السيولة السياسية.. فقدان اليقين في عالم مضطرب
مع تسارع وتيرة الحياة لا تقف السياسة على حال، باعتبارها في قلب الأنشطة الإنسانية، حتى لو بدت للمتعجلين بعيدة عنها. لكن الأمر لا يقتصر على تدفق الأحداث والوقائع بلا هوادة، تحت وطأة الضغوط الخارجية على الداخل، وفوران البنى السياسية المحلية، واحتدام الصراع على الهويات والمصالح، بعد ارتفاع وعي طيف واسع من الأفراد بحقوقهم، فالمجتمع الحديث يتغير بسرعة، فلا تستقر أفعال في عادات وأعمال منتظمة، والتجارب السابقة لم يعد بوسعها أن تفيد في فهم المواقف الجديدة التي يواجهها إنسان اللحظة الحالية، وصار اللجوء إلى الماضي لاستشراف مسارات مستقبلية ينطوي على مجازفات بالغة، وفي الغالب سيسفر عن حسابات مضللة.
بحثًا عن يقين
في ظل هذه الحياة السائلة يحيا المرء حالة مستمرة من عدم اليقين، ويجد نفسه أمام سلسلة لا تتوقف من البدايات الجديدة، ويبقى عليه أن يتعلم مهارة التخلص من الأشياء جنبًا إلى جنب مع مهارة التملك، ويعتبر هذا إحدى المهارات اللازمة للعيش في رحاب حياة حديثة، وألا يقع في الفخ الجهنمي الذي يجعله يقرأ عن أسباب الهروب من الحياة المادية بينما هو لم يدخلها من الأساس.
وكما أن التخلص من النفايات يحتل أولوية في اقتصاديات الحياة السائلة، ويصبح بقاء الأفراد ورفاههم مربوطًا بإرسال السلع المستهلكة إلى سلال القمامة في سرعة وكفاءة، ثم التخلص منها نهائيًا، فعلى المنوال ذاته، يقوم هذا النمط من العيش على تجريد النفس من كل الصفات والسمات والحمولات التي انتهى تاريخ صلاحيتها والتي تتعلق بالأيديولوجيات والتصورات والهويات، كي يتخفف المرء منها، ويجري بعيدًا عن أكوام القمامة التي سينجرف إليها كل من تباطأ وأصبح في مؤخرة السباق حسبما يذهب عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في كتابه الحياة السائلة.
إن الحياة السائلة تحول لعبة الكراسي الموسيقية إلى واقع حقيقي تحكمه القيم الآنية العابرة الخالية من الهموم، وتغلب عليه اللذة والأثرة. إنسان اللحظة الراهنة لا يشغله تفتيت وتحطيم كل شيء، بمن فيهم من صنعوا واقعه، حيث تمضي الجموع كالماء الهادر المتدفق الذي لا يتوقف، مهما كانت الأسباب، وإثر هذا لا يمكن للتصورات التحليلية المستندة إلى تجارب الماضي الصمود في وجه التغيرات الراهنة، وليس بوسعها أن تشكل إطارًا محكمًا للتفسير.
والاتكاء على الماضي لفهم الحاضر يكاد يكون أمرًا مسلمًا به في التحليلات السياسية العربية، على وجه الخصوص، حيث توجد فئة ظاهرة حاضرة بشدة تؤمن بأن التاريخ يعيد نفسه، وتعتقد أن بإمكانها وضع محددات للتعامل مع الأحداث السياسية الجارية يعاد فيها إنتاج ما سبق من طرائق للفهم والتحليل. وتقود هذه الفئة الرأي العام غالبًا، وتأخذه إلى فهم ما يقع أمام عينيه، وبين يديه، على ضوء ما جادت به تجارب السابقين، وبذا تسوقه إلى مساحات غير مقصودة من التضليل وتزييف الوعي.
إجابات ناقصة
فنحن نفسر الفراغ الناجم عن انسحاب الولايات المتحدة عسكريًا وأمنيًا من العالم في ضوء تجربة الفراغ التي ترتبت على انسحاب الإمبراطورية البريطانية من قبل، ونتعامل مع خبرة الثورات والانقلابات العسكرية وسبل تعامل الحركات الاجتماعية مع السلطات السياسية، على أنها قادرة على إرشادنا في التصرف حيال أوضاعنا الراهنة، متناسين أو متغافلين عن اختلاف السياقات والأدوار والأطراف الفاعلة وقدرة الجماهير والمؤسسات والتنظيمات المعبرة عنها.
لكن الواقع قد يبرهن على العكس، ويبين أن كل تجربة سياسية سابقة يتم تفريغها من مضمونها حين تنتقل إلى واقع جديد، وقد يبقى لنا ظاهرها، أو نمطها الخارجي فقط في تكراره الشكلي، لكنها لا تصلح للتطابق كلية على ما يطرأ لنا، خاصة أوقات الأزمات، وما أكثرها.
هذا يعني ضرورة تفريغ الذهن ولو جزئيًا من الحمولات السابقة التي صنعتها مشكلات سياسية قد ذهبت، وصارت جزءًا من تاريخنا، ثم النظر إلى ما يواجهنا من معضلات بذهنٍ صافٍ مختلفٍ، يبدأ في اشتباكه مع المشكلات والظواهر بمعطيات الحاضر، سواء على مستوى المعلومات التي يتم جمعها، أو فهم إدراك الناس لطبيعة ما يواجهونه، أو المحفزات التي تدفع في اتجاه البحث عن حلول، والعقبات التي تعترضها، في ظل عالم مضطرب.
التاريخ لا يتكرر
من ينظر إلى خريطة العالم اليوم يجد حالة من السيولة الدائمة، ففضلًا عن الحروب الجارية والمحتملة، هناك احتجاجات عارمة تجتاح أوروبا وغيرها. وهناك غلاء يتصاعد ويفتح بابًا واسعًا أمام اضطراب اجتماعي قادم في أماكن كثيرة. وتوجد حالة من الاستهانة بالقانون الدولي والقواعد المتعارف عليها بين الدول، بشكل لم يسبق له مثيل، ونرى انكشافًا لكثير من القادة السياسيين أمام شعوبهم، ليظهر بعضهم بمظهر الكاذب الدائم، أو المقامر الذي لا يشبع، أو المتبلد حيال المشكلات التي يعاني منها شعبه، في الوقت نفسه تتفاوت حساسية الشعوب حيال الفساد والاستبداد والتحلل الاجتماعي والعناية بالمستقبل والنظر إلى منظومات القيم، بشكل يخلق حيرة شديدة.
أمام هذا الوضع يتوقع كثيرون أن نذهب إلى حرب عالمية ثالثة قريبًا، بعدها يتم ترتيب الأوضاع على نحو جديد، بعد أن بلغ النظام الدولي الراهن أقصى درجات الإخفاق. لكن هذا ليس مضمونًا في كل الأحوال، فمع السيولة -حسب تصور باومان- اختلت الكثير من المعايير أو المواصفات القياسية أو المقاربات العلمية التي تعين على فهم ما يجري بشكل دقيق، ومن ثم التنبؤ بما سيأتي.
في الوقت نفسه يبدو القياس على تجارب أو حالات من التاريخ مجازفة عملية، رغم أنها كانت تصلح فيما سبق لفهم الحاضر وتوقع الآتي من خلال الإلمام بما جرى في الماضي، لنبقى في حالة من فقدان اليقين، ولا تلوح في الأفق إمكانية الخروج منها بشكل آمن.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.