مدى مصر
رئيسة تحرير موقع مدى مصر لينا عطالله

أبعد من ترخيص مدى مصر.. كيف تسعى السلطة لإخضاع الصحافة المستقلة؟

منشور الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026

حين انطلق موقع مدى مصر عام 2013، لم يكن قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي ينُظِّم ترخيص المواقع الإلكترونية قد صدر بعد. وبعد ثلاثة عشر عامًا من العمل الصحفي، أُحيلت رئيسة تحريره، لينا عطا الله، في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى محكمة الجنح بتهمة إنشاء وإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، وحُددت جلسة لنظر القضية في 27 من الشهر نفسه. 

منذ انطلاقه وعلى مدار 13 عامًا، نشر مدى مصر الأخبار والتحقيقات، ومع ذلك أصبح تشغيل الموقع نفسه محل اتهام. يمنح نظام الترخيص مؤسسات الدولة سلطة تحديد الشروط التي تستطيع الصحافة في ظلها مراقبة أعمال تلك المؤسسات ومساءلتها. فبينما ينشر مدى مصر تحقيقات تتيح للجمهور فحص أداء السلطات العامة، يبقى تشغيل الموقع الذي يحمل هذه التحقيقات مشروطًا بموافقة إحدى مؤسسات الدولة. وتضع هذه العلاقة حق الصحافة في مساءلة السلطة ضمن حدود إدارية تملك السلطة نفسها تقريرها. 

تضارب مصالح

بدأ نزاع ترخيص مدى مصر بعد صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، الذي ألزم المواقع القائمة والجديدة بالحصول على ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. تقدمت المؤسسة بطلب في العام نفسه وسددت رسمه، لكن المجلس رفضه في يناير/كانون الثاني 2021. وفي مايو/أيار 2023، أيد القضاء الإداري قرار الرفض، معتبرًا أن مشروعيته تُقاس بالمستندات التي كانت أمام المجلس وقت اتخاذه.

ولم يشمل الحكم طلبًا جديدًا يقول دفاع مدى مصر إنه قدمه في يونيو/حزيران 2023، وظل دون قرار حتى إحالة رئيسة تحريره إلى المحاكمة. وخلال تلك الفترة، واصلت المؤسسة النشر بينما بقي الوضع القانوني لتشغيل موقعها معلقًا. وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حققت نيابة أمن الدولة العليا مع لينا عطا الله بشأن وضع الموقع، إلى جانب أسئلة عن تحقيق السجون. وفي اليوم التالي، أُحيلت إلى محكمة الجنح بتهمة تتعلق بإنشاء الموقع وإدارته دون ترخيص.

تكشف هذه المحاكمة كيف يؤثر شرط الترخيص في استقلال الصحافة قبل صدور أي حكم. فالمادة السادسة من قانون تنظيم الصحافة والإعلام تحظر إنشاء موقع إلكتروني أو إدارته دون ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. وبموجب هذا الشرط، تتوقف قانونية تشغيل المنبر الصحفي على قرار جهة رسمية. 

وبحسب لائحة التراخيص، تمر الطلبات عبر لجنة مختصة، ويُؤخذ رأي الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ويُشترط الحصول على موافقة ما تسميه اللائحة "الأجهزة المعنية" قبل إصدار الترخيص. ويظل القرار النهائي بيد المجلس، مع حق المؤسسة في الطعن عليه أمام القضاء الإداري. وبذلك يتجاوز فحص الطلب التحقق من بيانات المالكين والإدارة والتمويل، ليشمل موافقات من جهات رسمية أخرى. وتصبح قانونية تشغيل الموقع الصحفي مرتبطة بمسار إداري تشارك فيه مؤسسات متعددة.

وتصل آثار نظام الترخيص إلى العقوبة القانونية عندما يصبح تشغيل الموقع دون موافقة المجلس سببًا للملاحقة أمام القضاء. فالمادة 105 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام تقرر غرامة تتراوح بين مليون وثلاثة ملايين جنيه لمخالفة أحكام من بينها شرط الترخيص، وتنص على الغلق ومصادرة المعدات والأجهزة المستخدمة في الجريمة عند الإدانة. وتتولى النيابة التحقيق والإحالة، بينما تختص المحكمة بالفصل في الاتهام وتقرير الجزاء وفق القانون. 

إن دلالة محاكمة مدى مصر تتجاوز العقوبة التي قد تقررها المحكمة؛ فالقانون يتيح إغلاق موقع صحفي ومصادرة أدوات عمله بسبب مخالفة تتعلق بالترخيص، دون اشتراط إثبات ضرر ناتج عن خبر أو تحقيق منشور لتوقيع العقوبة. وهكذا يمكن أن يتحول نزاع بشأن الإذن الإداري إلى تهديد قانوني لوجود المنبر الصحفي نفسه.

الحجب قبل المنع

في مايو 2017، قبل صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام الحالي، رصد مرصد التدخل المفتوح في الشبكات (OONI)، وهو مشروع يقيس الرقابة على الإنترنت، تعذر الوصول إلى موقع مدى مصر من بعض الشبكات المصرية. وأظهرت الاختبارات اختلافًا بين شركات تقديم الخدمة، مع استخدام وسائل تقنية لعرقلة الاتصال بالموقع. واستمر الموقع في النشر، بينما واجه مستخدمو الإنترنت في مصر صعوبة في فتحه بالطريق المعتاد.

وفي 29 أكتوبر 2023، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حجب الموقع لمدة ستة أشهر، وإحالة الأمر إلى النيابة العامة. واستند المجلس في قراره المعلن إلى تشغيل الموقع دون ترخيص، وإلى نشر ما وصفه بأخبار كاذبة في تغطية متعلقة بالحرب على غزة والأمن القومي. ويختلف هذا القرار المنشور، بجهته وأسبابه المعلنة، عن الحجب الذي رصدته القياسات التقنية عام 2017 دون أن تحدد الجهة التي أمرت به. لكن الواقعتين تكشفان كيف يمكن تقييد وصول الجمهور إلى الصحافة عبر مسارات مختلفة، حتى عندما تستمر المؤسسة في إنتاج محتواها.

ويغيّر الحجب العلاقة بين المؤسسة وقرائها. فقد يستطيع البعض الوصول إلى الأخبار عبر مواقع بديلة أو السوشيال ميديا أو أدوات تجاوز الحجب (VPN)، لكن ذلك يتطلب معرفة وجهدًا إضافيين، ويتضاعف الجهد المطلوب لمتابعة الموقع على من يطالعون الأخبار عبر البحث المباشر وليس من خلال متابعة الحسابات والصفحات المرتبطة به على السوشيال ميديا. 

وبالعودة إلى تحقيق السجون، فإن نشر شكاوى الأسر والمحامين يجعل رواياتهم متاحة خارج المؤسسات المسؤولة عن الاحتجاز، لكن قيمة الإتاحة ترتبط أيضًا بقدرة الناس على قراءة التحقيق وتداوله ومناقشة ما ورد فيه. وهكذا يضيّق الحجب المجال الذي تصل إليه المعلومات المستقلة، حتى عندما يستمر إنتاجها.

ولا تنفصل قدرة الجمهور على الوصول عن قدرة المؤسسة على الاستمرار ماديًا. فالصحافة المستقلة تحتاج إلى موارد لاستمرار عمل الصحفيين وجمع المعلومات وتشغيل الموقع والوصول إلى القراء. 

ويُضاف إلى ذلك الإنفاق على استيفاء المتطلبات التنظيمية ومتابعة التقاضي. إذ تحدد لائحة التراخيص رسمًا قدره خمسون ألف جنيه لطلب الترخيص، وحدًا أدنى لرأس مال الشركة المالكة يبلغ مائة ألف جنيه. وقد سدد مدى مصر رسم طلبه القديم دون أن يحصل على الترخيص. وتظل الغرامة والغلق والمصادرة مخاطر قائمة في القانون عند الإدانة، فضلًا عن كلفة النزاع القضائي.

وتتفاوت القدرة على تحمل هذه الأعباء بين المؤسسات. فقد تستوعب مؤسسة واسعة الموارد رسمًا أو غرامة أو نزاعًا قضائيًا، بينما تعجز مؤسسة أصغر عن تمويل عملها في الظروف نفسها. وعندما تصبح ممارسة حرية الصحافة مشروطة بتكاليف تنظيمية مرتفعة والقدرة على تحمل التقاضي والعقوبات، يتأثر تنوع المؤسسات الصحفية بالموارد المتاحة لها. فلا يتحدد من يستطيع البقاء في المجال الإعلامي بما يُسمح بنشره وحده، وإنما بمن يستطيع تحمل شروط الاستمرار فيه.

الصحافة المستقلة في مواجهة القمع

تكشف قضية مدى مصر أن الضغط على الصحافة المستقلة يمكن أن يستمر حتى بعد انتهاء مواجهة قانونية بعينها. فالترخيص والحجب والملاحقة الجنائية مسارات مختلفة، ولكل منها جهة وإجراءات، لكن المؤسسة تواجه نتائجها مجتمعة. وقد تواصل النشر رغم النزاع على الترخيص، بينما يتعذر على بعض القراء الوصول إليها، ويواجه القائمون عليها المحاكمة. ويتحول الدفاع عن قدرتها على العمل إلى مواجهات متزامنة مع مؤسسات متعددة من الدولة، دون أن يضمن حسم أحد المسارات انتهاء القيود الأخرى. وبهذه الطريقة تحتفظ السلطة بوسائل للتأثير في استمرار المنبر الذي يحقق في أعمالها، حتى عندما لا تتدخل مباشرة في مضمون ما ينشره.

ويتجاوز أثر هذا الترتيب ما تنتهي إليه قضية مؤسسة واحدة. فالقواعد التي تجعل بدء تشغيل الموقع مرهونًا بالموافقة وتجيز تعريضه للغلق تنطبق على مواقع صحفية أخرى، بينما تتفاوت قدرة المؤسسات على مواجهة إجراءات طويلة ومكلفة. وتصبح شروط الاستمرار في المجال الصحفي جزءًا من علاقة قوة غير متكافئة بين الدولة والمنابر التي تراقبها.

ويكفي احتمال تراكم الضغوط الإدارية والقضائية والتقنية لجعل قدرة مؤسسة مستقلة على الحفاظ على عملها مسألة مرتبطة بمواردها وبالقرارات التي تتخذها جهات رسمية خارجها. وهكذا قد يتأثر تكوين المجال الصحفي قبل صدور قرار بإغلاق أي منبر. وعليه فإن إلغاء الترخيص المسبق ضروري لمعالجة هذه العلاقة، رغم أنه لا يزيل بقية أدوات السيطرة. 

تُظهر هذه الوقائع أن مسارات التضييق قد تتقاطع دون أن تختزل إحداها الأخرى. فإذا أصبح إنشاء المواقع بالإخطار مع بقاء الحجب والملاحقات وسيلتين للضغط على الصحفيين، ستتغير قاعدة التسجيل بينما تبقى حرية العمل والوصول إلى الجمهور مهددة.

تبدأ مواجهة هذه المنظومة بإنهاء ملاحقة لينا عطا الله وأي مؤسسة صحفية أخرى بسبب الترخيص، ورفع القيود التي تحول دون وصول الجمهور إلى المواقع الصحفية. ويتطلب ذلك أيضًا إنهاء استخدام الحجب والملاحقات الجنائية للضغط على العمل الصحفي، وإخضاع القرارات التي تمس استمرار المنابر ووصولها إلى الجمهور لرقابة قضائية فعالة.

ويشمل ذلك إلزام الجهات المختصة بإعلان أسباب قرارات الحجب أو الوقف، وإتاحة الطعن العاجل عليها، حتى لا يؤدي طول الإجراءات إلى تعطيل العمل الصحفي قبل الفصل في مشروعية تلك القرارات.

وعلى المستوى التشريعي، ينبغي إلغاء الموافقة المسبقة على إنشاء المواقع وما يرتبط بمخالفتها من عقوبات الغلق والمصادرة، وإحلال نظام للإخطار يتيح للأفراد والمجموعات إنشاء وسائلهم الصحفية دون انتظار إذن. ويمتد هذا الحق إلى غير أعضاء نقابة الصحفيين، مع التزام المؤسسات بتقديم بيانات محددة عن ملكيتها وإدارتها وتمويلها وتحديثها، وضمان حق الطعن في الإجراءات التي تمسها.

قد تنهي تسوية وضع مدى مصر النزاع المتعلق به، لكنها لن تحمي بقية المؤسسات من الأدوات نفسها ما دامت قائمة. ويتوقف استقلال الصحافة على قدرة المنابر على التحقيق في أعمال السلطة وإيصال روايات من يخضعون لها إلى الجمهور، دون أن تستطيع مؤسسات السلطة محل المساءلة تعليق عمل هذه المنابر أو حجبها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.