تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
ضجيج الكراهية

قبل أن أخاف من الشارع

منشور الأربعاء 22 نيسان/أبريل 2026

اختيار "عشوائي" لبعض وقائع الأسابيع القليلة الماضية:

واقعة #1 

شهدت المباراة الودية بين منتخبي مصر وإسبانيا يوم 31 مارس/آذار الماضي، في إطار الاستعدادات لكأس العالم، تشويشًا بالتصفير أثناء عزف النشيد الوطني لمصر، وهتافات عنصرية ضد المسلمين. قلل البعض، في كلا البلدين، من أهمية المسألة بمنطق "ياما بتحصل في الكورة حاجات". لكن قطاعات من السياسيين والإعلاميين الإسبان انتبهت لخطورتها، وربطتها بتصاعد العنصرية والعنف في أوروبا.

تطورت الأزمة ولا تزال، بالذات بعد فتح فيفا تحقيق قد يعرّض المنتخب الإسباني لعقوبات. في الأيام التالية للمباراة، أدانت كل القوى السياسية الإسبانية ما حدث عدا حزب بوكس اليميني المتطرف، المصنف من أقرب حلفاء إسرائيل وفقًا للوبي الصهيوني في أوروبا.


واقعة #2

بدأ التحقيق في جرائم اعتداء وابتزاز جنسي متهم فيها رجال شرطة، أحدهم من قيادات الجهاز، اعتدوا على مرؤوساتهم من ضابطات شرطة. كشفت التسجيلات الصوتية التي أذاعتها الصحافة الإسبانية حرص الجاني/الشرطي على إذلال ضحيته، قبل وأثناء وبعد الاعتداء الجنسي عليها، بحيث تحضر ميكانيزمات العنف والإهانة كأدواتٍ أساسيةً في سيطرة الرجل على ضحيته. التسجيلات أعادت للأذهان بعضًا مما نُشر عن فضائح جزيرة إبستين وأغنياء العالم المتورطين في شبكته.


واقعة #3

في 14 أبريل/نيسان الحالي، ترك نائب في البرلمان الإسباني من حزب بوكس، وهو في الأصل قاضٍ، مقعده وصعد لمنصة رئيس الجلسة آخذًا في الصراخ والتهديد، لإجبار الرئيس على منحه الكلمة، حتى طُرد من القاعة. في اليوم التالي، في مجلس محافظة مورثيا، وأثناء النقاش حول حقّي الإجهاض والموت الرحيم، قال أحد نواب الحزب ذاته "واجبنا أن نفرض قيمنا، ولو باستخدام العنف".


واقعة #4

حصلت بعض عصابات اليمين المتطرف السرية على عنوان السياسية اليسارية ريتا مايستري. لم يهاجموا بيتها، اكتفوا بوضع عنوان منزلها على صفحات الإعلان عن الدعارة، ليدق بابها ليلًا ونهارًا رجال آتون لطلب "الخدمة". ارتعبت ريتا مايستري على نفسها وعلى رضيعتها.


واقعة #5

يوم 12 أبريل، انتحرت البلوجر السكندرية بسنت سليمان على الهواء مباشرة، بعد ظهورٍ امتد لنحو الساعة، تحدثت خلاله لآلاف من متابعيها عن أسباب إقدامها على الانتحار. لم يتحرك فرد أو جهة لإنقاذها، ولم يجد البعض ممن لا يعرفونها رد فعل تجاه مأساتها سوى السخرية منها.


أغلب الوقائع السابقة من إسبانيا، التي امتلكت قلوب العرب بسبب مواقف حكومتها اليسارية من إسرائيل والحرب. من دون معرفة تعقيدات السياسة الداخلية تبدو إسبانيا جنة أوروبية، لكنها تواجه خطر أن يحكمها تحالف اليمين المتطرف واليمين التقليدي بعد الانتخابات المقبلة، خصوصًا وأن هذا التحالف يحكم حاليًا الكثير من المحافظات والمدن، وبدأ في ترسيخ سياساته المعتمدة على الكراهية والعنصرية والتمييز ضد القطاعات الأكثر ضعفًا من المجتمع الإسباني.

الكراهية

اسمها لوثيانا بيكر، صحفية وكاتبة أرجنتينية تبلغ من العمر 52 عامًا، عاشت عمرها كله في بلدها فيما عدا السنوات الثلاث الأخيرة إذ اضطرت للجوء لإسبانيا، وحصلت على جنسيتها بقرار وزاري، لتستمر في الكتابة من المنفى.

تركز عمل لوثيانا الصحفي منذ شبابها على قضايا النوع الاجتماعي وحقوق النساء. نالت عنه الكثير من الجوائز. لكن الشهرة تجلب اللعنة أحيانًا. تلقت لوثيانا تهديدات بالقتل مما دفعها لترك بلدها. كانت التهديدات تصلها من تليفون مسجل باسم محامٍ من المقربين لدوائر اليمين المتطرف. بعد استلام خافيير ميلي السلطة، عُين هذا المحام قائدًا في الجيش.

الكراهية في الحياة اليومية هي الرغبة في خسارة الجار لحقوقه من دون سؤال "ماذا سأربح أنا من خسارة الآخر؟"

من محامٍ لقائدٍ في الجيش! صدفةً، أو لا صدفة، تثبتُ بعضَ نتائج عمل لوثيانا الصحفي الاستقصائي؛ شبكة العلاقات السرية التي تربط قطاعات اليمين المتطرف والفاشية الجديدة بقطاعات من العسكريين وأجهزة الأمن.

نشرت لوثيانا بيكر مؤخرًا كتابها الجديد "الكراهقراطية"، أو حكم الكراهية. على غرار مصطلح الديمقراطية/حكم الشعب. كتاب يبحث في صعود حركات اليمين المتطرف في العالم، والعلاقات التي تربطها ببعضها البعض، وميكانيزمات تمويلاتها، وكيف أن الكراهية هي الشعور المطلوب تعميمه بأكبر درجة ممكنة لأنه الشعور الأساسي الذي يسمح لهذه القوى بالصعود والسيطرة؛ أن نكره الآخرين، وأن نشعر بالرغبة في إيذائهم.

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام حائط المبكى في الأراضي الفلسطينية المحتلة، 6 فبراير 2024

تحذر لوثيانا في كتابها وتصريحاتها الصحفية من أن نتصور أن إسبانيا أو أوروبا بمنأى عن نظام وخطر الكراهقراطية، بل تؤكد على أنه خطر حاضر وقريب. تنبه كذلك إلى أن شبكات اليمين المتطرف في كل أنحاء العالم تعمل بتنسيق، وتجمعها علاقات وثيقة داخل إطار أشبه بالأممية. شبكة عالمية تستخدم السوشيال ميديا بكفاءة وبتواطؤ مالكيها، مثل إيلون ماسك، لتحقيق هذا الصعود العالمي.

الكراهية في الحياة اليومية، المنعكسة في السياسة، هي الرغبة في خسارة الجار/الآخر لحقوقه أو ما يملكه، من دون سؤال الذات "ماذا سأربح أنا من خسارة الآخر؟". على سبيل المثال، إن كان الآخر دفع القرض البنكي وفوائده على مدار سنوات لشراء منزله، لكنه تعثر مؤخرًا في السداد فاستولى البنك على بيته وطرده، أشعر أنا بالراحة والطمأنينة لمأساة الآخر، دون أن أسأل نفسي ماذا استفدت؟

ماذا سأستفيد من السخرية من امرأة أنهت حياتها؟ ماذا سأستفيد من إيذائها حية أو ميتة؟ لا شيء. لكنني سأوهم ذاتي بأنني مستفيد من خسارة الآخرين. إنه الوهم الذي يساعد على نسج منظومة سياسية وأخلاقية أكثر اتساعًا من الشارع الذي يضمني والجار، بل أكثر اتساعًا من شرفة بسنت سليمان في العالم الحقيقي، وشرفتها في العالم الافتراضي.

يحمل المنشار الكهربائي إيحاءات بفحولة مهددة قادرة على بث الرعب

تربط لوثيانا صعود اليمين المتطرف والذكورية المفرطة بنموذج الذكر القوي القادر على فعل أي شيء، المتباهي بذكورته. نستطيع أن نتأكد من ذلك بمراقبة الأداء الجسدي واللفظي لرموز الفاشية في العالم؛ ترامب ونتنياهو وأوربان وميلي وبولسونارو، وغيرهم.

في حالة خافيير ميلي، تنبهنا لحمله منشارًا كهربائيًا شعارًا انتخابيًّا. أهداه لإيلون ماسك في أول لقاء بينهما. منشار كهربائي يوحي بالفحولة المهددة ويرمز لها. رمزية قادرة على بث الرعب، تتجاوز ما كان يقوله ميلي عن أن هذا المنشار سيكون أداته في سياسة التقشف. هذه الذكورية المطلقة دائمًا تضع النساء أمام أعينها باعتبارهن عدوًا.

إنهم يكرهون النساء، ولن أعيد التذكير بالوقائع الواردة في بداية هذا المقال.

الرعب

حين يتحدث مشاهير أوروبا من الفنانين والمثقفين عن خوفهم من حكم الفاشية، يشير أغلبهم لما يسمى بسياسة الإلغاء/cancel culture. فبالإضافة للرقابة الصريحة، التي نعرفها جيدًا في عالمنا العربي، التي ستمنع أفلامًا وكتبًا وأعمالًا مسرحية ومواقع صحفية، ستُعتمد سياسة الإلغاء/التجاهل، ألا يروك، دون أن يرفضوا مشاريعك الفنية والثقافية صراحةً، تجنبًا لأن تعلق على صدرك أوسمة العقاب والمنع.

العنف هو نتاج الكراهية، وهو الأكثر رعبًا في رحلة صعود الفاشية للسلطة

تتعامل السلطات، كل أنواع السلطات من أصغرها لأكبرها، مع المتمرد كأنه غير موجود. انشر كتابك، لن يتكلم عنه أحد. وسنرسل من يهمس في أذن البعض أن يبتعدوا عنك، يتجنبوك، وألا يتحدثوا عن عملك. انشر ديوان شعر لفلان، ولن تشارك الدار أبدًا في معرض الكتاب، ومن دون إبداء أسباب.

إنها طرق قديمة للقمع اختبرناها في عالمنا العربي. نحن نعلم أن التنكيل، أو القمع العلني المباشر، ليس الأسلوب الوحيد في بلداننا. نعرف العقاب عن طريق التجاهل، عن طريق الإلغاء، قل ما تشاء، أنت لست هنا، لن نلفت الانتباه لعملك، حتى وإن كان بعيدًا عن السياسة.

العنف هو نتاج الكراهية، وهو الأكثر رعبًا في رحلة صعود الفاشية للسلطة. فلا يمكن للفاشية أن تمارس سلطتها، أو حضورها الاجتماعي والسياسي، من دون ممارسة العنف. إنه ما نلاحظه في كثير من التفاصيل والوقائع من حياتنا اليومية، وهو سبب إصراري خلال الأعوام الأخيرة على الحديث عن صعود اليمين المتطرف في أوروبا والعالم.

علم فلسطين على شرفة الكاتب باسل رمسيس في مدينة مدريد الإسبانية، أبريل 2026

لم أخَفْ أبدًا من الشارع. أعلم جيدًا كمهاجر متمرس أن هناك بعض الأحياء والشوارع في مدينتي عليّ تجنبها ليلًا. أعرف الشكل الخارجي للاستراحات التي أتجنب الوقوف فيها على الطريق السريع. هي أماكن تنشط فيها تقليديًا مجموعات النازيين والفاشيين الجُدد، ومن الممكن أن يمارسوا عنفهم على المختلفين، مهاجرين أو مثليين أو ذوي احتياجات خاصة أو نساء، إن ضلوا الطريق.

تحت سطوة الفاشية الصاعدة، في عالم ترامب ونتنياهو، لا ينحصر الرعب في ممارسات السلطة، في الملاحقة، في القوانين، في الرقابة، في تدمير المنظومة الديمقراطية، في إلغاء الثقافة وغيرها. بل يمتد الرعب للشارع نفسه. ففي المنظومات الفاشية لا تحتكر السلطة ممارسة العنف، بل تعممه وتصدره للجميع، في الشارع.

مقرطة العنف هي الرعب الأكبر. أن يتردد كل فرد منا، ويفكر عشرات المرات قبل التدخل لحماية امرأة تتعرض للإيذاء من رجل آخر في الشارع. أن نخاف من تعليق أعلام فلسطينية في شرفات بيوتنا، كي لا يعرفوا أماكننا. أن يتجنب رجل أسود الخروج لمكان عام بصحبة حبيبته البيضاء. الفاشية هي أن نخاف من الشارع.

واقعة ختامية

أتوقف عن الوقائع السوداوية وما تلقيه في وجوهنا لوثيانا بيكر، وكيف أدركه. لألتقط خبرًا مفرحًا بعض الشيء. مُني حاكم المجر، فيكتور أوربان، الذي حكم بلاده لمدة ستة عشر عامًا، بهزيمة ساحقة في الانتخابات. أوربان هو الأكثر عداءً للاتحاد الأوروبي من داخله. باعتباره أحد رموز تيار اليمين المتطرف عالميًا، يحظى بصداقة بوتين وترامب ونتنياهو.

في زمن أزمة الهجرة واللجوء في البحر المتوسط، قبل عشرة أعوام، كان أوربان العدو الأول للمهاجرين واللاجئين. وفي زمن الإبادة، أصبح الحاكم الأوروبي الوحيد الذي استضاف نتنياهو في بلاده، رغم قرارات الملاحقة القضائية ضده. ربما، مجرد ربما، تكون هزيمته، مع مؤشرات أخرى، بداية لتراجع الموجة اليمينية الفاشية. ربما نستطيع أن نرى بداية شروخ في الجدار الترامبي/النتنياهوي، بفضل عوامل كثيرة، من بينها حركة التضامن مع الشعب الفلسطيني ورفض إسرائيل.

وهذا موضوع المقال القادم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.