولت مقتطفات منه إلى عنصر مهم من عناصر بناء كتابه سجن العمر .

نزعة حب الفن

تحمل الجملة إحساسًا بعدم الرضا عن طبعه الذي يقف عائقًا في طريقه لتحقيق النجاح كما يتمناه. ربما كانت صورة النجاح تتلخص في آخرين يملكون الجرأة على المواجهة مثل والدته أو أخيه زهير. هؤلاء الذين يحركون شوكة الألم في كينونته ويشعرونه بالعجز. كان الخجل وتجنب الأضواء من أعراض هذا الطبع المعطل.

يظهر هذا الخجل بوضوح في شخصية محسن بطل "عودة الروح" الذي كان يخفي أي تمايز عن زملائه في المدرسة، كانت نفسه كما يكتب الحكيم تمج النعمة والترف، وتعذبها الثروة، ويتألم في السر لأنه غني، ويرفض أن يلبس ثيابًا فاخرة حتى لا يتميز عن الآخرين من أقرانه، ويرفض أن يرسل له أهله السيارة إلى باب المدرسة، يريد أن يشعر الجميع أنه تلميذ عادي، هكذا عاش بينهم، يخفي شخصيته الأصلية.

ربما أراد محسن/توفيق الحكيم، أن يكون مميزًا، ولكن عبر صفة مكتسبة وليست ناتجة عن وضع طبقي لا يد له فيه، يريد تميزًا شخصيًا اكتسبه بعرق جبينه كحب الفن والكتابة الذي أتى بعد ذلك، والذي قاوم به طبعه ووسَّع من حجرات سجنه.

أضاف حب الفن للحكيم صراعًا آخر مثاليًا ووجوديًا، غير الصراع الاجتماعي، جعل شخصيته تتمدد وتتسع لتعادل كفة الدونية الوجودية الكامنة في طبعه، بل ويمنحها خلود الكتابة والنفس وتساميهما، لتفتح أمامه آفاقًا أخرى للإحساس بالذات والرضا عنها.

ولكنه أيضًا يضع نزعة حب الفن الكامنة في أعماقه تحت مقصلة الأسئلة، لأنه غير قادر على إيجاد تفسير لها سوى رصد حركتها داخل حياته "كانت هذه النزعة تقترب بسرعة إلى كل ما يلائمها من أوضاع تظهر لها، كأنها روح شبح يتحسس الأجساد التي كتب عليها أن يحل في أحدها، لماذا كانت هذه النزعة عندي؟ هي أحد الأسباب التي من أجلها كتبت هذه الصفحات".

الصراحة والشجاعة

يلجأ الحكيم إلى تقصي وكشف جذور هذا المحرك/الطبع بداية في كل من والده ووالدته، حيث الأب الحريص الرزين ذو الجذور الريفية، والأم الجريئة العاطفية ذات الجذور التركية، والتفاوت الطبقي بينهما، والصفات الوجودية المميزة لكل منهما، وأزماتهما الاجتماعية التي أثرت في تكوين طبعهما، والتي سيقتفي أثرها في شخصيته لاحقًا. 

كانت الأداة المستخدمة في الكشف هي أسهل وأصعب أداة في الوقت نفسه: الصراحة والشجاعة، ليتعرف على هذا الجزء اليسير من تركيب طبعه، وهما الصفتان اللتان اكتسبهما من موهبة الكتابة التي اكتسبها بدوره خارج دائرة نفوذ الطبع ومراقبته، وأصبحت الميدان الذي يمارس فيه صراحته وشجاعته.

يلف طفولة توفيق الحكيم الغموض. جدار أسود أصم، يصطدم به ولا يبصر بعده شيئًا، اللهم إلا بعض صور مبتورة غامضة لا تفسر، كما يكتب في سيرته، كتخيّله "للعفاريت المتدثرة في البياض والسواد، التي كانت تظهر خلف الأبواب ثم تختفي في سرعة البرق" أو مرضه المفاجئ عند رؤية جنازة عابرة في الشارع، أو مرض أمه الطويل، كلها شذرات صور تسربت من خلف هذا الجدار الأسود الأصم، وسكنت في خياله الذي تحول إلى غرفة تحميض أفلام.

البحث في كل ما سبق يمثل له بداية نسج خيوط التكوين للشخصية وللطبع، والكشف عن مكونات هذا الطبع، وجميعها كانت سببًا في تكوين إحساسه بالدونية أمام الحياة والآخرين، ودعته لأن يطرح هذا السؤال.

ثم يعرج، في الكتاب، للبحث في المجتمع الثقافي الذي كان يحيط به بداية، والذي اختاره بنفسه، بداية من الأسطى حميدة صديقة عائلته، العوادة والمطربة صاحبة التخت، التي كان صوتها يشجيه، وكان يشعر تجاهها بإحساس غامض يكاد يشبه الحب. وبدأ يتعلم العود بسببها. ربما علاقته بها إحدى بدايات ميلاد الفن في جسمه. ثم يتطرق إلى حكايات المجتمع الفني في العشرينيات والثلاثينيات، في القاهرة والإسكندرية، وقد كان يتمحور حول المسرح من مؤلفين وموسيقيين وشعراء وكُتَّاب وهواة، وطرائفهم وسهراتهم، وصفاتهم الشخصية التي اختبرها بنفسه، كأنه يحاول أن يفكك تكوين هذا المحرك أو الجهاز الآدمي لهذا المجتمع من داخله، بدون أن يخل بمتعة السرد.

زهير ذو الطبيعة المنطلقة

إحساس الخذلان من طبعه لا يفارق الحكيم، خاصة أمام كينونة أخرى خالية من نقائص طبعه، ويتمنى أن يكونها ويحل فيها، مثل أخيه الأصغر زهير، الجريء، المغامر، شبيه والدته، الذي لا يحب الشعر. كان يغبط في سره هذا الأخ الجريء والمقدام الذي يراقص الفتيات في الفنادق الكبرى مثل الكونتننتال وليس في جيبه سوى خمسة قروش. هناك صدام غير مصرح به مع أخيه ظهرت لمحات خاطفة منه في "سجن العمر" رغم أن الأخ، أحد الأشباح الذين يحركون شوكة الألم في كينونته العاطلة، وأحد صور الإحساس بهذه الدونية الوجودية.

ربما وفاة زهير المبكرة كانت سببًا في المرور السريع على حياته، فقد شارك الحكيم حياته في القاهرة أثناء دراسته للحقوق، وأيضًا زاره في باريس حيث ذهب لنيل الدكتوراه في الحقوق، بينما ذهب الأخ لفرنسا لدراسة الزراعة في تولوز. كان كثير التدخين، يعتني بملابسه عناية فائقة، بعكس الحكيم، بارع في السباحة التي فشل الحكيم في تعلمها بسبب طريقة والده الخشنة، ويحب لعب البوكر.

رأى الحكيم أن هذا الأخ هو الأحق، بسبب هذه الصفات، أن يكون الفنان وهو المزارع، ولو حدث هذا لظفر الأدب بإبداع حقيقي يأتي من تجربة مادية، وليس إبداعًا ذهنيًا، لولا أنه مات مبكرًا. كان يتمنى أن يملك هذه الطبيعة المنطلقة، وليست المكبلة، التي يعيش في سجنها.

الخروج من سجن الطبع

يشكل الطبع، وتقاليد العائلة، والمجتمع، السجون القهرية التي نخبط على جدرانها طول حياتنا، بغية الخروج، والتمرد عليها يشعر صاحبها بهذه الحرية والتحقق وولادة زهرة الكينونة المتمناة والتخلص من سجن الطبع. كان حب الفن، إحدى وسائل الخروج من السجن، فهو "الأداة الإنسانية لتأمل ملامحها ومعرفة نفسها" فمن خلال حبه للفن اكتسب مسافة مجازية للتأمل والمعرفة لرؤية نفسه ومن حوله، هذه المسافة تحولت إلى مسافة مادية عبر السفر والترحال.

سافر الحكيم لباريس بناءً على نصيحة زميل والده الأستاذ أحمد لطفي السيد، لإنقاذ ابنه من مصير المشخصاتية الذين كان يخشى الأب على مستقبل ابنه منهم.

يصعد الحكيم على السفينة، ويظهر خلفه تمامًا محسن محي الدين/يحيى في فيلم إسكندرية ليه، الذاهب لتعلم الإخراج في أمريكا. بينما يقف أبو توفيق الحكيم على الرصيف، وخلفه يظهر والده شكري مراد/محمود المليجي، ليلوِّح بالمنديل الأبيض وهو يبكي في وداع ابنه، بينما أبو توفيق الحكيم رابط الجأش، يقف هادئًا، تحت الشمسية البيضاء، يشاور له بيده، ولما ابتعدت السفينة استخدم المنديل، ليراه الابن.

بكى الحكيم من هذا الموقف، بعد أن اكتشف معدن أبيه الرزين "كان منظر الأب الرزين وهو يكتم شعوره تحت قناع وداع هادئ، مما أسال دمعتي على الرغم مني، وابتعدت مصر، واتجهت أنا نحو مصير مجهول". لحظة التعاطف كشف بها الحكيم معدن أبيه الهش، وعرى جزءًا من هذا المحرك الذي كونه فيما بعد.

ربما أذابت دمعة التعاطف هذه المسافة بينه وبين أبيه، جعلت سجنه سجنًا عاطفيًا واسعًا، يمكن من خلاله أن يضم الابن والأب معًا دون أن يطغى طبع أحدهما على الآخر. وعاد الحكيم من باريس ولم يحصل على الدكتوراه في القانون كما تمنى الأب والعائلة.

فالأب الذي علمه حب الأدب وقف أمامه ليكون أديبًا، والأم التي أورثته الإرادة وقفت أمام رغباته الفنية، وسط الرفض والاستجابة نشأت المقاومة بالنسبة له، أو ما يسميه المُكتسب من أفكاره وصفاته الجديدة، وهي التي عبرت بنجاح ولم يخسره أيًا من الطرفين، وجعلته يعزو لهما جزءًا من مكتسبه/ثروته الجديدة.

حيث يتساءل في إحدى فقراته عن نزعة الفن "هل كانت موجودة في نطفة الأب والأم دون وعي منهما وألقيا بعبء إنباتها على كاهله؟".

كشف الحكيم عن الأماني الملقاة في عمق ظلام كينونته، وهو الذي وضع ظلالًا جديدة ومساحات جديدة للتعاطف مع مسار الأب وطبعه داخل روحه. عن الأمنية الأعمق التي لم تظهرها الحياة بسهولة، وظلت كامنة داخله تبحث عمن يطلق سراحها. لقد اتسع سجن الطبع، بحب الفن، هذا الوعي المكتسب، الذي أصبح نوعًا من الإيمان يرى من خلاله العالم جديدًا، مثل أي استنارة روحية.

"كنت سجينًا في الموروث، حرًا في المكتسب، وما شيدته بنفسي من فكر وثقافة هو ملكي، وهو ما أختلف فيه عن أهلي كل الاختلاف، ها هنا مصدر قوتي الحقيقية التي بها أقاوم".