الشك السياسي.. سرطان السلطة والمعارضة
هناك مقولة شائعة بأنه "إذا اجتمع يساريان كونا ثلاثة أحزاب"، وهي لا تفسر جانبًا مما يصنعه الإغراق في التفاصيل داخل التصورات والنظريات الكلية فقط، إنما أيضًا حالة الشك المتبادل بين أعضاء الخلايا والتنظيمات.
عمومًا، ليست آفة اليسار وحده، وإن كان الأكثر تعبيرًا عنها، واعترافًا بها، فطالما تحدث بعض القريبين من "جماعة الإخوان المسلمين" في المنفى والمنشقين عنها عن استفحال الشك في صفوفها، حيث يدور الهمس باتهام هذا لذاك، وهذه لتلك، بأنها تتجسس على زملائها لحساب أجهزة الأمن، وخرج هذا إلى العلن، كما رأينا، من خلال اتهام جبهة محمود حسين للجبهة الأخرى التي تزعمها إبراهيم منير بأن لها اتصالًا بالسلطة، وتعمل على تدمير الجماعة.
كما لا يخص مرض الشك المعارضين وحدهم، لكنه يمتد إلى السلطة السياسية نفسها في النظم الحاكمة المغلقة، وتنتقل عدواه إلى قطاع عريض من الشعب في ظل هذه النظم، وبهذا يتحول إلى داء أو وباء، له أضرار جسيمة على الجميع.
وقد رأينا، على سبيل المثال، كيف كان الابن يشك في أبيه، والأخ في أخيه، والمناضل في رفيقه، والسياسي في شريكه، تحت أنظمة حكم صدام حسين في العراق، وحافظ الأسد في سوريا، ومعمر القذافي في ليبيا، وأنتجت هذه الشكوك سرديات يرويها الساسة، ومن قبعوا في السجون، بالبلدان الثلاثة على مدار عقود.
أصل المرض
هذه الآفة موجودة في مصر حاليًا بشكل ما، لا يحد منها سوى قوة المجتمع المصري، نظرًا لقدمه واعتياده تدبير جزء لا يستهان به من شؤونه، وهو ما يمثل اتجاهًا مضادًا مقاومًا أو منازعًا، لا يبدد الشكوك كلها بالطبع، لكنه لا يدعها تدمر العمل السياسي تمامًا، وتجعل الجميع في إحجام عن الانخراط في العمل العام، حتى لو كان محفوفًا بالمخاطر، أو مسكونًا بآثار تدابير سلطة تعمل على تضييق المجال العام، كلما سنحت لها فرصة، تأخذ تعبيرات سكنت القوانين الاستثنائية من قبيل "إثارة البلبلة"، و"العمل على قلب نظام الحكم" أو "الانسياق وراء مؤامرة خارجية" أو "هدم الدولة"... إلخ.
وتتوزع هذه الآفة على الأطراف كافة، بنسب متفاوتة، ولأغراض متعددة ومتضاربة أحيانًا، كل حسب خبرته ومصالحه ومنافعه وهواه، وإدراكه لموقف الطرف الآخر وموضعه، إلى جانب طبيعة الحكم، والثقافة السياسية السائدة لدى عموم الناس خلال فترة أو عهد ما.
ورأينا في السنوات الأخيرة، ومن خلال تحليل بعض التعليقات على السوشيال ميديا، كيف كان البعض يبدي شكوكه في أصحاب الأصوات المعارضة، داخل مصر، بأن ما يكتبونه على صفحاتهم، أو في مقالاتهم، أو ينطقون به عبر إطلالات متلفزة أو من خلال "يوتيوب" أو "بودكاست"، ليس سوى دور مرسوم لهم، لامتصاص غضب الناس، أو تصوير السلطة بأنها لا تضيق بالأصوات المعارضة، ولا تقتل هامش المعارضة، ليتسنى لها مواجهة منتقديها في الخارج، خاصة أثناء المراجعة الدورية لملف حقوق الإنسان.
وتأتي الأحداث لتبدد شكوك هؤلاء، إذ سرعان ما يُستدعى المعارضون الجادون تباعًا إلى "نيابة أمن الدولة العليا" ليخلى سبيلهم بكفالات مالية على ذمة قضايا، أو يعتقلون من بيوتهم ويساقون إلى الحبس ثم إلى المحاكم، فالسجون. وهنا يستيقظ المشككون لخطأ تقديرهم، لكنهم لا يعتذرون عنه غالبًا، وسرعان ما ينقلون الشكوك نفسها إلى شخص آخر، حتى يتم القبض عليه.
وهنا تتوالى السرديات، فهذا لم يخمد صوت المشككين فيه إلا حين اعتُقل وسُجن، وذاك لم يسلم من التشكيك حتى بعد مثوله لمحاكمة، إذ كان هناك من لا يزال يصف ما جرى له بأنه أمر متفق عليه، وثالث اضطرته المطاردة إلى الخروج من مصر إلى المنفى، فوجدنا من يسأل: كيف خرج إن لم يكن هذا بعلم السلطة؟ ورابع كلما صرخ معارضًا وجد سؤالًا ينتظره دومًا على السوشيال ميديا "هل فلان يعيش في مصر؟". ومن عاقبته السلطة على رأيه، ثم تركته ولاذ بالصمت، يقول الناس عنه: "لقد نجحوا في تخويفه وإخراسه"، وهم أنفسهم الذين قالوا وقت عقابه إنه يستحق ما جرى له، لأنه افتقد الكياسة، وأراد أن يراه الناس بطلًا، ولم يدفن رأسه بين الرؤوس الخاملة، فضيَّع من يعولهم.
تسمم الأجواء
رأينا هذا الموقف يتكرر مع كثيرين على مدار عقد من الزمن، يعرفهم المتابعون بأسمائهم، ومع هذا ظلت الشكوك على حالها مستعرة، يغذيها أتباع ثلاثة اتجاهات، الأول هو أغلبية تؤمن بأن السلطة الحاكمة قابضة على كل شيء، تحركه كعرائس الماريونيت، وأمثال هؤلاء استسلموا لخبراتهم القاسية، ووسائل إعلام تسرب إلى نفوسهم هذا الإحساس القاسي، حتى يزدادوا خضوعًا.
والثاني هو فريق من النخبة السياسية والفكرية والاجتماعية نفسها سكنته هواجس مزمنة، بعضها مردود إلى معلومات متداولة، وكثير منها لا يعدو أن يكون شائعات وتصورات مريضة ووساوس، تستند إلى شيء حقيقي، بعضه يعود إلى ما فعله أولئك الذين تقلبت مواقفهم من النقيض إلى النقيض، أو الذين ابتلعوا ألسنتهم بعد أن أطلقوها حادة في نقد السلطة زمنًا.
وهناك عامل آخر يتعلق بخبرة بعض أفراد النخبة مع المتشنجين والزاعقين، أو أصحاب المواقف الحادة جدًا، في العمل العام، والذين تُطلق عليهم صفة "السيخ"، فبعض هؤلاء، وكما تدل التجارب، كانوا يدعون إلى الهياج والعنف لتدمير الحركات الاجتماعية والتنظيمات السياسية، علنيةً أو سريةً، حين يصنعون بدعوتهم هذا مبررًا للسلطة لضرب المعترضين عليها، بتصويرهم على أنهم داعون إلى الفوضى، أو تتمكن من بث الفرقة في صفوفهم. وقد ثبت من خلال مواقف عديدة أن هؤلاء المتشنجين كانوا يؤدون دورًا مرسومًا لهم.
علاوة على هذا يشكك نخبويون في أن الحدة وتغييب العقل والحذر يقف وراءها بعض المصابين بحالة من "جنون العظمة" أو "حب الظهور"، ومثل هؤلاء يكونون عرضة في أغلب الأحوال للانقلاب على كل شيء، وأي أحد، دون سابق إنذار.
وبعض الصامتين والمتحايلين في هذه النخبة من رجال السياسة وأهل الثقافة، يجدون في التشكيك حلًا أخلاقيًا مزعومًا أو متوهمًا لأزمة نفسية تلازمهم طوال الوقت، وتسبب لهم ألمًا شديدًا لعجزهم عن قول أو فعل ما هو مفروض عليهم، ويعلقه عموم الناس في رقابهم، فيصرفون هذا التوجع في تشكيك بغيرهم من الذين يؤدون أدوارهم، على قدر الاستطاعة، من أجل تحسين شروط الحياة، ويقبضون في هذا على الجمر، موقنين بأنهم مسؤولون أمام الله والناس والتاريخ.
والاتجاه الثالث تمثله الأجهزة الأمنية، حيث تعمل دومًا على بث رسائل خفية عن مواقف بعض الشخصيات والأحزاب، وتأتي تصرفات هؤلاء وتصريحاتهم لتعزز هذه الشكوك، مثلما نرى مع برلمانيين يمثلون دور المعارضة، للتعمية على الرأي العام، وأعضاء منظمات حقوقية يدعون الاستقلال، لإظهار أنفسهم على أنهم يؤدون أدوارهم في نزاهة وتجرد، ولا يبتغون سوى الصالح العام، وما هم بصادقين.
ومع اختلاط الحابل بالنابل، وسيطرة الغموض على الخطاب السياسي ومختلف التدابير، وتراجع الثقة في متصدري المشهد السياسي عمومًا، يدفع أصحاب هذه الاتجاهات الثلاثة إلى "المجال العام" ما يجعله مشبعًا بحالة من الشكوك العارمة، التي تؤدي مع الوقت إلى إصابة المجتمع كله بانعدام اليقين، واضطراب الرأي، والابتعاد عن تنظيم الصفوف، والتعامل مع الواقع الراهن على أنه قدر سياسي محتوم.
السلطة ليست بمعزل
على الجانب الآخر، وكما يخبرنا التاريخ، فإن الشكوك تمتد إلى السلطة نفسها، شأن مثيلاتها وقت الانغلاق والانحياز إلى أهل الثقة على حساب أهل الخبرة. فمثل هذا النوع من السلطات يصنع مع الوقت دائرة ضيقة محكمة مغلقة، ويقبض على القرار حتى يصير فرديًا أو ذاتيًا تمامًا، ويجعل كل فرد، مهما بلغت درجة قربه من صاحب القرار محل متابعة ومراقبة، بل إن الجهات المنوط بها هذا قد يراقب بعضها بعضًا، كما رأينا هذا ماثلًا في أنظمة صدام والأسد والقذافي، وفق ما سبق الذكر.
وتريد مثل هذه السلطة من الموالين لها أن يكونوا مستتبعين طائعين طوال الوقت، لا يرون إلا ما يراه الحاكم، ولا يفعلون إلا ما يؤمرون به، وتظل عيونهم مفتوحة، وآذانهم مشنفة، على الدوام، حتى يضبطوا إيقاع حركتهم على المرسوم لهم بعناية من قبل آمرهم.
وكما يعاني المعارضون، وعموم الناس، من الآثار السلبية للشك السياسي، تعاني السلطة نفسها منه، إذ إنها تُضَيِّق الخناق على نفسها، وتخسر من حولها بالتتابع، وبعضهم يكون مواليًا ومخلصًا لها بالفعل، وتخلق مع الأيام صراعًا داخليًا في البنية العليا لها، حتى لو كان مكتومًا، مما يصيبها بعجز متفاوت الدرجات عن أداء الأدوار المنوطة بها، وقد يصيبها بهشاشة لا تنتبه إليها، ويؤدي إلى تآكل شرعيتها، ما قد يكلفها عدم القدرة على الاستمرار في مواقعها، خاصة إن استمرأت اللجوء إلى التغلب، وفرض سياسة الأمر الواقع.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.