التمويل الاستهلاكي.. فرصة نمو أم مخاطرة يجب تداركها؟
يٌعرِّف القانون رقم 18 لسنة 2020 التمويل الاستهلاكي بأنه "كل نشاط يهدف إلى توفير التمويل المخصص لشراء السلع والخدمات لأغراض استهلاكية متى تمت مزاولته على وجه الاعتياد، ويشمل التمويل من خلال بطاقات المدفوعات التجارية أو إحدى وسائل الدفع التي يقرها البنك المركزي".
بعيدًا عن هذه اللغة القانونية الصارمة، التمويل الاستهلاكي ببساطة هو شراء سلعة أو خدمة لمستهلك لا يملك ثمنها في الوقت الراهن بأموال غيره من خلال الاقتراض مع الالتزام بالسداد في صورة أقساط تكون مدتها الدنيا طبقًا للقانون المذكور ستة أشهر، متخليًا بذلك عن الصورة النقدية للإقراض.
يتعدد أبطال التمويل الاستهلاكي من مستهلكين نهائيين وموزعي سلع وخدمات يتفاعلون بشكل مباشر مع المستهلكين، ومن ورائهم من يعتبرون عصب هذا النمط من التمويل؛ شركات التمويل الاستهلاكي، وهي مؤسسات مالية غير مصرفية بمعنى أنها ليست بنوكًا تتلقى ودائع من عملاء.
ولكون التمويل الاستهلاكي أحد الأنشطة المالية غير المصرفية التي تتم من خلال شركات تستخدم رأسمالها، أو تقترض بدورها حتى يمكنها تمويل استهلاك عملائها النهائيينـ فإنه يخضع لهيئة الرقابة المالية التي تشاطر البنك المركزي الرقابة على أنشطة أسواق المال مع التركيز على كل ما هو غير مصرفي.
نشاط يتوسع
قصة التمويل الاستهلاكي طويلة وقديمة في مصر، لكن الشكل المحدد في التمويل الاستهلاكي غير المصرفي حديث ترجع بدايته إلى 6 سنوات فحسب عند تمرير القانون المذكور، ورغم قصر عهده فإنه مثل قصة نجاح، إذ شهد نموًا كبيرًا في حجم التمويل وعدد الشركات وبالقطع عدد العملاء.
في 2021 أفاد تقرير هيئة الرقابة المالية بوجود 30 شركة تخدم 1.34 مليون عميل بحجم تمويل 17 مليار جنيه مصري مقارنة بـ8 مليارات في 2020 فحسب، أي بمعدل نمو اسمي بلغ 102% طبقًا لحسابات التقرير.
هذا التوسع استمر، فطبقًا لتقرير الهيئة لعام 2021، بلغ عدد شركات التمويل الاستهلاكي 45 شركة بـ3.3 مليون عميل؛ أي بزيادة 150% في ثلاث سنوات فحسب.
ثم أتت القفزة الأكبر في حجم التمويل وعدد العملاء، إذ تفيد آخر إحصاءات الهيئة في نهاية 2025 بوصول عدد العملاء إلى 10.7 مليون عميل، ما يعني أن عدد العملاء ارتفع بين 2020 و2025 بنحو 700%، بالتزامن مع ارتفاع قيمة التمويل من 55 مليار جنيه في 2024 إلى 87 مليارًا في 2025.
المثير للانتباه أن وزن التمويل الاستهلاكي وصل إلى ربع إجمالي التمويل السنوي غير المصرفي بنهاية 2025، وهي نسبة معتبرة لنشاط بدأ خضوعه لرقابة الهيئة في 2020 فقط، ما أثار مخاوف من أن يمضي نمو التمويل الاستهلاكي بوتيرة أسرع من قدرة الدولة على تنظيمه وضبطه، ما قد يجعله مصدرًا للمخاطرة وليس فرصةً للنمو من خلال زيادة القدرة الشرائية لملايين المواطنين.
خبرة توظيف الأموال
في هذا السياق توالت قرارات الهيئة العامة للرقابة المالية لإضفاء مزيد من التنظيم على التمويل الاستهلاكي، بدءًا بالطبع من القرار رقم 222 لسنة 2025، الذي ألزم شركات التمويل الاستهلاكي بإعداد قواعد للمخالفين المتورطين فيما يُسمى بـالتسييل النقدي، وهي ظاهرة بدأت في الانتشار، إذ تقدم هذه الشركات قروضًا نقديةً للمستهلكين النهائيين بدلًا من الحصول على سلع أو خدمات حقيقية، بمقابل فوائد مرتفعة من المقترضين.
تلت هذا جملةُ قرارات ذات صلة بإلزام الشركات بالتأمين لتغطية مخاطر أعضاء مجالس إدارتها والمديرين التنفيذيين كشرط لمزاولة النشاط (قرار 35 في فبراير/شباط 2026) وبإنشاء قوائم تحذيرية وسلبية للمخالفين (قرار 87 في مايو/أيار 2026).
بالتزامن، دخل البنك المركزي على الخط وأصدر ضوابط رقابية صارمة تلزم البنوك بالتحقق من تسجيل شركات التمويل غير المصرفي لدى شركات الاستعلام الائتماني (مثل I-score) مع وضع سقف لأقساط التمويل الاستهلاكي بما لا يتجاوز 50% من دخل العميل للحد من مخاطر التعثر وتقييم الجدارة الائتمانية بشكل دقيق.
البنك المركزي يتحرك مبكرًا لمحاصرة المخاطر الناشئة وهو أمر محمود ولا شك
لا نملك تقديرات رسمية (ولا غير رسمية) لدرجة اعتماد شركات التمويل الاستهلاكي على القروض البنكية لتمويل أنشطتها، وإن كان بالإمكان اعتبار خطوات البنك المركزي الأخيرة قرينةً على الوزن النسبي المتزايد (ولا نقول بالضرورة أنه كبير بالفعل) لتلك الشركات بما يستدعي استهدافها بهذه الإجراءات التنظيمية بالتزامن وبالتنسيق مع هيئة الرقابة المالية.
الأرجح أن معدلات النمو بالغة التسارع للتمويل الاستهلاكي في السنوات القليلة الماضية أدت بدورها إلى توسع تلك الشركات في الاقتراض من البنوك لعدم كفاية زيادات رأسمالها، وهو ما يخلق بيئة مختلفة للمخاطر لأنها تربط بشكل أو بآخر بين مخاطر تعثر عملاء التمويل الاستهلاكي من ناحية، والجهاز المصرفي متلقي الودائع من ناحية أخرى.
علمًا بأن المنطق الحاكم لوضع التمويل الاستهلاكي تحت الأنشطة غير المصرفية كان هدفه بالأساس تحجيم تلك المخاطر وإبعادها عن الجهاز المصرفي، وهو درس قاسٍ تعلمه المركزي من تجربة شركات توظيف الأموال في نهاية ثمانينيات القرن الماضي عندما سمحت بيئة ضعيفة التنظيم وقتها لشركات لا تحمل رخصًا من المركزي بأن تمارس وظائف البنوك في تلقي الودائع وليس الإقراض فحسب.
المركزي منتبه
في الوقت الحالي لا يبدو أن هناك خطورةً حقيقيةً، إذ إن إجمالي حجم التمويل الاستهلاكي بنهاية 2025 (97 مليار جنيه) لا يمثل سوى 1% من إجمالي التمويل البنكي في الفترة نفسها تقريبًا، ما يعني أن قسم التمويل الاستهلاكي المعتمد على الاقتراض البنكي أصغر ربما بمقدار النصف إذا صحَّت التقديرات بأن شركات التمويل تعتمد على الاقتراض البنكي بنسبة 50% من محافظها. يشير هذا إلى أن البنك المركزي يتحرك مبكرًا لمحاصرة المخاطر الناشئة، وهو أمر محمود ولا شك.
علينا النظر إلى ظروف الاقتصاد الكلي المحيطة بتمدد التمويل الاستهلاكي في المقام الأول
بعيدًا عن صحة الجهاز المصرفي ككل، فإن قصة التمويل الاستهلاكي في السنوات القليلة الماضية تبرز محدودية مثل هذا النموذج من عدة زوايا:
مبدئيًا، زيادة القدرة الشرائية من خلال إقراض المستهلكين هو مصدر نمو في اقتصاد يعتمد على الاستهلاك، لكنه يثير أسئلة كبيرة على مستوى الاقتصاد الكلي، سواء فيما يتعلق بكثافة الاستيراد للسلع المستهلكة، بما قد يعني زيادة الطلب على الواردات، وتوسيع العجز الهائل بالفعل في الميزان التجاري.
كما يثير الأمر أسئلةً حول مقدرة العملاء المستجدين للتمويل الاستهلاكي، الذين قفزت أعدادهم بنسبة 700% في 5 سنوات، كما سبق الذكر، على الوفاء بالتزاماتهم مع الاضطرابات المتجددة على مستوى الاقتصاد الكلي في صورة تذبذب أسعار الصرف، معها معدلات التضخم المحلية علاوة على درجة التعرض المرتفعة للأزمات الخارجية في حالة الاقتصاد المصري.
هذه المحددات كلها تتجاوز فحسب الاهتمام بالتمويل الاستهلاكي كنشاط مالي، وتدعو للنظر إلى ظروف الاقتصاد الكلي المحيطة بتمدد التمويل الاستهلاكي في المقام الأول.
أما الملاحظة الثانية فهي عن محدودية توسع النشاط المالي غير المصرفي في بلد مثل مصر لا يزال جوهر النشاط المالي فيه هو البنوك التجارية المتلقية لودائع العائلات والأفراد، التي بدورها تقرض الحكومة في المقام الأول، والشركات الخاصة والعامة كبيرة الحجم في المقام الثاني بما لا يتيح الكثير من المساحة للتوسع في الإقراض الاستهلاكي البنكي.
قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك التفافًا على هذا القيد عبر التوسع في التمويل الاستهلاكي غير المصرفي، وكذا التمويل متناهي الصغر، الذي لم أتناوله في هذا المقال رغم تداخله الموضوعي مع التمويل الاستهلاكي في الكثير من الأحيان، لكن حالما ينجح التمويل غير المصرفي في جذب العملاء وتوسيع محفظته، يتجه فورًا إلى الاقتراض البنكي في نهاية المطاف ما يزيد من المخاطر بالنسبة للجهاز المصرفي في المستقبل، ويطرح أسئلة حول القدرة على الاستمرار في مثل هذا توسع بعد خمس سنوات فقط من انطلاق قطار التمويل الاستهلاكي.
يقول المثل الشعبي القديم: تروح فين الشمس من قفا الفلاح! أينما يذهب للعمل في الغيط يجد أشعة الشمس الحارقة تلاحقه، وهو ما يعني أنه لا مناص من النظر إلى الاقتصاد السياسي للقطاع المصرفي لفهم فرص نمو واستدامة التمويل غير المصرفي.
