فوائد الدين أم فوائد المواطن؟
اقتصاد الفائدة المنخفضة.. كيف تتحول فوائد الديون إلى تمويل التعليم والصحة
في مصر، هناك ظاهرتان غريبتان تتعلقان بالدين العام الداخلي، الذي يُمثّل الجزء الأكبر من ديوننا.
فالمعتاد، أن تلجأ الدول للاستدانة طويلة الأجل، وأن تدفع فائدة أعلى تعويضًا للمقرضين عن مخاطر الزمن والتضخم. لكن في حالة مصر، فإن أغلب ما تطرحه الدولة من الدين العام أذون قصيرة الأجل. وفي الوقت نفسه، تدفع عليها فائدة أعلى. لذلك يبلغ متوسط عمر محفظة الدين العام 2.9 سنة فقط، وكلما وضعت الحكومة مستهدفات لإطالة أمد الدين عجزت عن تحقيقها.
فلماذا تميل الحكومة إذًا لاتباع هذا النهج الغريب في الاقتراض؟ لماذا تسيطر الأذون على الدين العام برغم أن السندات كان يجب أن يكون لها الدور الرئيسي؟ هل لأن الحكومة عاجزة عن التنبؤ باحتياجاتها الفعلية في المدى الطويل؟ لا يمكننا أن نتصور ذلك خاصة وأن القائمين على الملف من حكوميين مشهود لهم عالميًا بقدراتهم المهنية الرفيعة!
فتش عن المستفيد
لا يمكن فهم لماذا انقلبت الأوضاع إلا عن طريق تحليل الاقتصاد السياسي، حيث خلقت آلية طرح أذون الخزانة أو المتعاملين الرئيسيين، مجموعة من المصالح التي تدفع في اتجاه بقاء الوضع على ما هو عليه.
تحت هذه الآلية تطلب الحكومة شهريًا اقتراض أموال، وتتنافس البنوك على تقديمها للحصول على أرباح من وراء هذه التمويلات. في يوليو/تموز الماضي مثلًا، عرضت الحكومة فائدة ضخمة تُعادل 25 جنيهًا فورية لكل 100 جنيه تقترضها لآجال قصيرة (من 3 إلى 9 أشهر).
رسم بياني يوضح متوسط العائد على طروحات أدوات الدين الحكومية 2026.
ورغم أن المنطقي هو الاقتراض لسنوات طويلة بفائدة أقل لتقليل المخاطر، فإن الحكومة ترضخ لضغط "لوبي البنوك" وكبار المستثمرين، مما يجعلها تتحمل ديونًا قصيرة الأجل ذات عائد مرتفع ومُكلف للغاية.
لنبدأ بسؤال عبد الوهاب "كل ده كان ليه؟"، والإجابة المباشرة هي: سياسات صندوق النقد الدولي التي أوصلت مصر إلى هذا المأزق.
الواقع عكس النظرية
يرى الصندوق أن رفع الفائدة يُعالج التضخم الناتج عن غلاء أسعار الطاقة وانخفاض الجنيه؛ لأن العائد المرتفع على أدوات الادخار سيُغري الجميع بإيداع أموالهم في البنوك بدلًا من الشراء أو الاستثمار، ومع انخفاض الطلب تنخفض الأسعار.
بناءً على هذه الرؤية، قفزت الفائدة في مصر من 13.6% إلى 20% خلال السنوات العشر الأخيرة، التي شهدت أيضًا قفزات غير مسبوقة في معدلات التضخم. واقعيًا، لم تأتِ الرياح بما تشتهي سفينة الصندوق، فلا التضخم ينحسر، ولا الفائدة تتراجع.
على العكس، نجد في مصر حاليًا ظاهرتين لا يتصدى لهما البنك المركزي ولا الحكومة بما ينبغي من أدوات: الأولى، أنه وبعكس النظرية، لم ينخفض التضخم الأساسي للمستويات التي استهدفها البنك المركزي خلال السنوات الخمس الماضية، رغم تراجع معدل التضخم لأقل من النصف خلال تلك الفترة. والثانية، والأعجب، أن البنك المركزي لم يُخفِّض الفائدة بنفس وتيرة التراجع التدريجي للتضخم الأساسي في آخر عامين، بل أبقى أسعار الإقراض عند مستويات بالغة الارتفاع فوق 10%.
رسم بياني يوضح فائدة البنك المركزي في مقابل التضخم خلال الخمس سنوات الأخيرة.
ويترتب على ذلك الفارق بين التضخم والفائدة تفاقم التباطؤ الاقتصادي وارتفاع تكاليف ديوننا جميعًا من المستهلك إلى الحكومة. وأسوأ ما في الأمر أن الفوائد بالغة الارتفاع على تلك القروض صارت "أمرًا طبيعيًا" لا مرضًا ينبغي التعافي منه.
نتحدث في هذه الحالة عن مصالح تقدر بآلاف مليارات الجنيهات. وبفضل نظام المتعاملين الرئيسيين، صارت البنوك تحقق أرباحًا خرافيةً من الفوائد المرتفعة على الدين الحكومي. وتأتي هذه الأرباح مباشرة من الموازنة العامة للدولة، على حساب كل أولويات الإنفاق الأخرى. وهو ما بات مؤرقًا لكثير من الأطراف.
حل جذري وآخر تدريجي
لذا، رأينا الشهر الماضي جدلًا واسعًا بشأن مقترح حسن هيكل، وهو أحد أيقونات الاستثمار المالي الإقليميين، بالتخلص من الدين الحكومي الداخلي مرة واحدة بضربة قاضية.
الفكرة جريئة ومغرية: تتخلص الحكومة من دينها بالتنازل لجهة أخرى حكومية عن أصل ثمين مرتفع العوائد، بلغة السوق الدارجة "تخليص حق". أنا مدين لك بخمسين ألف جنيه، سوف أعطيك هذا المحمول بحالته الممتازة، فنصبح خالصين.
لنرجع خطوة إلى الوراء قبل أن نناقش الفكرة. فقد سبقت الحكومة هيكل بتقديم حل تدريجي، عبر طرح "صكوك ضريبية" تُتيح للممولين سداد الضرائب مُقدَّمًا مقابل خصم يُحسَب كعائد (أقل من سعر الفائدة الحالي) على سنوات قادمة، على أساس أن تستخدم هذه الإيرادات كبديل عن الديون.
كلا المقترحين يتفادى التصدي لمشكلة ارتفاع الفائدة، التي تقودنا لحتمية المواجهة مع كتلة المستفيدين النافذة التي تراكم عظيم الربح من هذا الارتفاع. فقد أصبح اليوم معدل التضخم الأساسي حوالي 14% بينما ظلت الفائدة على أذون الخزانة تدور حول 25%. أي أن الفارق الذي ينبغي أن يقترب من الصفر أو حتى يصبح سالبًا لتنشيط الإنتاج والتوظيف، يتجاوز في الواقع 10%.
وفي المقابل، يترجم هذا الفارق إلى أرباح مضمونة بلا مخاطرة، بلا استقطاعات ضريبية كبرى، تصب في مصلحة كل ملاك ومديري البنوك، وكل من يملك فوائض مالية ليقرض حكومة بحجم الحكومة المصرية. من بيانات الموازنة، تبلغ تلك الفوائض ألف مليار جنيه في العام الحالي، على الأقل.
وعلى الأرجح، تستحوذ البنوك المصرية على نسبة هائلة من تلك الأرباح، بالنظر إلى أن الاستثمارات في الأذون والسندات تمثل نحو ثلث قيمة أصولها في الوقت الراهن.
والنتيجة أرباح مليارية تنترعها شريحة صغيرة من الأثرياء من جيوب عشرات الملايين من المصريين. تتحدث عن هذا الوضع ودوره في تفاقم اللا مساواة عدد من الأوراق والتقارير، مثل "موازنة فوائد الديون: التقشف لنا والأرباح للدائنين" و"التقشف الانتقائي: كيف أدى الانضباط المالي إلى اتساع عجز الموازنات.. دراسات حالة من الدول العربية".
الخلاصة: القطاع المصرفي -مدعومًا بالبنك المركزي- هو أهم لوبي يحصد تلك الأرباح.
أين تقف الحكومة في معادلة الفائدة المرتفعة؟
أما المستفيد الثاني من هذا الترتيب المعيب، فهو الحكومة نفسها على حساب الأغلبية من المواطنين. فقد باتت قادرة على جذب تدفقات من النقد الأجنبي عبر سوق الدين المحلية، من خلال الاستثمارات الأجنبية في أذون الخزانة.
ذاقت الحكومة حلاوة تكالب المقرضين الأجانب على شراء أوراق الدين المحلي، بعد أن جذبتهم معدلات الفائدة المرتفعة على ديوننا بالمقارنة بفوائد الاقتصادات الكبرى، وصارت تحتفظ برصيد ضخم من تلك التدفقات الدولارية دون الحاجة لتصدير ولا تصنيع ولا تشغيل.
يتضح مدى ضخامة استثمارات الأجانب في الدين العام من خلال مقارنته ببعض التزامات الدولة، فهو يفوق حجم التزامات مصر الخارجية في 2026، ويمثل أكثر من نصف المصروفات العامة في الموازنة.
رسم بياني يوضح حجم الأموال الساخنة في مقابل المصروفات العامة والتزامات الديون خلال 2026
عرفت الحكومة مخاطر هذا النوع من الديون مع صدمات الخروج المفاجئ لهذه الاستثمارات لأكثر من مرة خلال السنوات الخمس الأخيرة، لأنها واقعيًا تصبح واجبة السداد لهؤلاء الأجانب، والمصريين غير المقيمين الذين يحولونها إلى دولارات لتخرج من البلد. ولهذا يسمونها الأموال الساخنة. لكنها ظلت منجذبة لهذا النوع من الاستدانة لقدرته على تغطية التزاماتها من العملات الصعبة.
الوضع الحالي هو وضع تكسب فيه أطراف نافذة -خاصة الحكومة والبنوك وأصحاب الشركات الكبرى- ويخسر فيه الاقتصاد الكلي؛ وتتقلص فيه فرص التنمية العادلة المستدامة.
عيوب مقترح هيكل
يُعَوِّل هيكل على أن الأزمات تدفع باتجاه إجراءات غير عادية. ومن هنا يأتي اقتراح تصفير الدين الداخلي كمحاولة محمودة لكسر تلك الحلقة الخبيثة. الفكرة الأولية كانت أن ينشئ المركزي صندوقًا يستخدم عائدات قناة السويس السنوية التي تؤول إليه في دفع فائدة تقارب 5 إلى 6% على الدولار، مقابل شطب التزامات الحكومة بالعملة المحلية من موازنتها العامة، مما يُخفض الدين المحلي فعليًا إلى الصفر. ويفترض أن تتيح الخطوة البراح المالي المطلوب للإنفاق على التعليم والصحة من خلال إلغاء مدفوعات الفوائد من الموازنة العامة، وهو البند الذي يستهلك ما يقرب من نصف الإيرادات سنويًا خلال السنوات الأخيرة.
ولكنه مع ذلك غير مناسب لعدة أسباب: أولًا، لأن تحويل ملكية قناة السويس للبنك المركزي مقابل الدين المحلي يفترض أن المركزي هو الدائن الأوحد للحكومة. بينما البنك نفسه هو أحد الجهات الحكومية المدينة. المركزي نفسه مقترض لثلث القروض الخارجية. والواقع أن الدائنين توليفة من البنوك والشركات الخاصة والعامة والمؤسسات المالية والأفراد، أجانب ومصريين.
وثانيًا، لا يتناول الاقتراح صعوبة تقييم قناة السويس. والمثال الذي ضربه هيكل عن البنك المركزي الياباني لا ينطبق على حالة قناة السويس، لأنه يتحدث عن أسهم يملكها البنك في شركات مطروحة في البورصة بغرض الاستثمار وتنويع العوائد.
ثالثًا، الاقتراح قد يعرض البنوك لصدمة انخفاض مفاجئ في أرباحها، ما يعرضها لمخاطر مالية. وهو أمر يحتاج لتعامل حذر ولحالة بحالة.
رابعًا، لا يتعامل المقترح مع واقع أن الدين العام، الداخلي والخارجي صارا متشابكين، ولا يمكن التعامل مع جانب دون الآخر. فهو يُعرض الحكومة إلى أن تفقد تدفقاتها من الأموال الساخنة، التي تستعين بها على قضاء التزاماتها لسداد الدين الخارجي، فجأة، وهو ما يمكن أن يعرض الجنيه لصدمة انهيار جديدة.
وأخيرًا، لا يقضي المقترح على النظام المعيب الخاص بالمتعاملين الرئيسيين الذي يفاقم من سلطة البنوك في التحكم في أسعار الفائدة.
هل يتغلب المنطق على المصالح؟
ومع ذلك، بفعل تعدد الأزمات، فإن مصر بالفعل في نقطة مناسبة للإعلان عن إعادة هيكلة جذرية للدين العام، بغرض تمويل التنمية. فالموضوع لا علاقة له بالتعثر في السداد. فمصر لم تتعثر إطلاقًا في سداد أي دين سيادي.
ولكنها نجحت من قبل في استغلال ثقلها السياسي في إعادة الجدولة والهيكلة في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وخلقت براحًا ماليًا لتمويل مجالات اجتماعية مثل التعليم، والذي وصل إلى أعلى مستوياته في النصف الثاني من العقد نفسه، ثم ما لبث أن تآكل هذا الاتجاه تدريجيًا حتى وصل الإنفاق عليه إلى أدنى مستوياته حاليًا.
فقد مرت ست سنوات استثنائية على مصر والمنطقة والعالم في أعقاب جائحة كورونا. أضيف إليها عدم اليقين الحالي في الإقليم، وكلها اعتبارات تعطي لمصر سببًا واضحًا لتقليص عبء الدين بغرض القضاء على الفقر وتعزيز التنمية.
أما كيف تتم إعادة هيكلة الدين بشكل جذري وبغرض تمويل الإنفاق الاجتماعي، فهي عملية معقدة، تبدأ بالإعلان عن عيوب النظام الحالي، وفتح حوار حول ما يمكن عمله، ومن شروط نجاحها فتح المجال العام للمشاركة في صنع القرار الاقتصادي والرقابة عليه.
إن أيَّة إعادة هيكلة للديون ينبغي أن تحتوي على خليط من الآتي أو بعض منه: إسقاط جزء من الديون، وتمديد آجال جزء آخر، وإسقاط الفوائد عن جزء ثالث من الديون مع سداد أصل الدين ومبادلة الديون باستثمارات (وليس بأصول قائمة).
وقد أثبتت الحكومة قدرة هائلة على التفاوض مع الإمارات لتحويل الودائع الدولارية إلى استثمارات. وإن عاب العملية سرعة تآكل البراح المالي الناتج عن تلك الصفقة، بسبب غياب خطة لتوجيه الوفورات إلى أوجه إنفاق بعينها، وغياب خطة متكاملة لتقليص الدين الخارجي والداخلي.
وهناك خبرات لدى منظمة الأونكتاد، يمكن أن تساعد في رسم خارطة طريق، وهناك تجارب متعددة حول العالم مثل الإكوادور في العقد الماضي، والعراق في بداية العقد الحالي، وبينهما إمارة دبي. وبالتأكيد في الحالة المصرية، تعتبر الفائدة على الدين المحلي نقطة الانطلاق الأهم.
تحسين الاقتراح
وفقط ضمن هذا الإطار الشامل، قد ينجح الاقتراح المعدل الأكثر نضجًا الذي قدمه هيكل لاحقًا، في فيديو نشره لتوضيح مقترحه، بأن تعرض الحكومة على الدائنين أوراق دين طويلة الأجل أو صكوكًا، بدلًا من قصيرة الأجل، خاصة إذا ما عرضت فائدة مغرية.
هذا الإجراء في سياق إصلاح جذري، كفيل بتقليص العجز بشكل حقيقي لا رقمي، وإعادة هيكلة الدين في خبطة واحدة ومن ثم تخفيض الدين الحكومي. ولكن الصعوبة هنا أن أصغر مقرض للحكومة، والذي يحمل ورقة دين واحدة، يمكنه أن يعترض على المقايضة ويوقفها. ويؤدي هذا إلى تآكل السمعة الدولية الحسنة للحكومة التي لم تتعثر أبدًا.
لهذا، فإلى جانب التفاوض المحلي، نحتاج إلى تعبئة رأي عام بين دول الجنوب، لمراجعة القوانين الدولية التي تحكم أوراق الدين. فهي ظالمة، وتعوق الدول -وليس فقط مصر- عن الحركة من أجل التنمية المستدامة. ولدينا الخبرات الدبلوماسية المصرية القادرة على تلك التعبئة وبالتوازي العمل على إدارة مفاوضات مع الجهات الخارجية الدائنة من أجل تمديد الآجال وبعض الإعفاءات.
وعلى المستوى الداخلي، يجب أن نبدأ في مكافحة توحش الديون عبر إلغاء النظام البائد المسمى بالمتعاملين الرئيسيين، مع العمل سريعًا على استعادة المنحنى الطبيعي للعائد على الدين العام، مع امتناع الحكومة عن طرح أذون الخزانة لتغطية عجز الموازنة، إلا باستثناءات ينص عليها القانون.
وأخيرًا، لنتخيل النشاط الذي قد يحل على الأسواق لو انخفضت قيمة الأقساط الشهرية للمنازل وللسيارات. لنتخيل الرواج الممكن في حال صارت تطبيقات التمويل الاستهلاكي مثل فاليو وغيرها تتيح أقساطًا بفوائد أقل لشراء أجهزة كهربائية أو موبايلات، هذا ما قد يصبو إليه أي صانع قرار يرسم خططًا لإنعاش الاقتصاد.
وحتى نفهم حجم الإهدار من المال العام في حال بقاء الفائدة مرتفعة على الدين قصير الأجل، فلنتأمل ما تقوله الحكومة في أحد بياناتها المالية بأن كل تخفيض 1% في سعر الفائدة يعادل براحًا ماليًا يقدر بـ100 مليار جنيه، بحسب البيان المالي للسنة المالية 2026-2027
خلال السنة المالية السابقة، انخفض سعر الفائدة على أذون الخزانة 4%، وأتاح هذا الوفر مبلغًا أكبر من إجمالي ميزانية التعليم أو حوالي ضعف ميزانية الصحة في عام واحد، لكن اختارت الحكومة أن تصرف المبالغ المتوفرة وفق أولويات أخرى.. لماذا؟ وكيف نتفادى تكرار مثل ذلك؟ هذه هي الأسئلة الجديرة بالنقاش الذي فتحه مشكورًا حسن هيكل، وينبغي أن يبقى حيًا.