10 سنوات من قروض الصندوق.. كيف زادت هشاشة الاقتصاد؟
على مدار العقد الماضي، وقَّعت مصر سلسلةً من اتفاقات القروض مع صندوق النقد الدولي، آخرها ينتهي بنهاية هذا العام. وبينما يدَّعي الصندوق أن الاقتصاد المصري أصبح أكثر صلابةً في مواجهة الأزمات بعد تطبيق "الإصلاحات" التي أوصى بها، فإن الأزمات اﻹقليمية والدولية الأخيرة تكشف على العكس أنه أصبح أكثر هشاشة.
عشر سنوات تضاعفت فيها الديون الخارجية أكثر من ثلاثة أمثال، وبات الاقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الاقتراض من الخارج مصدرًا للتمويل، وفقد الجنيه نحو 84% من قيمته، وانهار مستوى معيشة ملايين المصريين تحت موجات متلاحقة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، في إطار برامج اقتصادية تقشفية اتفقت عليها الحكومة مع الصندوق.
ستنتهي اتفاقية القرض الأخيرة مع صندوق النقد في ديسمبر/كانون الأول المقبل، إلا أن آثار السياسات المُطبقة لن تزول برحيل الصندوق، فوضع الاقتصاد الهش مستمر، والتصورات التي تقدمها الحكومة للمرحلة المقبلة لا تختلف كثيرًا عن المسار الذي اشترطه الصندوق في السنوات الماضية.
ماذا جرى لديوننا
يمكن اعتبار السنوات العشر الماضية "حقبة الصندوق"، وأبرز ملامحها زيادة الدين الخارجي لمصر بوتيرة غير مسبوقة، ففي صيف 2016، لم يكن الدين يتجاوز 55.8 مليار دولار، أي 16% فقط من الناتج المحلي وقتها، ومع تطبيق أول برنامج "لإصلاحات الصندوق" خلال هذا العقد، الذي استغرق ثلاث سنوات فقط، زادت الديون بأكثر من الضعف إلى نحو 108 مليارات دولار.
ثم توالت الاتفاقات على مدار السنوات العشر، و لم تعد تقتصر على الصندوق إنما امتدت لتشمل قروضًا من أطراف دولية مختلفة، على رأسها دول الخليج والاتحاد الأوروبي وعدد من المؤسسات المالية الدولية بالإضافة إلى البنوك التجارية. ومع هذا التوسع وصلت قيمة الديون الخارجية إلى 164.7 مليار دولار، بما يمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي الحالي.
تحت ضغط هذه الديون الضخمة على مالية الدولة ومواردها المحدودة من النقد الأجنبي، لجأت الحكومة إلى خصخصة بعض الأصول أو بيع حق استغلالها لتستخدم عوائدها في سداد ديونها؛ كما حدث في اتفاقية رأس الحكمة. لكن أثر الصفقة كان محدودًا للغاية، وعادت الديون لترتفع من جديد كما يظهر من الرسم التالي.
يجادل البعض بأن هذه الديون لا تمثل خطورةً لأن التزاماتها تسدد على عشرات السنين، لكن هذه الالتزامات تتطلب توفير سيولة بالعملة الصعبة في مواعيد محددة، في بلد يعتمد على استيراد جانب كبير من احتياجاته الأساسية، كما تتأثر موارده بسهولة بالعوامل الخارجية، بالتالي يصبح أمام أزمة متكررة في السداد.
شروط لا تعالج أساس المشكلة
تشترط برامج الصندوق عددًا من الإجراءات المتعارف عليها بناءً على توصيف متشابه ﻷسباب الأزمات رغم اختلاف الظروف بين الدول، فهي ترى تحرير سعر العملة وتركه لقوى السوق طريقةً فعالةً لحل مشكلات ميزان المدفوعات، كما تعتبر أن تقليص الإنفاق العام هو السبيل لتحقيق الانضباط المالي، وتوصي ببرامج للتخلص من الأصول المملوكة للدولة لإفساح المجال للقطاع الخاص باعتبار أن هذا هو الضمان لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
لكن تطبيق هذه الإجراءات لم يُخرج الاقتصاد من أزماته العميقة (مع الأخذ في الاعتبار أن الحكومة لم تلتزم بها بشكل كامل) ﻷن تصور الصندوق للحل لا يعالج المشكلات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد، بل يفاقمها بأكثر من صورة.
لم يحد إصرار الصندوق على تخفيض قيمة العملة من المشكلات الهيكلية في ميزان المدفوعات، والتحسن الذي شهده هذا الميزان على مدار العقد الماضي جاء مدفوعًا بالأساس بدخول مبالغ القروض التي حصلت عليها مصر خلال تلك الفترة أو بيع الأصول العامة، وكلها إجراءات لها تكلفة مستقبلية ولا تمس مصادر الخلل الأساسية في إنتاج السلع والخدمات.
من جهة أخرى، أدت سياسات الصندوق إلى توحيد سعر الصرف، وهو أمر إيجابي، وساهم رفع سعر الفائدة في إقبال المستثمرين على سوق الديون المصرية، مما وفر مصدرًا للعملة الصعبة وساعد على زيادة احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي. لكنها تظل أيضًا إصلاحات هشة لا تمس أصل المشكلات الهيكلية في الاقتصاد كما أنها تمت بأثمان فادحة.
على سبيل المثال، بُني قرار تعويم الجنيه في 2016 على تقديرات خاطئة من صندوق النقد للتداعيات الاجتماعية المترتبة عليه، إذ كان يتوقع ارتفاع معدل تضخم أسعار المستهلكين على أثر هذا القرار بنحو 18% فقط، إلا أن النسبة وصلت فعليًّا إلى 30%، ما انعكس على تدهور مستويات معيشة ملايين المواطنين وزيادة معدلات الفقر واللامساواة.
توالت بعدها قرارات السماح بتخفيض العملة حتى وصل الدولار إلى 56 جنيهًا في الأيام الأخيرة مقابل 8.8 جنيه قبل عشر سنوات، ومعها عانى المصريون من موجات ارتفاع الأسعار، دون أن تعود عليهم الإصلاحات بفائدة.
وبعد كل هذه المعاناة من آثار "الإصلاح" على مدار العقد الماضي، يتوقع صندوق النقد أن تظل الاحتياجات التمويلية لمصر عند مستوى 40% من الناتج المحلي خلال السنوات الثلاث المقبلة، وما يعني الاستمرار في الاقتراض لتغطية هذه الاحتياجات ﻷن الإصلاحات ببساطة لم تحل مشاكل الاقتصاد.
المسؤول الأكبر عن انخفاض الجنيه
لا ينفصل تراجع قيمة الجنيه المصري ﻷدنى مستوى له قبل أيام عن المسار الذي سلكته مصر بالتعاون مع صندوق النقد خلال السنوات العشر الماضية. صحيح أن التطورات الإقليمية والدولية لعبت دورًا مهمًا في انخفاض قيمة العملة، لكن السبب الرئيسي وراء هذا التدهور كان سياسات الحكومة المدعومة من الصندوق.
ارتبط تراجع سعر الجنيه أمام الدولار نحو 17% منذ بداية العام الجاري بتداعيات الحرب التي بدأتها أمريكا وإسرائيل على إيران في مارس/آذار الماضي، لكن السبب المباشر وراء التراجع هو اعتماد مصر الكبير على الأموال الساخنة مصدرًا رئيسيًّا للعملة الصعبة -رغم تقلباتها المعروفة- مما يجعل العملة ومن ورائها الاقتصاد تحت رحمة المضاربين.
تستخدم الحكومة أسعار الفائدة المرتفعة وسيلةً لجذب المستثمرين الأجانب لشراء أذون الخزانة التي تصدرها بما يمكنها من الحصول على دولارات سهلة في وقت قليل، حتى وصلت استثمارات الأجانب في أوراق الدين الحكومية إلى 55 مليار دولار في يونيو/حزيران الماضي. لكنها تصبح مجبرةً على تدبير هذه الدولارات بشكل فوري إذا قرر المستثمرون بيع الأوراق المالية نتيجة لأي أزمة أو تقلبات في الأسواق وظهور فرص لربح أكبر.
هذا ما حدث خلال الأيام الماضية، فمع طلب الرئيس المصري من البرلمان تفويضًا بإرسال قوات عسكرية للمشاركة في الدفاع عن السعودية وازدياد احتمالات توجيه ضربة جديدة لإيران، ثارت مخاوف المستثمرين من تنامي المخاطر وبدأوا في الخروج من السوق.
وفي ظل محدودية موارد مصر من العملة الصعبة وتوالي الالتزامات الخارجية المستحقة عليها أقساطًا وفوائد لديونها الخارجية، تصبح استثمارات الأجانب في أوراق الدين المحلية مصدرًا كبيرًا للهشاشة تجاه الصدمات الخارجية. اللافت للنظر أن صندوق النقد يشير إلى مخاطر "اعتماد مصر على التمويل المحلي قصير الأجل"، في الوقت نفسه الذي يشيد فيه بصلابة الاقتصاد المصري ويشجع على الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة.
سعر الفائدة وتفاقم الأعباء
يدافع صندوق النقد عن رفع أسعار الفائدة باعتباره من الأدوات التقليدية التي يُلجأ لها لمحاربة التضخم، لذلك توصي تقارير مراجعة برامج الصندوق مع مصر في معظم الأحيان باتباع سياسة التشديد النقدي، ورغم أن فاعلية هذه الأداة في كبح التضخم في الوضع الاقتصادي المصري محدودة، كما يرى كثيرٌ من الاقتصاديين، فإن معدلات الفائدة ظلت مرتفعة على مدار السنوات العشر التي طبقت فيها مصر برامج الصندوق، وحتى مع انخفاض التضخم لم تتراجع الفائدة بنسب كبيرة.
تكمن خطورة ارتفاع الفائدة لفترة طويلة في أثره السلبي البالغ على مالية الدولة باعتبارها أكبر مقترض في السوق المحلية، بينما تصب الأرباح لدى الجهات المقرضة للدولة وعلى رأسها البنوك.
نسبة خدمة الدين العام من إجمالي الإنفاق. إنفوجراف من تصميم المنصة
ورغم المخاطر، تحافظ الحكومة على هذا الوضع ﻷنه يجلب لها العملة الصعبة عن طريق استثمارات الأجانب في أوراق الدَين الحكومية -الذين يجذبهم ارتفاع سعر الفائدة- لذلك بقي العائد على أذون الخزانة في حدود 25% مقابل سعر الفائدة البنكية الذي انخفض نسبيًّا إلى ما بين 19 و20%.
وتستهدف برامج صندوق النقد بالأساس علاج العجز الكلي في الموازنة العامة للدولة، الذي يمثل الفرق بين الإيرادات والمصروفات العامة بعد استبعاد أقساط الديون، لتحقيق التوازن المالي، لكن الإصرار على بقاء سعر الفائدة مرتفعًا طوال تلك السنوات أدى إلى زيادة مدفوعات الفوائد على الديون لتصبح قيمتها أكبر من العجز الكلي الذي يفترض أن يعالجه الصندوق. فقد بلغ العجز نحو 1.5 تريليون جنيه في موازنة العام الحالي، بينما وصلت الفوائد إلى 2.4 تريليون جنيه، بحيث صارت خدمة الديون مصدرًا لتغذية العجز.
خدمة الديون والاحتياطي
قبل التوسع في الاستدانة، كان حجم الدين الخارجي في حدود ثلث قيمته الحالية، إذ بلغ 55.8 مليار دولار في العام المالي 2015/2016، وكانت تقديرات خدمة هذه الديون (أقساطًا وفوائد) بعد عشر سنوات تبلغ نحو 1.3 مليار دولار بحلول عام 2025/2026. إلا أن التوسع في الديون قصيرة الأجل وطويلة الأجل قفز بالتزامات السداد إلى ما يزيد على 50 ضعف المتوقع، لتصل إلى نحو 51.2 مليار دولار في عام 2026/2025.
يظهر حجم العبء الذي تمثله هذه الأقساط والفوائد على الاقتصاد بقياس نسبتها إلى الصادرات من السلع والخدمات، وهي إحدى الطرق التي تُقاس بها متانة الوضع الاقتصادي، فقد وصلت نسبة خدمة الدين الخارجي إلى 53.6% من الصادرات المصرية في يونيو 2025. ورغم أن حصيلة الصادرات قد زادت خلال السنة المالية 2025/2024 بحوالي 23%، فإن أثر هذه الزيادة يتضاءل مع ارتفاع أعباء خدمة الدين.
رغم نجاح برامج صندوق النقد في زيادة الاحتياطي النقدي لمصر، فإن التزامات سداد الديون تحاصر هذا الاحتياطي، فقد بلغت قيمة خدمة الديون المستحقة السداد خلال عام أو أقل 63.7 مليار دولار في ديسمبر الماضي (وتجمع بين الديون القصيرة وأقساط القروض طويلة الأجل التي يحين وقت سدادها خلال سنة أو أقل)، ووصلت نسبتها من احتياطي النقد الأجنبي إلى نحو 124%.
يعني ذلك أن الاحتياطي الذي يفترض أن يغطي التزامات مصر الخارجية -وعلى رأسها الواردات- لا يكفي أصلًا لتغطية الالتزامات واجبة السداد في الأجل القصير، خاصة إذا ما حدثت أزمات سياسية أو اقتصادية تمنع إعادة جدولة بعض الديون القصيرة كما هو معتاد.
نسبة الديون واجبة السداد خلال سنة من احتياطي النقد الأجنبي. إنفوجراف من تصميم المنصة
كانت نسبة الديون المستحق سدادها خلال عام أو أقل قد وصلت ﻷسوأ أوضاعها في ديسمبر/كانون الأول 2023، عندما بلغت نسبتها من احتياطي النقد الأجنبي نحو 166%، مع احتدام أزمة نقص العملة الأجنبية، ثم بدأت هذه النسبة تنخفض تدريجيًا نتيجة تراجع قيمة الديون بعد صفقة رأس الحكمة من جانب، وارتفاع احتياطي النقد الأجنبي من جانب آخر، من مستوى 35 مليار دولار في وقت الأزمة إلى 48.7 مليار في يونيو الماضي.
وتظهر مخاطر ارتفاع التزامات السداد قصيرة الأجل كنسبة من الاحتياطي في ضوء ما تشهده المنطقة حاليًا من أزمات سياسية وأمنية قد تختلف خلالها التحالفات بشكل يمكن أن يمثل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد المصري في وضعه الراهن، فقد ثارت مخاوف بخصوص الوديعة السعودية لدى البنك المصري بقيمة 5 مليارات دولار، والتي أشارت تقارير صحفية لاحقًا إلى تجديدها.
الحياة بعد الصندوق
رغم دوره الأساسي في زيادة القروض الخارجية على مدى نحو 10 سنوات، يحذر صندوق النقد الدولي في تقاريره من مخاطر زيادة الديون وعبء الفوائد، وتثور الآمال في أن يكون برنامج التمويل الحالي مع الصندوق هو الأخير في هذه السلسلة، بعد أن تنتهي آخر مراحله في ديسمبر المقبل، وأن تَصدُق الحكومة وعدها بعدم التقدم بطلب لقرض جديد، والاعتماد على "برنامج وطني" للتحول الاقتصادي.
يتطلب هذا البرنامج خطةً واضحةً للخروج من مأزق الديون في مدى زمني مناسب، وتغييرًا للتوجه الذي تواكب مع التوسع في الاقتراض، والذي انصب على تمويل مشروعات غير إنتاجية ولا تحظى بأولوية تنموية، مع ضرورة إيجاد بدائل للأموال الساخنة التي أفرطت الحكومة في الاعتماد عليها في ظل أوضاع عدم الاستقرار الإقليمية والدولية الحالية، مع الالتفات لعلاج مشكلات الاقتصاد الهيكلية.
العبرة ليست فقط في عدم الاعتماد على صندوق النقد إنما في تغيير الافتراضات الأساسية التي بني عليها "الإصلاح الاقتصادي" في العقد الماضي.