جيل غزة
أصدر قبل أيام رئيس كولومبيا الجديد، اليميني المتطرف أبيلاردو دى لا إسبريا، الذي أعاد العلاقات الدافئة بين بلاده وإسرائيل، أوامره بإزالة كل الأعمال الفنية التي لا تعجبه، ويراها معبرةً عما يسميه اليمين المتطرف بـ"ثقافة الووك"، من المتاحف الوطنية. الأعمال التي لا تعجب الرئيس هي تلك التي تعبر عن وعي نسوي، أو أفكار يسارية وتحررية، أو تحتفي باتفاق السلام الذي أنهى الاقتتال الأهلي في 2016، وغيرها.
في يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وفيما ينزع موظفو المتحف الوطني أعمالًا فنية من على جدران قاعات العرض، تظاهر أمام المتحف، الذي يعتبر من أقدم وأهم متاحف أمريكا اللاتينية، آلاف الرافضين لهذا الإجراء. استخدمت الشرطة العنف لتفريقهم واعتقال بعضهم. ولم يغب عن مشهد المواجهات أعلام فلسطين، أصر حاملوها على رفعها في مواجهة هراوات الشرطة وقنابل الغاز وخراطيم المياه.
لا جديد، كلنا نعرف عن حضور الرمزية الفلسطينية في كثير من الحركات الاحتجاجية والمطلبية في كل أنحاء العالم. الجديد أن يكون حضور القضية الفلسطينية متجاوزًا للرمزية، وأن يصبح الانتماء لها ورفض دولة إسرائيل أحد العناصر الأساسية التي تجمع الغاضبين والمحتجين، وأن يساهم الوعي بالإبادة في تطوير انحياز ومواقف أجيال جديدة، وقطاعات مجتمعية جديدة، وأن تمتزج بقضاياها الاجتماعية والسياسية المباشرة.
جيل مواجهة الفاشية
يدرك الأوروبيون أن درجة العنف السلطوي الشُّرَطيِّ ضد الحركات الاحتجاجية والمطلبية ترتبط تقليديًا بعدد من العوامل يصعب حصرها. لكن ارتفاع وتيرتها وتوحشها عادة ما يكون رد فعل على مدى جذرية هذه الحركات في رفض الأنظمة الحاكمة، أو تعبيرًا عن لحظة تحول، وتماهي أجهزة القمع مع قوى رجعية وديكتاتورية تقترب من السلطة، أو نالتها فعليًا.
وإذا كان عنف الشرطة في فرنسا ضد القطاعات السلمية من حركة الاحتجاج هو الأكثر وضوحًا في المشهد الأوروبي الآني، فإن عنف الشرطة في إسبانيا، وإن كان أقل حدَّة، يحمل دلالات على تغلغل الفاشية. فمن بين الألغاز التي أثارت الكثير من التكهنات خلال العام الأخير بين أوساط الناشطين وموائد برامج التوك شو، العنف الشرطي المفرط ضد حركات احتجاجية لها طابع اجتماعي ويساري، ويشعر المراقب أن هذا العنف مقصود ومفتعل.
إنها تحديدًا حركات رفض النموذج النيوليبرالي في الاقتصاد بصيغته الأكثر توحشًا التي يحملها اليمين الأوروبي في موجة صعوده الحالية. فيما تلاحظ حالة من "السلبية" أو اللافعل من جانب الشرطة أمام مجموعات فاشية وعنصرية تمارس العنف، أو ترفع شعارات وأعلام نازية وفاشية يجرمها القانون.
تراكمت الألغاز في الحالة الإسبانية خصوصًا لأن السلطة الحاكمة تتشكل من تحالف بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وقطاعات يسارية وشيوعية أكثر جذرية منه. فكيف يسمح وزير الداخلية، القاضي السابق مارلاسكا، بعنف الشرطة ضد محتجين ينتمي بعضهم للأحزاب المشاركة في الحكومة، وهي لا تمارس عنفًا مثله في مواجهة عنف اليمين المتطرف؟
بقي تفسير وحيد بتراكم الوقائع، أن وزير الداخلية فقد القدرة على التحكم في ضباطه. وأن أجهزة الأمن من جيش وشرطة، مخترقة بمجموعات تنتمي لليمين المتطرف والفاشي، صاحب المصلحة في زعزعة الحكومة اليسارية، وتخدمه من داخل الأجهزة.
على المستوى الفرنسي، يحمل المشهد دلالات عما يحدث في أوروبا. فاحتجاجات طلاب المدارس الثانوية اصطدمت بعنف شرطي مبالغ فيه، واعتداءات دون مبرر، ورفض للتفاوض مع المحتجين أو الالتفات لمطالبهم. بالتزامن مع خطابات تجريم الحراك، ومن قبل أن يمارس بعض المتظاهرين العنف. فكان رد فعل بعض قطاعات المحتجين الطبيعي حماية فاعلياتهم وأنفسهم والاستعداد لمواجهة الشرطة. بالتزامن مع عمليات تخريب ونهب، ربما، مجرد ربما، يكشف المستقبل عن أنها كانت مقصودة لتشويه هذا الحراك نفسه.
فيما يخرج الطلاب للشوارع ويضربون عن الدراسة في فرنسا، وفيما يتم احتلال ميدان باب الشمس أكبر ميادين العاصمة الإسبانية مدريد باعتصام الحق في السكن، وفيما يتظاهر يوميًا مدرسو الابتدائي في التعليم الحكومي المضربين عن العمل منذ ستة شهور، تصل شرارة الاحتجاج لمدن وبلدان أوروبية جديدة؛ إيطاليا، البرتغال، بلجيكا، ألبانيا، اليونان وغيرها.
تلتقي كلها على المطالب الاجتماعية نفسها؛ الحق في الصحة والتعليم العام بجودة عالية، حق السكن بأسعار مناسبة وإصدار قوانين تمنع المضاربات العقارية، رفع مستويات الأجور والمعاشات، إلى آخرها. وفيها كلها حضر الانتماء للقضية الفلسطينية باعتباره خلفية تجمع أطياف الاحتجاج السياسي، وحضر الاتفاق على عدو رئيسي وواضح: اليمين والفاشية.
في يوم 25 سبتمبر/أيلول الماضي، طُردت ماري كارمن، من بيتها بعد مقاومة استمرت لسبعة أعوام. كان عمرها 87 سنة، وكانت تعاني من عجز جسدي بنسبة 50%. عملية إخلاء منزل ماري كارمن، والاعتداء على المئات المتضامنين معها والراقدين طيلة الليل أمام بيتها، أخرجت في اليوم التالي عشرات الآلاف في أكبر مظاهرات احتجاجية من أجل الحق في السكن في كل المدن الإسبانية.
في طريق العودة إلى البيت بعد التظاهرة ليلًا، مررنا بميدان باب الشمس. كان هناك عدد من أعضاء نقابة المؤجرين والمؤجرات ينصبون خيام الاعتصام الأولى. وكان أولَ ما رفعوه في منتصف دائرة الخيام، علمٌ فلسطينيٌّ.
تصورنا أن الشرطة ستنهي الاعتصام خلال الليل. لم يحدث، ففي ظرف ساعات قليلة تضخم الاعتصام ليضم الآلاف من الشباب، ومئات الخيام التي احتلت الميدان بأكمله، وتجاوزت حجم حركة الاحتجاج القديمة 15 مايو/أيار 2011، حين سمي مركز الاعتصام بـ"ميدان التحرير" تحية للثورة المصرية واعترافًا بإلهامها.
في تلك الأيام القديمة رفعت الأعلام المصرية والتونسية. أما الآن فالعلم الفلسطيني هو الوحيد الحاضر وبكثافة بجوار صور ماري كارمن التي توفيت بعد أيام قليلة من طردها من بيتها، وتحولها لرمز للحركة. سمي جيل 2011 بالجيل المفقود، الجيل الذي واجه خطر الانحدار الاجتماعي والاضطرار للهجرة بعد أزمة 2008 الاقتصادية/المالية. وهذه المرة أغلب من يحتلون الميدان في مدريد، ويملؤون شوارع عدد من العواصم والمدن الأوروبية من جيل أصغر. جيل يواجه خطر حكم الفاشية، والانحدار الاجتماعي والديكتاتورية.
من جيل التحرير إلى جيل غزة
إنه الجيل الذي ينبئ بأن هناك شيئًا جديدًا يحدث في أوروبا. يبدأ في التفاعل مع السياسة والاحتجاج في لحظة حرجة ومحورية من تاريخ القارة، لحظة الصعود الكاسح لليمين المتطرف والفاشي والعنصري، ووصوله لحكم عدد من البلدان والمدن، واستعداده للفوز بحكم بلدان أخرى. إنه الجيل نفسه الذي نشط في فاعليات التضامن مع الشعب الفلسطيني، وتتسع قطاعاته النشطة الآن بقطاعات جديدة، وبالتركيز على المطالب الاجتماعية، دون أن يتخلى عن الرمزية والمعنى الفلسطينيين.
يصل العنف الجسدي والخطابي/الدعائي لذروته أيام 18 و19 و20 من شهر أكتوبر الحالي؛ مواجهات مفتوحة في عدد من المدن الفرنسية، وفرض حظر التجول على بعضها، ونزول الجيش في هذا البلد وفي إيطاليا للشوارع لمحاولة "ضبط الأوضاع". وإصدار حكومة ميلوني اليمينية المتطرفة في إيطاليا فرمانًا حكوميًا يسمح باعتقال من يشتبه في نيتهم المشاركة في الاحتجاجات قبل أن يشاركوا فيها، ويُخضع الأطفال فوق سن الرابعة عشرة للمحاكمة والعقوبات السارية على البالغين. واعتداءات متفرقة على المتظاهرين المطالبين بتطوير التعليم العام. واقتحام اعتصام الحق في السكن في العاصمة البرتغالية لشبونة، وتحطيم الخيام واعتقال عشرات من المعتصمين.
بالإمكان ملاحظة مشاركة أبناء المهاجرين من الجيل الثاني والثالث في بعض هذه الحركات الاحتجاجية، وخصوصًا أنها ترفع الشعارات المناهضة للعنصرية والفاشية. وإن كانت هذه المشاركة في تقديري لا تتماشى مع حقيقة أن المهاجرين من ضمن الشرائح الاجتماعية الأكثر تتضررًا من السياسات التي يرفضها الحراك.
لكن، في زمن الفاشية واليمين العنصري أن يكون الفرد مهاجرًا أو لاجئًا يتحول لتهمة، ووسيلة لتشويه أي حراك، ووصمة بالتخريب لمجرد مشاركة من يخرجون عن النسق الشكلي الغالب لأبناء البلد. بحيث تبدو أوروبا في مخيلة اليمين العنصري ودعايته مسيحية وبيضاء، شديدة النقاء، ضحية لمن فتحت لهم أبوابها وآوتهم.
من هذه الزاوية نستطيع فهم الحملة اليمينية المكثفة ضد الحركات الاحتجاجية ومحاولة تجريمها وربطها بالمهاجرين وبالذات المسلمين. وفي مثل هذه الحملات لا يمكن أن يصمت ترامب. فخلال أيام العنف الشرطي ومواجهته في الشوارع ساهم في حملة التجريم معايرًا أوروبا بأنها تدفع ثمن حدودها المفتوحة، وعدم تطهير أراضيها من المهاجرين مثلما يفعل في الولايات المتحدة الأمريكية. لدرجة استدعت ردًا عنيفًا عليه من ماكرون يوم 21 أكتوبر.
لم تفاجئ الدعاية اليمينية أحدًا هذه المرة، فالقطاعات التي خرجت للشوارع، ومرشحة للانتشار في بلدان أوروبية جديدة، خرجت في وقت اقتراب استحقاقات انتخابية، في إسبانيا وفرنسا على سبيل المثال، ومن ضمن أهدافها المعلنة فرملة صعود الفاشية بأجندتها الاجتماعية التي ستنتج المزيد من تدهور الأوضاع المعيشية. الجديد أن الإبادة في فلسطين، التي يتباهى بممارستها اليمين الفاشي الإسرائيلي، بدعم صريح من اليمين العالمي، كانت الأرضية التي شكلت إمكانية الخروج إلى الشوارع، وكأنها صنعت على مهل لحظة تشكل فيها إدراك ووعي قطاعات مجتمعية وشبابية بأن ما يحدث في فلسطين ولبنان وإيران لا ينفصل عن حياتهم اليومية المباشرة.
هذا الوعي نفسه أنتج هذه الأجندة الاجتماعية الموحدة أوروبيًا، الرافضة للحروب، وللتطرف اليميني العنصري، ولرفع الإنفاق العسكري، وللإبادة في فلسطين، وللبلطجة الترامبية، وغيرها. أجندة ترفض كل ما سبق وتطالب بخدمات اجتماعية بجودة عالية، بالحق في التعليم والصحة والرعاية، الحق في السكن بأسعار عادلة، وبرفع مستويات الأجور والمعاشات، إلى آخره. فتصبح هذه المطالب نفسها، وعلى النقيض من مقولات اليمين الترامبي بأنها تقوض أوروبا كما نعرفها، الأفق الحقيقي الذي يطرح تجديد أوروبا وتجديد الديمقراطية وتأصيلها.
فلسطين أوروبيًا
في ربيع 2026، كتبت في مقال سابق نشرته المنصة عن موجة التضامن مع الشعب الفلسطيني، أن "ارتفاع مضامين الشعارات المطروحة، وجذريتها، واستمرارية حركة التضامن/الرفض، وانضمام قطاعات واسعة من الشباب إليها منذ موجة الاعتصامات في الجامعات الأوروبية والأمريكية، والمظاهرات الحاشدة التي ضمت مئات الآلاف في بعض دول العالم. كل ذلك ينبهنا إلى أن هناك شيئًا جديدًا يتشكل في رؤية العالم لدولة إسرائيل ودرجة رفضه لها، وكيف تتحول القضية الفلسطينية لقضية عالمية، تتقاطع مع قضايا أخرى كثيرة، وتتداخل معها، لتصبح رمزيةً لحركات مقاومة الإفقار والاستغلال الرأسمالي، والعنصرية، والذكورية، والاحتباس الحراري، والمطالبة بحقوق السكن والتعليم والصحة، وحركات الدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين، وغيرها من القضايا".
إنه ما كان يتشكل تدريجيًا منذ الشهور الأولى من الإبادة. وربما نحن نشاهد الآن بدايات انفجاره، التي جعلت دوناتيللا دي لا بورتا، أستاذة العلوم الاجتماعية والسياسية الإيطالية، والمتخصصة في دراسة الحركات الاجتماعية تقول قبل أيام ما يستحق أن يكون خاتمة لهذا المقال؛ "كبر جيل زد فيما يعبر عدد من الأزمات؛ تقشف، تغير مناخي، وباء، والآن الحروب. بدأ تفاعله الاجتماعي النشط في حركة الاحتجاج للتضامن مع فلسطين ورفض الإبادة الإسرائيلية. في إيطاليا نسميهم جيل غزة".
يضع التاريخ على أكتاف كل جيل مهام، عليهم إنجازها، أو يخفقون. السؤال الآن هو سؤال الحاضر والمستقبل: هل سيستطيع جيل غزة أن يفرض إرادته وتغييراته الحقيقية؟ أن يحفر مقبرة جديدة للفاشية، بما فيها الفاشية الإسرائيلية مثلما تقول بعض هتافاته؟ أم أن اليمين سينتصر عليه باستيعابه، وبتدجينه لطاقتي الرفض والغضب، وبث الرعب في صفوف ما يمكن تسميته بـ"حزب الكنبة الأوروبي" بالمعنى المصري الينايري؟
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.